قضايا وتحليلات

الصين والحرب على إيران: حسابات النفط والعلاقة مع الولايات المتحدة

بعد ساعات من انطلاق الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران صباح الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي، أصدرت وزارة الخارجية الصينية بيانًا دعت فيه إلى وقف فوري لإطلاق النار، مؤكدة أن سيادة إيران ووحدة أراضيها يجب أن تُحترما، ومطالبة جميع الأطراف بالعودة إلى مسار الحوار السياسي.

وفي اليوم الثاني للحرب، وبعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، عادت بكين لتصدر بيانًا ثانيًا أدان فيه وزير خارجيتها الضربات واعتبرها غير مقبولة، داعيًا إلى وقف فوري للعمليات العسكرية واستئناف المفاوضات منعًا لانزلاق المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع في الشرق الأوسط.

غير أن الاكتفاء بهذين الموقفين المقتضبين بدا، في نظر كثيرين، غير منسجم مع طبيعة العلاقات التي نسجتها بكين مع طهران خلال السنوات الأخيرة، ولا مع حجم الارتدادات المحتملة لضربة من هذا النوع على توازنات المنطقة. هذا القدر من التحفظ فتح الباب أمام موجة من التكهنات بشأن دوافعه وحدود ما يمكن أن تفعله الصين في مثل هذا السيناريو.

فبالنسبة لعدد من المراقبين، يظل السؤال مشروعًا: كيف تلتزم بكين هذا السقف المتحفظ بينما يتعرض حليف يُنظر إليه بوصفه ذا وزن في حساباتها الاستراتيجية لضربة قد تهدد بقاءه؟ ولماذا اختارت الصين الوقوف عند حدود الإدانة والدعوة إلى التهدئة، من دون أي تحرك أكثر حسمًا تجاه طرف ترتبط به بعلاقات سياسية واقتصادية، ويُعد أحد المسارات المهمة في مشاريعها الإقليمية؟

ليس بالموقف المفاجئ

لم يأتِ التحفّظ الصيني إزاء ما تتعرض له إيران من تهديدات بوصفه مفاجأة، لا لدى الإيرانيين ولا لدى المتابعين للمشهد، فخلال حرب الأيام الـ12 في يونيو/حزيران الماضي، حين أقدمت إسرائيل بدعم أمريكي على قصف منشآت إيرانية حساسة، اكتفت بكين بسقف محدود من ردود الفعل تمثل أساسًا في بيانات إدانة ودعوات إلى التهدئة.

 وهو النهج ذاته الذي تكرر لاحقًا مع التطورات الأكثر دراماتيكية، بما في ذلك الإطاحة برأس الهرم السياسي والديني في إيران في الأول من مارس/آذار الجاري، حيث حافظت الصين على خطاب دبلوماسي منخفض النبرة، دون ترجمة ذلك إلى خطوات عملية ملموسة.

واللافت أن هذا النسق من “التحفظ المحسوب” لا يقتصر على الحالة الإيرانية وحدها، بل يظهر كملمح أوسع في مقاربة بكين تجاه بعض حلفائها، فقد تكرر في يناير/كانون الثاني الماضي، حين التزمت الصين قدرًا كبيرًا من الصمت الدبلوماسي إزاء حادثة اختطاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -على يد قوة خاصة- الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أحد الحلفاء التقليديين لبكين.

وقد أحدث ذلك الموقف حينها صدمة لدى بعض الأطراف التي تعوّل على الصين بوصفها سندًا سياسيًا في أوقات الأزمات، ورسّخ انطباعًا متزايدًا بأن بكين تفضل في المنعطفات الحرجة تقليل الكلفة وتفادي الانخراط، حتى حين يتعلق الأمر بشركاء يُفترض أنهم ضمن دائرة نفوذها وحساباتها الاستراتيجية.

إيران في المقاربة الصينية

بطبيعة الحال، لا يمكن وضع إيران وفنزويلا في سلة واحدة داخل الحسابات الصينية، فإيران—بحكم موقعها الجيوسياسي وثقلها الإقليمي—تمثل لبكين قيمة استراتيجية أعلى بكثير، فهي عقدة مؤثرة على خطوط الطاقة والتجارة، وأحد الروافد المهمة لاستقرار النمو الاقتصادي الصيني، فضلًا عن كونها مصدرًا رئيسيًا—مباشرًا أو عبر مسارات ملتوية—لإمدادات النفط التي تحتاجها الصين.

وعلى مستوى النفوذ السياسي، أدّت طهران دورًا محوريًا في خدمة المصالح الصينية بطريقة غير مباشرة؛ إذ شكّل حضورها الإقليمي، عبر الشبكات الحليفة التي تدعمها، عنصر ضغط دائم على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ومصدر استنزاف لقدراته العسكرية والمالية.

ومن منظور بكين، فإن انشغال واشنطن بملفات المنطقة يخفف جزئيًا من قدرتها على تركيز الموارد والاهتمام على منافستها هي بشكل مباشر، وهو ما ينعكس—وفق هذا التقدير—على ملفات حساسة للصين، وفي مقدمتها التوترات المرتبطة بتايوان والتي تراجع الزخم الأمريكي بشأنها مؤخرًا بسبب الانشغال بالوضع في الشرق الأوسط الذي تلعب فيه طهران دور البطولة.

بناءً على هذه المقاربة، يبدو منطقيًا أن تميل الصين إلى حماية النظام الإيراني أو على الأقل المساهمة في إبقائه قادرًا على الصمود، بوصفه أحد مكونات توازن القوة مع الولايات المتحدة، غير أن ردود الفعل الأولية المتحفظة إزاء ما يجري فتحت باب التكهنات واسعًا حول حقيقة المقاربة الصينية.

بكين بين طهران وواشنطن

على الرغم من متانة الروابط بين الصين وإيران، فإن بكين حين توازن بين علاقتها بطهران وعلاقتها بواشنطن تميل—بحسابات المصالح—إلى ترجيح كفة العلاقة مع الولايات المتحدة، فشبكة الارتباطات الصينية مع أمريكا وحلفائها تبدو أكثر أهمية لوجستيًا وعمليًا وبراغماتيًا، وتمتد من التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، إلى ملفات استراتيجية شديدة الحساسية مثل تايوان.

من هذا المنطلق، يفسر محللون السقف الصيني المنخفض في انتقاد واشنطن على خلفية الحرب في إيران، والاكتفاء ببيانات دبلوماسية باردة، إذ بدا أن القيادة الصينية تتجنب رفع منسوب التوتر مع الأمريكيين بما قد ينعكس على مسارات سياسية واقتصادية أوسع، ومنها ترتيبات لقاء مرتقب بين ترامب والرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين خلال الشهر المقبل.

لكن هذا التحفّظ لا يعني أن الصين مستعدة للتفريط بعلاقتها مع إيران، التي ترتبط معها باتفاقية ممتدة لـ25 عامًا بدأت عام 2021، وتتضمن ترتيبات تمنح بكين نفطًا إيرانيًا بشروط تفضيلية مقارنة بالأسعار العالمية، كما تُظهر أرقام التجارة النفطية أن إيران تظل رافدًا مهمًا في معادلة أمن الطاقة الصينية، سواء عبر الاستيراد المباشر أو عبر قنوات الشحن البحري.

ورغم أن الصين تبنّت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية واضحة لـتنويع مصادر النفط بما يقلّص تبعيتها لأي مورد بعينه ويوفر لها هامش مناورة أوسع عند الأزمات، فإنها لا تتعامل مع هذا التنويع بوصفه بديلًا نهائيًا، بل كورقة تحفظها في “الاحتياطي الاستراتيجي”.

فبكين تُبقي هذا الخيار جاهزًا للاستخدام عند الضرورة، تحسبًا لتحولات قد تضعها أمام لحظة مفاضلة قاسية بين أطراف متعارضة، أو تفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها تحت ضغط الوقائع.

هكذا تجد الصين نفسها أمام معادلة حرجة، فهي لا تستطيع المخاطرة بمشروعها التنموي الكبير، الذي تراهن عليه لتكريس موقعها في قيادة الاقتصاد العالمي قبل منتصف القرن، عبر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة؛ وفي الوقت ذاته، لا تملك ترف خسارة شريك اقتصادي بالغ الأهمية مثل إيران، بما يمثله من نفط، وفرص، وموقع جيوسياسي داخل هندسة النفوذ في الشرق الأوسط.

السيناريو العراقي.. الصين المستفيد

تذهب قراءة إلى أن إطالة أمد الحرب—قدر الإمكان—قد تصب في مصلحة الصين. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى “السيناريو العراقي”، إذ أدى تورّط الولايات المتحدة في حرب العراق مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى تشتيت تركيز واشنطن واستنزاف جزء معتبر من مواردها، في وقت كانت فيه الصين تتقدم بثبات كقوة اقتصادية صاعدة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى أحد أكبر اقتصادات العالم ومنافس مباشر للولايات المتحدة.

وفي السياق نفسه، يتفق جوليان غيفيرتز—المسؤول السابق في فريق الأمن القومي بإدارة جو بايدن—مع جوهر هذه الرؤية.، فبحسب ما نقلته مجلة” الإيكونوميست، يرى غيفيرتز أنه حتى إن لم تتحول إيران إلى “مستنقع” شبيه بالعراق، فإن مجرد اضطرار أميركا إلى إعادة توجيه اهتمامها ومواردها نحو الشرق الأوسط يحقق للصين مكسبًا نسبيًا، ويختصر ذلك بالقول إن قدرة واشنطن على توزيع القوة محدودة أصلًا: “عدد محدود من حاملات الطائرات، وقدر محدود من وقت الرئيس واهتمامه”

وعلى المدى الأبعد، حتى لو وضعت الحرب أوزارها بأي صيغة—وهو ما لا مفر منه عاجلًا أم آجلًا—فإن مرحلة ما بعد الصراع ستفتح ملف إعادة الإعمار، وهنا تبرز الشركات الصينية بوصفها لاعبًا طبيعيًا بفضل خبرتها وقدرتها التنفيذية في قطاعات البنية التحتية والتكنولوجيا والتجارة، وفي حال استقر المشهد أو أعيد ترتيب قنوات التصدير، قد يشهد النفط الإيراني بدوره تدفقات أكبر، بما يعزز أحد أهم خطوط المصلحة الصينية.

وبحسب تعبير دينغ لونغ، الباحث في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، فإن الصين قد تحسن توظيف هذا الوضع وربما “بشكل أفضل مما سبق”، مضيفًا أن “لا ينبغي أن يبالغ أحد في التشاؤم”

البرغماتية كلمة السر

انطلاقًا من هذه المعادلة، تبدو البراغماتية وقد تحولت إلى بوصلة الصين الأولى؛ فالمصالح هي التي تضبط اتجاهات بكين وتحدد سقف حركتها في السياسة الخارجية. لذلك اختارت مقاربة “متزنة” تتيح لها الإبقاء على خطوط الدعم لطهران—بصيغ غير صدامية وأحيانًا من وراء الستار—من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو مكلفة مع الولايات المتحدة.

فالصين، بطبيعة نهجها، لا تميل إلى الاشتباك العسكري مع أي قوة، لأنها ترى أن رصيدها الحقيقي هو مشروعها الاقتصادي–التنموي الذي يمثل أولوية مطلقة. ومن ثمّ تتجنب الدخول في معارك جانبية قد تُربك مسارات النمو، أو ترفع كلفة المنافسة، أو تعطل هدفها الاستراتيجي الأكبر المتمثل في ترسيخ موقعها كقوة اقتصادية أولى عالميًا.

وبين هذين الحدّين، تراقب بكين ما يجري في طهران بعين مترقبة، لا قطيعة مع إيران ولا استفزاز كامل لواشنطن، وفي الوقت نفسه، تترك الباب مواربًا أمام تطوير موقفها باتجاه دور أكثر فاعلية—كوسيط أو راعٍ لتهدئة—إذا ما نضجت الظروف، بما يضمن تقليل الخسائر، وحماية مكاسبها، وتكريس مقاربتها القائمة على إدارة المصالح قبل أي اعتبار آخر.

في المحصلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمثّل هذا التحفّظ سقفًا ثابتًا لا تتجاوزه بكين؟ الإجابة الأقرب للواقع هي لا، فالموقف الصيني يظل محكومًا بمنطق الكلفة والعائد وبـ“خطوط حمراء” قد تدفعها إلى تعديل سلوكها إذا جرى تجاوزها.

 وعندما ترى بكين أن الحياد بات أعلى كلفة من الانخراط—سواء على صعيد أمن الطاقة أو مصالحها الإقليمية أو مكانتها الدولية—قد تتخلى عن حذرها وتنتقل إلى دور أكثر مباشرة،  وفي حرب بهذا الحجم وبتلك الدوافع وبقيادة عقليات مثل ترامب ومن خلفه نتنياهو، تظل كل السيناريوهات مطروحة.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى