مقالات

أمينة العناني تكتب: كاس وسجادة صلاة

يرمز الكأس في مقالتي إلى كل متع وملذات الحياة المختلفة، وترمز سجادة الصلاة إلى كل ما تعتمل به صدورنا من خير وحب وأعمال حسنة، ولو أمعنا النظر جيدا داخل أنفسنا سنجد إننا مزيج متنوع من هذه التركيبة الغريبة، ومنذ بدأ الخليقة والإنسان في صراع مستمر بينهم، تارة يٌملأ كأسك لآخره من النشوة والثمالة وأحيانا أخرى تٌبلل سجادتك من دموع الخشوع والإيمان والحب والإحسان.

﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ﴾.. وتوضح هذه الآية ببساطة كيف حالنا جميعا، ليس الآن فقط ولكن على مر الزمان، وإن اختلف زمن عن زمن.. فطبيعة الإنسان لا تتغير، فأحيانا يملأنا الخير والرغبة في إسعاد كل من حولنا وأحيانا نمر بلحظات عصيبة مهما كان سببها، وننغمس في أي سلوى مهما كانت هروبا فقط من تلك الأصوات التي تصرخ داخلنا وتطالب بالخلاص والراحة.

في حفل عيد ميلاد صديقتي.. ارتديت الملابس المناسبة للمكان والاحتفال.. مضى الوقت بي وبالحضور صاخب يمتلئ بالضجيج الذي لا يقل عن الضجيج الساكن داخلي وداخلهم.. حاولت الانخراط فيما يحدث عل الضجيج والصراخ داخلي يهدأ.. لكن الغريب أن الصوت داخلي كان أعلى وأصخب.. لم يردني للواقع والمكان.. إلا كلمة من صديق ردا على اضطرابي من تأخر الوقت وخوفا من أن تضيع عني صلاة الفجر، وكانت كلماته قاسية متهكمة معناها” ربنا يهدي”.. رددت عليه دون تردد اللهم أمين.. وظلت الكلمات داخلي تائهة.. تمكن أن يخرجني بكلماته من صخبي وضجيجي إلى صخب وضجيج من نوع آخر مختلف.. ولحرصى دائما بحمد الله على الحفاظ على صلاة القيام والفجر.. من الله علي ووصلت إلى منزلي قبل أن يدق منبه هاتفي الذي يوقظني يوميا للصلاة.. وتمكنت الحمد لله من آداء تطوعي وفريضتي.. لكن ظلت كلماته تصرخ بداخلي حتى اللحظة التي اكتب فيها مقالي الآن..

يا سيدي ويا كل من يرتدي عباءة الوعظ والإرشاد والفضيلة.. الله وحده سبحانه وتعالى يعلم ما بداخل أنفسنا.. هو وحده العالم ببواطن الأمور وخفاياها.. هو وحده جل وتعالى يمتلك الميزان والحساب والفصل وتقدير الأمور.. أعلم تماما أن الكثير يؤكد على أن ارتياد أماكن العبادة أفضل بكثير من ارتياد أماكن اللهو والتنزه ومشغلات الحياة.. لكن دعني أخبرك شيئا بسيط.. أفضل من أن يكون للعبادة مكان محدود محاط بحوائط مقسمة.. أن يكن لك قلبا يتسع لحب الله سبحانه وتعالى وكل من خلق.. أتيقن تماما أن الكثيرين غيري.. لا تفارق سجادة الصلاة قلوبهم حتى وإن كان كأس الحياة بأيديهم..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إنَّ الرجلَ ليُدرِكُ بحسنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائم”.. نعم.. هذا قول الرسول الكريم حٌسن الخلق ومعاملة الناس بالحٌسنى والبر والإحسان والتبسم في وجه أخيك ومساندته وقت شدته والربط على كتفه وقت أزماته وأن تكون سندا لمن حولك وغيرها من الأفعال الكريمة الحميدة حتى وإن كانت بسمة.. تعادل صيام وقيام الرجل الصالح الذي لا يترك معبده ومحرابه..

لم يبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو أي نبي لتعليم البشر العبادة والصلاة والصوم فقط.. بل ليبث في النفوس الأخلاق الكريمة وليتعامل البشر بها مع كل من حولهم، وصدق حين قال صلى الله عليه وسلم ” إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”.

“اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ”. ومن قلبا منصهر في حب الله.. أدعوكم وإياي إلى حب الله والناس والحياة والإحسان إلى أنفسكم قبل الإحسان إلى الآخرين.. لا تقسو على أنفسكم.. فالدنيا دار اختبار والآخرة دار مقام.. ” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ “.. إخطأ وتب إليه ولا تتردد إن ارتكبت نفس الخطأ أكثر من مرة.. المهم أن تكون بعيدا عن الكبائر التي لا يسامح الله عليها ولا يغفر إلا لمن أراد.. “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى