مقالات

أمينة العناني تكتب: تحرش مشروع


كان أبي، رحمة الله عليه، يسألني دائمًا:
«لو أنكِ تريدين شراء تفاح، وذهبتِ إلى البائع، فوجدتِ أمامك نوعين؛ أحدهما مُغلَّف بالسلوفان وغالٍ، والآخر غير مُغلف والذباب يحوم حوله… أيهما ستشترين؟»

وبتلقائية شديدة، ومن دون إدراك للمعنى المقصود، كنت أجيبه ببراءة:
«لن آكل الذي عليه ذباب، سأشتري المُغلَّف بالسلوفان حتى لو كان غاليًا».

اعتاد أبي منذ صغري أن يردد هذه الكلمات أمامي، وظل يفعل ذلك حتى كبرتُ وأدركت المعنى الذي يرمي إليه. فهمت وقتها أنه كلما حافظتُ على «غلاف السلوفان» الخاص بي، ازدادت قيمتي عند نفسي قبل أن تزداد في أعين الآخرين.

كان أبي يملك من الوعي ما يجعله يرسم الطريق الذي يجب أن تسير عليه أميرته الصغيرة. وبغيرته عليّ، حتى من إخوتي الذكور الأربعة، أحاطني بغطاءٍ صعب الاختراق. وصنعت أصوله التركية ونشأته الأوروبية فكرًا متحضرًا بغلاف شرقي راقٍ، انعكس أثره بوضوح على طفولتي وصباي.

اعتدت أن أضع حدودًا واضحة بيني وبين الآخرين، فاحترم الجميع رغبتي، ولم أجد تجاوزًا. وكلما ازدادت المودة والرغبة في التعبير عنها بحميمية – للأقرباء فقط – كنت أرفض، فيكون البديل تقبيل رأسي أو يدي. لم أعترض يومًا، فأنا أعلم أن تلك من أرقى وسائل التعبير عن الاحترام دون تجاوز.

من هنا يبدأ الأساس… منذ الصغر. يتعلم الفتى والفتاة، من نعومة أظافرهم، أن هناك حدودًا لا ينبغي لأحد أن يتعداها. يجب أن يُحصَّن الأبناء، وأن يعرفوا أن أجسادهم ليست مباحة لأي غريب أو قريب.

هنا يكمن دور الأم الكبير؛ فهي مسؤولة عن التوعية، إناثًا وذكورًا، ومسؤولة عن غرس المفاهيم الصحيحة فيهم. لكن التوعية الحقيقية لا تكون بالكلمات القاسية أو التعنيف، بل بالقدوة الحسنة أولًا.
اعلمي أيتها الأم أن الأبناء لا يسمعون الكلمات بآذانهم بقدر ما يرونها بأعينهم؛ ما يرونه منكِ هو ما يصدقونه ويتبعونه، أما ما يسمعونه فلن يبقى طويلًا إن لم تدعمه الأفعال.

تفشّت في المجتمع سلوكيات غريبة؛ أصبح السلام بين بعض الأصدقاء بالأحضان والربت على الأكتاف والظهور، يفعلها الرجل بتلقائية كأنها ثقافة نشأ عليها. لكنك إن نظرت إلى بيته، وجدته يضع القوانين الصارمة لزوجته أو أخته أو ابنته: «ممنوع تقتربي من أحد، السلام بالرأس وليس باليد، لماذا تضحكين بصوت عالٍ؟ كوني محترمة».
خارج تلك الجدران يصبح كل شيء مباحًا، وداخلها تُرفع الأسوار.

أما بعض الفتيات فيرين في ذلك حرية مطلقة، في زمنٍ تراجعت فيه كثير من القيم. تقول إحداهن: «هو صديقي واشتقت له، ما المشكلة إن عانقته أو قبّلته؟ أنا لا أفعل خطأ». لكن ما إن ترتبط بشخص، حتى تتخلى عن تلك السلوكيات، وترتدي ثوبًا آخر عنوانه العفاف.

رسالة من قلبي إلى كل فتاة تظن أن الحرية هي حرية الجسد: احفظي نفسك، واجعلي خصوصيتك مصونة لا يقترب منها إلا من يستحقها في إطارها الصحيح. ستكتشفين أن الغيرة التي تطلبينها لنفسك ممن تحبين، هي ذاتها التي يجب أن تمنحيها لقيمتك وحدودك.

وهل سيرضى الرجل أن تُعامل شريكته بالطريقة ذاتها التي قد يعتبرها هو عادية خارج بيته؟ سؤال يستحق التفكير.

«اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك أن أُغتال من تحتي».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى