
العدوان على إيران يتجاوز ساحات القتال.. أي تداعيات محتملة على مصر؟
د. عماد عنان
يتجاوز العدوان الأميركي الإسرائيلي إطاره “المحدود” الذي افترضه البعض في بداياتها، لتلقي بظلالها سريعًا على المشهدين الإقليمي والدولي، وهو ما عبّر عنه مراقبون حذّروا مبكرًا من ارتداداتها السلبية المحتملة حال انفلاتها أو اتساع نطاقها، إذ لا يُشترط أن تكون طرفًا مباشرًا في المعركة كي تتأثر بمساراتها ونتائجها.
وتُعد مصر من بين أكثر الدول قابلية للتأثر بمآلات هذا الصراع، بحكم موقعها الجغرافي في قلب الإقليم، حتى وإن ظلت خارج دائرة الاشتباك المباشر، ويُضاف إلى ذلك هشاشة الوضع الاقتصادي وتراكم الضغوط الداخلية، بما يجعل الاقتصاد المصري أكثر حساسية تجاه أي صدمة خارجية، فكيف إذا كانت صدمة بحجم حرب تتقاطع تداعياتها مع الطاقة والتجارة والملاحة والاستثمار؟
وفي هذا السياق، فعّلت القاهرة “غرفة الأزمات” بمجلس الوزراء مع بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، في إطار الاستعداد لاحتواء أي انعكاسات سلبية محتملة على الاقتصاد، الذي يحاول تجاوز مرحلة شديدة التعقيد.
غير أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن تداعيات الحرب قد تكون قاسية، رغم خطاب الطمأنة الذي تبنته السلطات المصرية في بدايات المواجهة، ما يفتح الباب أمام اختبار جديد لقدرة الدولة على امتصاص الصدمات في بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من الاضطراب.
تُعد مصر من بين أكثر الدول قابلية للتأثر بمآلات هذا الصراع، بحكم موقعها الجغرافي في قلب الإقليم، حتى وإن ظلت خارج دائرة الاشتباك المباشر
ارتباك في سوق الطاقة
كان سوق الطاقة أول ساحات الارتداد السريع للحرب، مرشحًا لاهتزازات حادة مع تصاعد المواجهة على نحو يوحي بتجاوز “الخطوط الحمراء” التقليدية، فالتوترات المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز واحتمالات تعطّل بعض مسارات الشحن تدفع، بطبيعتها، نحو موجة ارتفاع في أسعار النفط والغاز عالميًا، بما يعيد إلى الواجهة هواجس أمن الطاقة وأسعار الإمداد.
وخلال يوم واحد فقط من اندلاع الحرب، قفزت أسعار النفط بنحو 13% وسط اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي، كما ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى 85 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ تموز/يوليو 2024.
أما على المستوى المصري، فقد أوقفت إسرائيل ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر عبر حقلي “تمار” و”ليفياثان” في شرق المتوسط، ما أدى إلى توقف إمدادات تُقدَّر بنحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا.
وفي حين أكدت الحكومة المصرية أن هذا التوقف لن يمس استقرار السوق المحلية، وأنها ملتزمة بضمان استمرار إمدادات الطاقة للمواطنين ولقطاعات الكهرباء والصناعة، فإن تقديرات أخرى تطرح سيناريو أكثر حذرًا.
إذ نقل موقع “مدى مصر” عن مسؤول حكومي سابق أن استمرار انقطاع الإمدادات لأكثر من 48 ساعة قد يدفع الحكومة إلى خفض كميات الغاز الموجهة للقطاع الصناعي، كإجراء احترازي لتخفيف الضغوط وضمان استمرارية التغذية للقطاعات ذات الأولوية.
هزة في سوق الصرف
الارتداد الثاني الأكثر وضوحًا تمثل في سوق الصرف، الذي تلقّى صدمة سريعة خلال الساعات الأولى من اندلاع الحرب، فقد صعد الدولار أمام الجنيه المصري من نحو 46.6 جنيهًا قبل يوم واحد فقط من بدء المواجهة، إلى قرابة 49.9 جنيهًا صباح اليوم، وسط مخاوف من تجدد الضغوط على العملة المصرية، التي كانت قد سجلت قدرًا من التعافي النسبي مؤخرًا، مع استمرار أمد الحرب وتصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق.
وبالتوازي، شهد سوق الذهب هزة لافتة، إذ قفزت الأسعار محليًا بنحو 500 جنيه (نحو 10.2 دولار) في سعر الغرام الواحد. وتجاوز سعر غرام الذهب عيار 24 يوم الأحد 1 آذار/مارس حاجز 8657 جنيهًا (175.2 دولارًا)، فيما سجل عيار 21 نحو 7575 جنيهات (153.6 دولارًا)، وبلغ عيار 18 قرابة 6493 جنيهًا (131.2 دولارًا).
وتزامن ذلك مع توقعات بامتداد موجة الصعود إلى الأسواق العالمية؛ إذ تشير تقديرات إلى احتمالات ارتفاع سعر الأونصة من 5270 دولارًا إلى نطاق 5350–5400 دولار، بما يعني إضافة متوسط لا يقل عن 100 دولار للأونصة في المدى القريب إذا استمرت التوترات.
ثم جاءت البورصة المصرية لتستكمل خريطة الاهتزازات المرتبطة بالحرب؛ إذ سجلت جلسة الأحد أداءً سلبيًا، مع تراجع أسعار 191 سهمًا من إجمالي 215 جرى التداول عليها، مقابل استقرار 24 سهمًا دون تغيير، لتستحوذ الأسهم المتراجعة على النصيب الأكبر من التعاملات في مؤشر واضح على ارتفاع منسوب الحذر وتراجع شهية المخاطرة، وإن تحسنت الأمور تباعًا وبشكل تدريجي خلال جلسات الاثنين.
قناة السويس في مرمى الاستهداف
مع كل موجة تصعيد إقليمي تمسّ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الممرات المائية في الشرق الأوسط، تعود قناة السويس إلى واجهة المشهد باعتبارها أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، والأكثر تعرضًا للاهتزازات كلما ارتفعت وتيرة التوتر في المنطقة، فالقناة لا تتأثر فقط بحركة التجارة، بل أيضًا بتبدّل حسابات المخاطر وأسعار التأمين ومسارات الشحن، وهي عوامل غالبًا ما تُترجم سريعًا إلى ضغط على الإيرادات.
ومع التصعيد الأخير، وما صاحبه من استهداف للسفن في مضيق هرمز وتزايد القيود والتهديدات التي طالت الملاحة في البحر الأحمر، تواجه قناة السويس ضغوطًا متصاعدة قد تمتد ارتداداتها إلى إيراداتها، التي تمثل عنصرًا مهمًا في هيكل الاقتصاد المصري، لا سيما في ظل حساسية الوضع المالي لأي تراجع في موارد النقد الأجنبي.
ومنذ اندلاع الحرب الأوكرانية، تخوض القناة معركة مفتوحة لتعويض الانخفاضات التي لحقت بعوائدها خلال السنوات الماضية، فقد أدى اضطراب الشحن الدولي إلى تأخير البضائع وارتفاع تكاليف النقل البحري، وتنامي كلفة التأمين والمخاطر، بما ضاعف الضغوط على حركة العبور وقلّص العوائد، في وقت تسعى فيه مصر إلى تثبيت القناة كرافد مستقر في بيئة دولية شديدة التقلب.
التضخم وأسعار السلع
يردد خبراء الاقتصاد كثيرًا أن أسعار السلع في مصر ترتفع أحيانًا بـ«النية» وبفعل «الشائعة»، فكيف سيكون المشهد أمام تطور بهذا الحجم، يحمل في طياته تأثيرات إقليمية ودولية مقلقة ويضخ قدرًا كبيرًا من القلق في الأسواق؟
وفي هذا السياق، تتصاعد المخاوف من عودة موجات التضخم مجددًا بفعل تداعيات الحرب، خصوصًا مع ظهور مؤشرات أولية على تحركات صعودية في أسعار بعض السلع، وإنْ بنسب متفاوتة من تاجر إلى آخر.
ويتعزز هذا الاتجاه مع ارتفاع سعر الدولار، في ظل اعتماد قطاعات واسعة من الصناعة على مواد خام ومستلزمات إنتاج مستوردة تُسعَّر بالعملة الصعبة، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج تدريجيًا وينعكس مباشرة على أسعار البيع النهائية، لتنتقل الكلفة في النهاية إلى المواطن بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر تحمّلًا للأعباء.
الحكومة ورسائل الطمأنة
سعت الحكومة المصرية منذ اليوم الأول للحرب إلى احتواء القلق الشعبي عبر رسائل طمأنة متتالية، ركزت على أن الموقف “تحت السيطرة” وأن الدولة تتحرك وفق سيناريوهات متعددة للتعامل مع التطورات.
وفي بيان مشترك لوزارات الاستثمار والتجارة الخارجية والتموين والزراعة، جرى التأكيد على دراسة بدائل لوجستية لتفادي أي ارتباك في حركة السلع، من بينها التحول إلى الشحن البحري أو البري بحسب طبيعة كل سوق، وإتاحة مسارات تنظيمية وتجارية لتسهيل إعادة توجيه الكميات المتأثرة والتوسع في قنوات التداول، إلى جانب تعزيز التنسيق مع سلاسل الإمداد ومنافذ التوزيع لاستيعاب أي معروض إضافي داخل السوق المحلية دون الإخلال بتوازنات العرض والطلب.
وفي السياق نفسه، أكدت وزارة التموين توافر “مخزون آمن” من السلع الأساسية يكفي لعدة أشهر، مع الاستمرار في سياسة تنويع مصادر الاستيراد بما يعزز مرونة منظومة الإمداد ويحد من أثر المتغيرات الإقليمية والدولية. كما أكد الوزير شريف فاروق استمرار ضخ السلع بكميات مناسبة في المنافذ التموينية والأسواق، مع تكثيف الحملات الرقابية لضبط الأسعار ومنع أي ممارسات احتكارية.
وبموازاة ذلك، قدمت الحكومة تطمينات في ملف الطاقة؛ إذ أكد وزير البترول كريم بدوي لرئيس الوزراء استقرار احتياطيات المواد البترولية عند مستويات آمنة وانتظام تأمين الإمدادات لمختلف الاستخدامات، لا سيما القطاعات الإنتاجية، مشيرًا إلى خطط جاهزية متكاملة لسرعة الاستجابة لأي طوارئ.
كما أكد وزير الكهرباء محمود عصمت استقرار الشبكة القومية وانتظام إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء ووجود خطط لضمان استمرارية التيار. ومع ذلك، لم تُبدد هذه الرسائل بالكامل مخاوف الشارع، خصوصًا في ظل تجارب سابقة مع الصدمات الخارجية، ومع رهان رسمي كان مطروحًا على تحسن نسبي في 2026 ما لم تفرض المنطقة تغيرات كبرى على مسار الاقتصاد.
ارتدادات سياسية محتملة
لا تقتصر تداعيات الحرب على مصر على الارتدادات الاقتصادية وحدها، إذ تفرض في الوقت ذاته مأزقًا سياسيًا قد يدفع القاهرة إلى صياغة مواءمات دقيقة تحفظ مقاربتها القائمة على التهدئة وخفض التصعيد وتبريد ساحات التوتر، دون أن تبدو منحازة إلى مسار يجرّ المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
فمصر تجد نفسها في موقع شديد الحساسية بين علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من جهة، وحرصها على استقرار الإقليم والحفاظ على توازنات دقيقة مع دول المنطقة من جهة أخرى.
فهي وإن كانت تتأثر بتداعيات الحرب، تسعى إلى تجنّب الانزلاق إليها كطرف مباشر، إدراكًا لتكاليف المشاركة السياسية والأمنية، ولما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على أدوارها الإقليمية ومساراتها الداخلية.
لم تعد الحرب الدائرة حاليًا بين أميركا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب أخر، شأنًا محصورًا بأطرافها المباشرين، بل تحولت إلى اختبار واسع النطاق لتوازنات الإقليم بأسره
وفي هذا الإطار، تكثف وزارة الخارجية المصرية تحركاتها الدبلوماسية واتصالاتها مع دول المنطقة في محاولة لوقف الحرب واحتواء آثارها، مؤكدة—وفق ما يُنقل عن اتصالات وزير الخارجية بنظرائه—أن الأزمات الإقليمية لا تُحل عسكريًا، وأن الحوار والتفاوض يظلان السبيل الوحيد لمعالجة التوترات القائمة.
كما تشدد القاهرة على استمرار التواصل مع مختلف الأطراف الفاعلة لدعم مسار التهدئة ومنع تفاقم الأوضاع، بما يحافظ على الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.
في المحصلة، لم تعد الحرب الدائرة حاليًا بين أميركا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب أخر، شأنًا محصورًا بأطرافها المباشرين، بل تحولت إلى اختبار واسع النطاق لتوازنات الإقليم بأسره، وربما للنظام الدولي في صورته الراهنة.
فارتداداتها الاقتصادية والأمنية والسياسية تتجاوز حدود ساحات الاشتباك، لتطال دولًا لم تطلق رصاصة واحدة، لكنها تجد نفسها في قلب العاصفة بفعل الجغرافيا أو المصالح أو هشاشة الأوضاع الداخلية.
وإذا كانت مصر نموذجًا لدولة تتأثر دون أن تكون طرفًا مباشرًا، فإن المشهد الأوسع يكشف أن المنطقة بأكملها تقف أمام لحظة مفصلية؛ لحظة قد تعيد رسم خرائط النفوذ، ومن ثم، فإن أخطر ما في هذه المواجهة لا يكمن في جولات القصف المتبادل فحسب، بل في احتمالية انزلاقها إلى مسار طويل يعيد تشكيل الشرق الأوسط سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.



