
السيسي في جدة وآل الشيخ في القاهرة.. مشاورات مكثفة في لحظة إقليمية حرجة
د. عماد عنان
أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي زيارة عاجلة غير معلنة مسبقًا إلى السعودية، استغرقت ساعات محدودة، التقى خلالها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وجاءت تلك الزيارة –وفقًا للمتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية- في إطار حرص البلدين على تعزيز العلاقات الأخوية التاريخية، ومواصلة التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
تزامنت تلك الزيارة، التي وصفها الإعلام الرسمي في البلدين بـ”الأخوية”، مع زيارة مماثلة لرئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية، تركي آل الشيخ، إلى القاهرة، حيث جرى استقباله رسميًا عن طريق وزير الدولة المصري للإعلام، المعين حديثًا، ضياء رشوان، وتناول اللقاء الحديث عن حزمة من اتفاقيات التعاون بين البلدين، لا سيما في المجالين الفني والثقافي.
ورغم أن الشكل العام قد لا يقدّم رابطًا مباشرًا بين الزيارتين، فإن تزامنهما يوحي باتجاه متبادل نحو تعزيز التقارب، بعد مراحل شهدت قدرًا من التباين في الرؤى حيال بعض الملفات المشتركة، كما يأتيا في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا، وسط موجة توترات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، وتحديات جيوسياسية تنذر بتحولات قد تطال توازنات المنطقة وخريطتها السياسية.
في هذا السياق، يفتح هذا الحراك الدبلوماسي المتبادل والمكثف الباب أمام العديد من التساؤلات حول دلالاته؛ ماذا يعني في مسار العلاقات بين القاهرة والرياض؟ وإلى أي مدى يمكن أن يترجم إلى تنسيق أعمق في ملفات الإقليم خلال المرحلة المقبلة؟
سياق مهم
لا يمكن قراءة الزيارة بمعزل عن سياقها الزمني والظرفي، الذي يشكّل الإطار العام لدوافعها في هذا التوقيت، فقد جاءت عقب سلسلة من التطورات المتسارعة التي تتقاطع مع مصالح البلدين، وتمسّ توازنات الإقليم برمته، بما تفرضه من تحديات سياسية وأمنية على مختلف الأطراف.
في مقدمة هذه التطورات، برزت التصريحات الصادرة عن رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بتاريخ 22 فبراير/شباط الجاري، والتي تحدث فيها عن مساعٍ لتشكيل ما وصفه بـ”تحالف” إقليمي في مواجهة ما اعتبره “محاور سنية وشيعية”.
وأضاف، وفق بيان صادر عن مكتبه، أنه يعمل على إقامة “منظومة كاملة” أشبه بـ”سداسي تحالفات” حول الشرق الأوسط أو داخله، تضم الهند ودولًا عربية وإفريقية، إلى جانب اليونان وقبرص (الرومية) ودول آسيوية أخرى لم يسمّها.
وتأتي الزيارة كذلك بعد ثلاثة أيام فقط من تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، أشار فيها إلى ما زعم أنه “حق تاريخي لإسرائيل في بلدان الشرق الأوسط”، وهي التصريحات الاستفزازية التي أثارت موجة استياء واسعة على مستوى المنطقة.
وفي سياق موازٍ، تزامن التوقيت مع حراك دبلوماسي تجاه أديس أبابا أثار قدرًا من القلق لدى القاهرة، فقد شهد 19 من الشهر الجاري زيارة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إثيوبيا، تخللتها تصريحات لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحدث فيها عن بحث آليات دعم بلاده في مساعيها للحصول على منفذ بحري عبر الوسائل السلمية، وقبل ذلك بنحو أسبوع، كان وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود قد زار إثيوبيا، وبحث سبل تعزيز التعاون بين البلدين.
كما يصعب فصل زيارة الرئيس السيسي الأخيرة إلى السعودية عن زيارته السابقة إلى أبوظبي في التاسع من الشهر الجاري، حيث التقى الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، في وقت تمر فيه العلاقات السعودية الإماراتية بمرحلة توتر غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
وقبل كل ما سبق، يفرض التصعيد الإيراني الأمريكي الأخير نفسه بوصفه المتغير الأكثر حساسية، في ظل حشد متبادل وحشدٍ مضاد، ومؤشرات متزايدة توحي بأن المنطقة تُدفع تدريجيًا نحو احتمالات مواجهة مباشرة، بعد اكتمال كثير من ترتيبات الاستعداد، وكأن الجميع يترقب ساعة الصفر، وهي مواجهة، إن اندلعت، لن تبقى آثارها محصورة بين طرفيها، بل قد تمتد بتداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية إلى الشرق الأوسط بأسره، بما يعيد خلط الأوراق ويضاعف منسوب المخاطر على استقرار الإقليم.
وبذلك، تبدو زيارة السيسي الخاطفة للمملكة جزءًا من إعادة ضبط للإيقاع السياسي بين القاهرة والرياض في لحظة إقليمية ضاغطة، تتزايد فيها محاولات إعادة تشكيل التحالفات، وتتداخل فيها الملفات الأمنية والاقتصادية وموازين النفوذ بصورة أكثر حدّة.
توطيد العلاقات الثنائية
بحسب المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية، شهد اللقاء تأكيد السيسي ما وصفه بـ”التطور الكبير” في مسار العلاقات الأخوية بين مصر والسعودية، مشددًا على أهمية الدفع بالتعاون الثنائي قدمًا في مختلف المجالات، ووفقًا للرواية الرسمية، قوبل هذا التأكيد بترحيب من ولي العهد السعودي، الذي أعرب عن تطلعه إلى مواصلة تعزيز العلاقات والارتقاء بها إلى آفاق أرحب بما يحقق مصالح الشعبين الشقيقين.
وفي هذا التوقيت الاستثنائي الذي تمر به المنطقة والعالم، تبدو القاهرة والرياض وكأنهما تتحركان بوتيرة متسارعة نحو تعميق الشراكة، في ظل تحديات تفرض على دول الإقليم البحث عن ركائز صلبة لتحالفات أكثر تماسكًا، بينما تتجه منظومة التحالفات الدولية إلى قدر متزايد من السيولة والاضطراب.
فالتصعيد في التوتر بين واشنطن وطهران، والحديث العلني عن أطماع إسرائيل في محيطها الإقليمي، وما يرتبط بذلك من تهديدات للأمن القومي العربي وللممرات المائية والبحرية في أكثر من ساحة، إلى جانب الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية المتفاقمة، كلها عوامل تدفع نحو إعادة ترتيب خرائط الاصطفاف والتحالف في المنطقة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز مصر والسعودية بوصفهما دولتين مركزيتين بثقل سياسي واقتصادي وحضور مؤثر، ما يجعل تقاربهما ليس مجرد تحسين للعلاقات الثنائية، بل خطوة ذات دلالات أوسع على مستوى توازنات الإقليم واتجاهاته المقبلة، مدفوعة بالتحديات التي فرضتها التطورات الأخيرة.
بلورة موقف موحد بشأن ملفات الإقليم
إلى جانب الدفع بمسار العلاقات الثنائية، يبرز العنوان الأهم لهذه الزيارة تحت شعار “الاصطفاف وتنسيق المواقف” إزاء جملة من الملفات الإقليمية التي شهدت تطورات متسارعة خلال الساعات الماضية، وفي مقدمة هذه الملفات يأتي الوضع في غزة، ولا سيما ما يتعلق باستكمال المراحل التالية لاتفاق غزة الذي وُقّع في شرم الشيخ قبل ثلاثة أشهر، والذي لم يُنفّذ منه عمليًا سوى المرحلة الأولى حتى الآن.
وقد دخل هذا الملف مستوى جديدًا من التعقيد بفعل التعنت الإسرائيلي الواضح، إلى جانب الجدل المتصاعد بشأن “مجلس السلام” الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وطبيعة المهام المنوطة به، وما أثير بالتوازي حول مشروعات يُعتزم إقامتها داخل القطاع بما قد لا يخدم جوهر القضية الفلسطينية ومآلاتها.
كما زادت التصريحات الصدامية للسفير الأمريكي في تل أبيب من تعقيد المشهد، بما ينسف من الأساس السردية الأمريكية المعلنة حول “السلام”، ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى بلورة موقف إقليمي واضح يقرأ هذه التطورات بدقة، ويدفع باتجاه استكمال بقية مراحل الاتفاق، ويحدّ من محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
وبموازاة ملف غزة، يطرح على جدول الأعمال ملفٌ لا يقل أهمية يتمثل في التأكيد على سيادة الدول ورفض أي مسارات انفصالية أو ترتيبات تهدد وحدة الكيانات الوطنية، سواء في اليمن أو الصومال أو السودان، وهو الملف الذي يحتل مكانة متقدمة في أولويات القاهرة والرياض، بحكم اتصاله المباشر بالأمن القومي العربي، وما يفتحه من احتمالات توسع الصراعات وتحولها إلى بؤر استنزاف إقليمي ممتدة.
كما تأتي الزيارة ضمن سياق أوسع يتصل بإعادة ترتيب خرائط التحالفات الإقليمية في مواجهة التحديات الأخيرة، وسط حديث متزايد عن تبلور تفاهمات جديدة قد تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وربما قطر أيضًا.
وفي هذا الإطار، يُقرأ هذا المسار المحتمل باعتباره أحد ملامح إعادة تشكيل اصطفافات “سنية” أشار إليها نتنياهو في تصريحاته، وإن لم يعلن عنها بصورة مباشرة، بما يعكس أن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر وضوحًا في معادلات التحالف والتوازن.
الوساطة بين الرياض وأبو ظبي
من زاوية أخرى، يصعب فصل الزيارة عن مساعي الوساطة التي تضطلع بها القاهرة لاحتواء التوتر المتصاعد بين الرياض وأبوظبي، بعدما بلغت الخلافات بينهما مستوى متقدمًا من شدّ وجذب الأجواء منذ أواخر العام الماضي.
وبحكم العلاقات الوثيقة التي تربط مصر بالبلدين، ولا سيما طبيعة العلاقة الشخصية التي تجمع السيسي بكلٍ محمد بن زايد وولي العهد السعودي، يصبح هذا الدور المصري أقرب إلى ضرورة سياسية؛ هدفها منع انزلاق العلاقة بين حليفين رئيسيين للقاهرة إلى مسار مسدود قد يفرض على مصر مقاربة شديدة الحساسية ومكلفة في حسابات التوازن الإقليمي.
في المقابل، لا تبدو المملكة معنية بتوسيع الفجوة مع جارتها الخليجية بقدر ما تسعى إلى إعادة ضبط الإيقاع بما يحفظ ثوابتها ومقاربتها الإقليمية، ويجنب المنطقة أي ارتدادات تمس الأمن القومي العربي، مع الوضع في الاعتبار أن فرض عزلة على أبوظبي لا يخدم، في تقدير كل من القاهرة والرياض، استقرار البيت الخليجي والعربي، بل قد يفتح الباب لتداعيات سلبية تتجاوز حدود الخلافات الثنائية وتنعكس على تماسك المنظومة الإقليمية ككل.
في الأخير، يعكس هذا الحراك الدبلوماسي المكثف المدفوع بالتطورات الأخيرة على نحوٍ متسارع درجة متقدمة من استشعار القلق الذي يخيّم على الإقليم، في لحظة تتزاحم فيها التحديات وتتعاظم فيها احتمالات الانزلاق إلى مسارات أكثر كلفة.
ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى مزيد من الاصطفاف وتنسيق المواقف، وصولًا إلى بلورة رؤية إقليمية أكثر تماسكًا، تحول دون تفكك الكيان العربي الموحد إلى ساحات مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى والتحالفات المتنافسة والأجندات المتصارعة.
فبدون حدّ أدنى من التوافق العربي والإقليمي الاستراتيجي، قد تجد المنطقة نفسها—وفق رؤية رئيس الوزراء الكندي مارك كارني—مجرد “مائدة” تُقتسم على هامشها المصالح وتُدار فوقها الصراعات، بدلًا من أن تكون طرفًا فاعلًا يملك قراره ومساره.



