أوراق سياسات

إسرائيل وخديعة “النووي”

في الآونة الأخيرة، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، عاد إلى الواجهة حديث يتكرر بين حين وآخر حول إمكانية لجوء إسرائيل إلى استخدام “الخيار النووي” ضد خصومها، وفي مقدمتهم إيران. غير أن هذا الضجيج الإعلامي والسياسي، رغم ثقله وهيبته، يظل في الواقع أمرًا شديد الاستبعاد من الناحيتين العسكرية والاستراتيجية، وذلك لعدة أسباب جوهرية. أول هذه الأسباب أن جغرافية المنطقة المتداخلة تجعل من أي انفجار نووي خطرًا إشعاعيًا مباشرًا على إسرائيل نفسها قبل غيرها، وثانيها أن الإقدام على خطوة كهذه سيعني عمليًا نهاية شرعيتها الدولية وتحولها إلى دولة منبوذة عالميًا. يضاف إلى ذلك أن السلاح النووي، في العقائد العسكرية الحديثة، يُنظر إليه أساسًا بوصفه سلاح ردع دفاعي، لا أداة هجومية تقليدية.

ومن ثم، فإن هذه التهديدات لا تتجاوز في كثير من الأحيان إطار الحرب النفسية، الهادفة إلى تعويض النقص في القدرات التقليدية أو تعظيم أثر الردع المعنوي. وعلى امتداد ستة عقود، نجحت إسرائيل في تسويق صورة ذهنية للعالم باعتبارها “القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط”، بما رسّخ هذا النوع من الردع النفسي. ومع ذلك، يبرز هنا تساؤل استراتيجي عميق: ماذا لو كانت إسرائيل، في الحقيقة، لا تمتلك سلاحًا نوويًا جاهزًا للاستخدام الفعلي، وأن كل ما أحاط بهذا الملف من غموض وتسريبات وتصريحات محسوبة، لم يكن سوى بناء دعائي محكم يهدف إلى تحقيق الردع بأقل تكلفة ممكنة، من دون دفع ثمن الامتلاك المعلن أو مواجهة تبعاته القانونية والدولية؟

مسرحية ديمونة وسيناريو التضليل
يعود تاريخ مفاعل ديمونة، المعروف حاليًا باسم “مركز شيمون بيريز”، إلى عام 1957، حين كشفت وثائق رفعت عنها السرية لاحقًا عن اتفاقية سرية بين إسرائيل وفرنسا لتزويد تل أبيب بمفاعل من طراز EL-3. ووفقًا لتحقيقات نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، جرى نقل المفاعل وقطعه تحت غطاء “مصنع نسيج” بهدف تضليل أقمار التجسس الأمريكية، قبل أن يبدأ تشغيله الفعلي عام 1963. غير أن وجود المفاعل ذاته لا يعني بالضرورة بقاء وظيفته العسكرية على حالها؛ إذ كشفت تقارير فنية، من بينها ما نشرته صحيفة “هآرتس” عام 2016، استنادًا إلى معطيات صادرة عن علماء إسرائيليين، أن المفاعل يعاني من أكثر من 1500 عيب وتصدع في قلبه المعدني بفعل الإشعاع، وهو ما يثير شكوكًا جدية حول قدرته على الاستمرار في إنتاج البلوتونيوم العسكري بالكفاءة التي تُروَّج عنه.

وفي هذا السياق، يذهب بعض التحليلات إلى أن تسريبات مردخاي فعنونو، التي نشرتها صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية عام 1986، لم تكن بالضرورة اختراقًا أمنيًا عفويًا، بل ربما جاءت ضمن عملية تسريب موجهة بعناية، هدفها تزويد العالم بصورة بصرية ترسّخ في وعي الخصوم امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، من دون أن تضطر الحكومة الإسرائيلية إلى إعلان رسمي يترتب عليه ثمن قانوني وسياسي باهظ، وخاصة في ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة وبنود القانون الأمريكي المرتبطة بمنع الانتشار النووي. وبهذا المعنى، يصبح ديمونة “أيقونة صامتة” تخدم سياسة الردع بالغموض أكثر مما تمثل قدرة تشغيلية مؤكدة.

النفوذ السياسي بديلًا للرؤوس النووية
القوة الحقيقية لإسرائيل، وفق هذا المنظور، قد لا تكمن في “قنبلة” ربما لا تكون جاهزة فعلًا، بقدر ما تكمن في النفوذ السياسي الهائل الذي يتمتع به اللوبي المؤيد لها في واشنطن، وعلى رأسه “إيباك”، بوصفه أحد أقدم وأقوى جماعات الضغط تأثيرًا في بنية القرار الأمريكي. فهذا النفوذ لم يقتصر على الدفاع عن مصالح إسرائيل، بل امتد إلى التأثير في صناعة القوانين وتشكيل التوافقات السياسية الكبرى. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، نجح هذا التيار في فرض استثناءات غير مكتوبة وتفاهمات ضمنية، بدأت مع لقاءات ريتشارد نيكسون وغولدا مائير، تقوم على غض الطرف الأمريكي عن البرنامج النووي الإسرائيلي مقابل التزام تل أبيب بسياسة الصمت والغموض.

ويمتد هذا النفوذ إلى عمق النظام الانتخابي الأمريكي ذاته، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التبرعات السياسية، حيث يمثل المانحون الكبار المؤيدون لإسرائيل وزنًا ماليًا يصعب على أي مرشح رئاسي، ديمقراطيًا كان أو جمهوريًا، تجاهله. ومن هنا، يتحول “أمن إسرائيل” إلى خط أحمر داخلي في السياسة الأمريكية، لا إلى مجرد ملف خارجي. وفي هذا الإطار، يبدو “الوهم النووي” وكأنه نتاج مصلحة أمريكية-إسرائيلية مشتركة؛ إذ يفيد واشنطن أن تعتقد دول المنطقة بأن إسرائيل تمتلك هذا السلاح، بما يفرض حالة ردع واستقرار قسري، من دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى الاعتراف بذلك رسميًا وما يترتب عليه من تبعات قانونية ودبلوماسية.

ولهذا، لا تحتاج إسرائيل، في ظل هذا الغطاء الأمريكي الهائل، إلى إعلان صريح عن امتلاكها للسلاح النووي كي تبث الخوف في خصومها؛ فالقوة التقليدية الأمريكية، والدعم العسكري غير المحدود، والحماية السياسية في مجلس الأمن، كلها أدوات ردع فعلية قائمة بذاتها. أما الغموض النووي، فليس إلا طبقة إضافية من الهيبة النفسية. لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: ماذا لو واصل النفوذ الإسرائيلي تراجعه النسبي داخل الأجيال الأمريكية الجديدة، ومع صعود تيارات أكثر انتقادًا لهذا الامتياز داخل الجامعات ودوائر السياسة؟ هل ينكشف، عندئذ، أن “البعبع النووي” لم يكن سوى غطاء لميزان نفوذ سياسي بدأ يتآكل؟

التهرب من الرقابة الدولية
تعتمد إسرائيل سياسة انتقائية في التعامل مع ملفها النووي؛ فهي تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش مفاعل “سوريك” المخصص للأبحاث المدنية، بما يمنحها مظهر الدولة المتعاونة، في حين تفرض حصارًا كاملًا على “ديمونة” باعتباره منشأة سيادية ذات طابع عسكري. هذا الرفض المطلق للتفتيش قد يُقرأ، من زاوية أخرى، ليس فقط بوصفه حماية لـ”سر استراتيجي”، بل ربما أيضًا باعتباره حجبًا لحقيقة أكثر إحراجًا، وهي أن المفاعل قد لا يعود قادرًا على إنتاج قيمة عسكرية فعلية، أو أنه بلغ من التهالك ما يمنع تحويله إلى مصدر لسلاح جاهز.

إجهاض المطالبات الدولية: المعركة السنوية
في كل اجتماع سنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، تتقدم الدول العربية والإسلامية بمشروعات قرارات تطالب بإخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للتفتيش. وهنا تتجلى فعالية الردع بالغموض، مدعومًا بالضغط الأمريكي والغربي، حيث تُجهض هذه القرارات أو تُفرغ من مضمونها لتصبح غير ملزمة. وهذا الإصرار على منع التفتيش يوحي بوجود “سر عظيم” يستحق الحماية، بينما قد يكون الهدف الفعلي، وفق هذا الطرح، هو منع العالم من اكتشاف أن إسرائيل لا تمتلك ما يبرر كل هذا الهلع الذي يحيط بملفها النووي.

المقارنة التقنية: ديمونة المتقادم في مواجهة الترسانات الحديثة
عند مقارنة الحالة الإسرائيلية بالدول النووية أو شبه النووية الأخرى، يبرز فارق تقني كبير. فبحسب تقارير “معهد العلوم والأمن الدولي” في واشنطن، طورت إيران أجيالًا متقدمة من أجهزة الطرد المركزي، كما طورت باكستان بنيتها النووية منذ عقود على أسس أكثر حداثة. في المقابل، يستند “وهم ديمونة” إلى مفاعل فرنسي من جيل الخمسينيات بدأ تشغيله مطلع الستينيات. ومن الناحية العلمية، فإن استمرار عمل مفاعل بهذا العمر يثير أسئلة هندسية وفنية معقدة، خاصة في ضوء ما نُشر عن التآكل والتصدعات الناتجة عن القصف النيوتروني المتراكم على مدى أكثر من ستة عقود، وهي مدة تتجاوز بكثير العمر الافتراضي الطبيعي لمفاعل من هذا النوع.

كما أن عددًا من التقارير الإعلامية والتحليلات الفنية أشار إلى أن التكنولوجيا التي حصلت عليها إسرائيل من فرنسا تُعد، وفق معايير العصر الحالي، قديمة نسبيًا. وفي ضوء ذلك، يذهب هذا الطرح إلى أن إسرائيل ربما تكون قد “تجمدت تكنولوجيًا” عند مرحلة تاريخية بعينها، وأصبحت تعتمد اليوم في ردع خصومها على السمعة التاريخية لمفاعل ديمونة أكثر من اعتمادها على قدرة تشغيلية مؤكدة، خصوصًا مع تنامي الشكوك الفنية والهندسية المحيطة به.

هوليوود والماكينة الإعلامية: صناعة الأسطورة
لعبت القوة الناعمة دورًا محوريًا في تكريس “الحقيقة الذهنية” للسلاح النووي الإسرائيلي. فمن خلال أفلام الجاسوسية، والتقارير المسربة، والمعالجات الصحفية في كبريات الصحف الغربية، جرى تصوير إسرائيل بوصفها قوة تكنولوجية فائقة تمتلك أوراقًا استراتيجية كبرى. هذه السردية الإعلامية لم تكن مجرد توصيف، بل أسهمت في بناء حالة ردع نفسية متراكمة، جعلت من امتلاك السلاح النووي الإسرائيلي، في وعي الخصوم، حقيقة شبه مسلَّم بها، حتى لو ظل الدليل الحاسم غائبًا أو غير معلن.

استراتيجية المواجهة: من الصدام العسكري إلى المحاسبة القانونية
وفق هذا المنظور، فإن كسر حلقة “الردع بالوهم” لا يتطلب صدامًا عسكريًا مباشرًا بقدر ما يحتاج إلى بناء تكتل إقليمي واسع يضم قوى مركزية في المنطقة، مثل مصر والسعودية وتركيا والجزائر وقطر وسلطنة عمان وباكستان وماليزيا وإندونيسيا وغيرها. هذا التكتل يمكنه، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، أن يحول الملف النووي الإسرائيلي من “بعبع استخباراتي” إلى قضية مساءلة دولية عبر عدة مسارات متوازية.

أول هذه المسارات هو التدويل وفرض الشفافية، من خلال تحرك دبلوماسي منسق داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعادة طرح مطلب جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. ضغط كهذا من شأنه أن يضع “الاستثناء الإسرائيلي” في موقع حرج أمام المجتمع الدولي، ويجبر تل أبيب إما على الاعتراف بما لديها، مع ما يترتب على ذلك من ضغوط وعقوبات، أو على النفي القاطع، بما قد يضعف هيبة الردع التي بنتها عبر عقود.

أما المسار الثاني، فهو تفعيل أدوات القانون الأمريكي من الداخل، وذلك عبر الاستثمار في التحولات المتنامية داخل المجتمع الأمريكي، ولا سيما في أوساط الشباب والجامعات والتيارات الناقدة للدعم غير المشروط لإسرائيل، للمطالبة بتطبيق القوانين الأمريكية ذات الصلة بمنع المساعدات عن الدول التي تمتلك تقنيات نووية خارج إطار معاهدة منع الانتشار. وهنا تصبح إسرائيل أمام معادلة صعبة بين خسارة الغطاء المالي والسياسي، أو كشف حقيقة ما تملكه بالفعل.

ويتمثل المسار الثالث في استخدام ورقة الخطر البيئي والتفتيش الفني، فبدلًا من المطالبة بتفتيش عسكري يصطدم فورًا بالفيتو السياسي، يمكن الدفع باتجاه تفتيش مفاعل ديمونة باعتباره مصدر خطر بيئي وإشعاعي محتمل على سكان المنطقة. هذه المقاربة الفنية، إن كُتب لها زخم دولي كافٍ، قد تكون أكثر قدرة على اختراق جدار الحماية السياسي، لأنها تنطلق من منطق السلامة العامة لا من منطق الصراع العسكري.

في النهاية، تبدو القوة النووية الإسرائيلية، وفق هذا التصور، أقرب إلى “قنبلة سياسية” منها إلى أداة ميدانية معلنة. فهي تعيش في المساحة الرمادية بين النفي والتأكيد، بين الإيحاء والاعتراف، وبين الغموض المقصود والحسابات الدقيقة. ولو كانت إسرائيل تمتلك سلاحًا نوويًا معلنًا وقابلًا للاستخدام بوصفه أداة ردع نهائية، لربما ذهبت إلى الإعلان الصريح عنه لفرض إرادتها بصورة مباشرة. لكنها، على ما يبدو، تدرك أن “وهم القوة” قد يكون أحيانًا أكثر فاعلية وأقل تكلفة من “القوة الحقيقية”، خاصة حين تكون كلفة الإعلان أعلى من مكاسب الامتلاك ذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى