مقالات

أمينة العناني تكتب: سيجارة محشية

كان يجلس على الأرض يتناول طعامه مع أخيه وصديقه المقرب.. يدق هاتفه والمتصل كان ابن خالته، طلب منه النزول فورا لمقابلته وهو يتوعده لأنه لم يعيد أليه بعض الأشياء التي أعاره إياها، يفتح الباب ويهرول إلى الأسانسير مع أخيه وصديقه، وكانت بيده قطعة من فطير أطعم بها صديقه، حدثت المواجهة في الطريق أمام المنزل وتطور الخلاف إلى طعن بالصدر بسلاح أبيض، ليس من الصعب الحصول عليه، أودى بحياته في لحظات، أمام أخيه وصديقه.. لحظات مرت كأنها دهر على كل من شهد الواقعة.. لم يسعفه أحد ولن يتمكنوا حتى لو استطاعوا فالمستشفى أعلنت أن الوفاة كانت سريعة.. حالة من الحزن والبكاء تنتاب أخيه وصديقه الذي ما زالت قطعة الفطير في فمه.. ظل الشاب في ثلاجة المستشفى وحيدا حتى الصباح التالي وسط ذهول كل من حوله، ألقت الشرطة القبض على ابن خالته لتتم محاسبته على ما ارتكب ويقبع حاليا بين جدران السجن.. هل ينتابه الندم على أنه أزهق روح بريئة وهي من لحمه ودمه.. أم يتوعد العالم الخارجي بأنه سيعود إليه أكثر شراسة.. ببساطة شديدة وفي لحظات انتهت حياة أكثر من شاب صغير تراوحت أعمارهم ما بين 18 إلى 22 عام..

“انت مش شايفني راجل”..” انا مش صغير”.. “أنتي مش هتكوني لحد غيري “.. ” ايه اللي خلاكي تكلمي الواد ده”..” حرام عليك بتضربه ليه”..  غالبا ما تبدأ الخلافات والمعارك بين الشباب في هذا السن الصغير بمثل هذه الكلمات.. لتنتهي في لحظات الكثير من الحيوات الضائعة التائهة.. بلا مبرر أو تفسير..

يختلف تأثير كل مخدر عن الآخر.. لكنها جميعا تغيب العقل والوعي وتنقل متعاطيها إلى عالم آخر.. فهذا يبحث عن الجرأة وذاك يبحث عن رجولته في الدخان المتصاعد من سيجارته.. وهناك من يغيب بين ملذات محرمة، قد تدفعه في بعض الأحيان لارتكاب من الجرائم أبشعها وأقساها..

أجمعت العديد من الإحصائيات على أن 79 % من الجرائم التي ترتكب في مصر يكون مرتكبيها متعاطين لأحد المواد المخدرة، ويبلغ عدد المتعاطين حوالي 5.9 % من السكان.. تعمل غالبية أنواع الممنوعات التي يتعاطاها الشباب على تغييب العقل وزيادة الدوبامين في الجسم” ومن الآخر بتعلي المزاج وتخلي اللي بيشربها مش هنا مش معانا.. بيكون في عالم تاني وتالت ورابع”.. كما أنها تغيب الوعي والإدراك المجتمعي.. فيضع المتعاطي قانونه الخاص وبطالب الجميع بالالتزام به وإلا ستكون العواقب وخيمة.. وتمنحه معرفة ببواطن الأمور بل تجعله في بعض الأحيان فيلسوف عصره وأوانه، العارف والمطلع على جميع أمور الدنيا والآخرة.

وبعد فترة من الزمن يشعر المتعاطي بالضغط والفراغ والغضب والرغبة في تجربة نوع آخر يزيد من نشوته الوهمية ويغيبه عن واقعه الأليم الذي يحاول الهرب منه بلا جدوى.. وإذا لم يكن لديه ما يكفي للشراء فلن يكون من الصعب عليه أن يتطاول على من حوله بالسرقة أو افتعال المشاكل للحصول على ما يريد من نقود تكفي لشراء ما يميت عقله ووعيه.. يوجد بعض الأشخاص متزني العقل وفي مراكز مرموقة يتناولون هذه المواد كنوع من أنواع الرفاهية و” تعلية الدماغ”.. هؤلاء تكون الأضرار التي تطالهم بسيطة ربما لكبر سنهم أو لإدراكهم ماذا يفعلون ولماذ.. وبالتالي تكون هذه الفئة في منطقة محايدة.. لا ضرر ولا ضرار..

الفراغ.. البطالة.. الضغط النفسي.. صحبة السوء.. سهولة الوصول للممنوعات.. غياب الوعي والتربية .. الفقر والمشاكل الأسرية.. الفضول.. هذه الكلمات البسيطة هي المشكلة الأساسية لما يحدث بين الشباب.. ولن نحمل العبأ كاملا للحكومة.. فالجميع يلتزم بكل ما يستطيع لقمع هذه الظاهرة المميتة.. سواء بالقبض على التجار .. أو بالحملات التي تطوف الطرق مساءا.. لكن هذا ليس الحل الأفضل…

هل أستطيع أن أوجه إليك عزيزي قارئ المقال رجاء حار ملح مهم.. سواء كنت شاب أو أب أو صديق أو أخ.. نعم الرسالة موجهة إلى الذكور.. فنحن نون النسوة، قلة منا ستجدها حازمة صارمة مع أبنائها في المنزل.. وللضغوط الكثيرة التي تتعرض لها النساء فسأشعر بالخجل إن وجهت إليها رجائي.. وأن كنت أطالب منها المتابعة المستمرة لأبنائها، وعندما ترى أي تغيير في سلوك أحد أبنائها فعليها فورا أن تبلغ الأب ليقوم باللازم، وعليكي بالدعاء المستمر لأبناءك بالهداية والصلاح والابتعاد عن أصحاب السوء” ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾.. أما أنت عزيري الرجل.. أطلب منك الرحمة والاستماع والإنصات والتفكير العميق في كل ما يمر به أبناءك.. كن لهم سندا وعونا.. كن أنت الدرع الواقي والملاك الحارس.. كن أنت المستمع الأول والأخير.. كنت أنت مصدر الثقة والأمن والآمان.. كن أنت الملجأ الصادق الوحيد.. «ما من ” ما من عبدٍ مسلمٍ يدعو لأهله وولده إلا قال الله: ولَكَ مثلُ ذلك”.. وسوف أختم مقالي بها الدعاء الصادق” اللهم يا هادي الضالين، ويا مُصلح الفاسدين، اهْدِ أبناءَنا وبناتِنا، واصرفْ عنهم رِفقةَ السوء، وألهمهم صحبة الصالحين.. اللهم افتح لهم أبواب الخير، واصرف عنهم أبواب الشر، واحفظهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن

اللهم أصلح قلوبهم، وبارك في أخلاقهم، واجعلهم قرةَ عينٍ لنا في الدنيا والآخرة اللهم احفظهم بحفظك، واكلأهم برعايتك، واجعلهم من عبادك الصالحين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى