قضايا وتحليلات

بين أنقرة والرياض وتل أبيب: أديس أبابا تتحول إلى ساحة تنافس إقليمي

في زيارة خاطفة فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة حول أهدافها وتوقيتها، أجرى رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ جولةً سريعة إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا صباح الأربعاء 25 فبراير/شباط الجاري، التقى خلالها بالرئيس الإثيوبي تاي أتسكي سيلاسي، ورئيس الوزراء آبي أحمد.

تتعامل تل أبيب مع أديس أبابا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا ممتدًا؛ وهو ما عبّر عنه سابقًا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، مؤكدًا أن إثيوبيا تمثل بوابة رئيسية للكيان المحتل لتعزيز حضوره وتوسيع نفوذه داخل القارة الأفريقية.

وفي المقابل، يثير تنامي التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا ولا سيما في منطقة القرن الأفريقي ذات الثقل اللوجستي والاستراتيجي قلقًا متزايدًا لدى عدد من الدول العربية والشرق أوسطية التي تنظر بعين الريبة إلى هذا الحراك الدبلوماسي المتسارع في السنوات الأخيرة، باعتباره تطورًا قد يحمل انعكاسات مباشرة على الأمن القومي العربي والإقليمي.. وهنا يبقى السؤال: ماذا حمل هرتسوغ في حقيبته السياسية إلى أديس أبابا، وما الرسائل التي أراد إيصالها؟

توقيت حساس

حمل توقيت الزيارة دلالاتٍ تتجاوز طابعها البروتوكولي، وتضعها في قلب مشهد إقليمي آخذ في إعادة التشكل، فقد جاءت جولة هرتسوغ إلى أديس أبابا بعد أسبوعٍ واحد فقط من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 17 فبراير/شباط الجاري؛ وهي الزيارة الأولى للرئيس التركي إلى إثيوبيا منذ أحد عشر عامًا، واستمرت ليومٍ واحد تلبيةً لدعوة من رئيس الوزراء الإثيوبي، والتي شهدت تلك المحطة مباحثات موسعة تناولت ملفات التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية، وفي مقدمتها توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وخلال الزيارة، شدّد أردوغان على وحدة الدول واحترام سيادتها ورفض النزعات الانفصالية، في إشارةٍ ضمنية إلى ملف “أرض الصومال”، بالتوازي مع توقيع حزمة اتفاقيات عززت بها أنقرة حضورها داخل إثيوبيا وعلى امتداد القرن الأفريقي عمومًا، بما يؤشر إلى رغبة تركية واضحة في توطيد موطئ قدم أكثر رسوخًا في هذه الجغرافيا الحساسة.

وقبل ذلك بنحو أسبوع، كان وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ضيفًا على رئيس الوزراء الإثيوبي في 11 فبراير/شباط، حيث بحث الجانبان سبل تعميق العلاقات وتوسيع التعاون المشترك، بينما أكدت الرياض بدورها المبادئ ذاتها المتعلقة بوحدة الدول وسيادتها، في رسالة تتقاطع مع الموقف التركي وتكشف عن إدراك خليجي إقليمي متزايد لأهمية المسرح الإثيوبي ضمن معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وبالتوازي مع هذا الزخم، تعيش المنطقة اضطرابات سياسية وأمنية متصاعدة، على وقع احتدام التوتر بين واشنطن وطهران، وتزايد الحديث عن احتمالات مواجهة قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الإقليم، وهو واقع دفع القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم مواقفها، وتثبيت مواقعها، وبناء هوامش حركة أوسع في ظل سيولة جيوسياسية غير مسبوقة.

ومن هنا، وفي خضم هذا الحراك الدبلوماسي الذي تشهده أديس أبابا، ومساعي أكثر من طرف لإعادة التموضع داخل هذه “العقدة اللوجستية” في أفريقيا، جاءت زيارة رئيس الكيان الإسرائيلي كخطوةٍ محسوبة لضبط المعادلة، والحفاظ على جسور التحالف مع أحد أهم شركائه في القارة، ومنع تآكل مكاسبه لصالح منافسين يتحركون بوتيرة متسارعة.

ماذا تريد تل أبيب؟

يحمل هرتسوغ في حقيبته خلال هذه الزيارة الخاطفة حزمة ملفات يسعى عبرها إلى تحقيق اختراقاتٍ نوعية على أكثر من مسار:

أولًا: تقويض موقف أديس أبابا من “أرض الصومال.. تتحرك تل أبيب على خط شرعنة كيان “أرض الصومال” عبر توسيع دائرة الاعتراف الدولي به، بما يفتح لها نافذة أكثر رسوخًا نحو منطقة القرن الأفريقي ذات الثقل اللوجستي والموقع الحاكم على البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، تحاول استمالة إثيوبيا بحكم وزنها الإقليمي لدعم هذا المسار أو على الأقل عدم معارضته، بما يمهد لخلق بيئة سياسية مواتية لتموضع إسرائيلي أوسع، وعليه جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى “أرض الصومال” في 6 يناير/كانون الثاني الماضي كإشارة سياسية لافتة، باعتبارها من أوائل التحركات الإسرائيلية العلنية باتجاه هذا الإقليم.

ثانيًا: كبح النفوذ التركي المتنامي.. يصعب فصل زيارة هرتسوغ عن الحضور التركي المتصاعد في إثيوبيا والقرن الأفريقي، ولا عن زيارة أردوغان الأخيرة وما تبعها من اتفاقيات عززت نفوذ أنقرة، فالتباين بين المقاربتين التركية والإسرائيلية تجاه القرن الأفريقي بات أكثر وضوحًا، ما يدفع تل أبيب إلى تقديم حوافز اقتصادية وأمنية لأديس أبابا بهدف الحد من تمدد الدور التركي، الذي تُنظر إليه في إسرائيل بوصفه منافسًا مباشرًا يهدد مصالحها وأجندتها في القارة.

وتستند المخاوف الإسرائيلية هنا إلى كون تركيا لاعبًا اقتصاديًا ثقيلًا في إثيوبيا، فضلًا عن شبكة تفاهمات دفاعية في الصومال تمنحها هامش نفوذ واسع في ملفات حساسة.

ثالثًا: تحصين الشراكة الاستراتيجية مع إثيوبيا.. تتعامل إسرائيل مع إثيوبيا بوصفها “الدولة المحورية” في مشروعها الأفريقي، ومن ثم تسعى إلى ترميم وتعميق العلاقات عبر توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري في مجالات متعددة.

ويعزز هذا التوجه واقعُ الضغوط الاقتصادية التي تمر بها إثيوبيا، بما يجعلها أكثر قابلية للانفتاح على أي شراكات أو مساعدات، إضافة إلى امتدادات العلاقة التاريخية بين الطرفين سياسيًا ودينيًا.

رابعًا: تعزيز التمركز في البحر الأحمر وباب المندب.. لا تبدو إثيوبيا هدفًا نهائيًا بقدر ما تمثل بوابةً لتعظيم الحضور الإسرائيلي في البحر الأحمر، فالمعادلة هنا ترتبط بمحاولة فرض نفوذ أو “رقابة غير مباشرة” على الممرات الحيوية، وعلى رأسها باب المندب، خاصة في ظل التوترات المتراكمة التي شهدها هذا الممر منذ اندلاع حرب غزة.

وتقدّر تل أبيب أن أي تثبيت لنفوذها في فضاء القرن الأفريقي ولا سيما عبر “أرض الصومال” قد يمنحها مكاسب استراتيجية تتصل بأمن الملاحة وحماية مصالحها، مستفيدةً في الوقت نفسه من ثقل أديس أبابا السياسي بوصفها مقر الاتحاد الأفريقي وفاعلًا مركزيًا في القارة.

خامسًا: توظيف الزيارة كورقة ضغط غير مباشرة على القاهرة.. تدرك تل أبيب أن الخلاف المصري الإثيوبي حول سد النهضة يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في الإقليم، ومن ثم تحاول الاستثمار في هذا التوتر عبر تقديم نفسها وسيطًا محتملًا أو طرفًا قادرًا على “تقريب وجهات النظر”، بما يمنحها موقعًا متقدمًا داخل ملفات أفريقيا الشائكة.

وفي الوقت ذاته، قد يتحول هذا المسار إلى أداة نفوذ سياسي تُستخدم في إدارة العلاقة مع القاهرة، سواء عبر تحسين شروط التفاهمات أو توسيع هامش الضغط غير المعلن. كما تسعى إسرائيل وفق هذا المنطق إلى إمساك العصا من الوسط، الحفاظ على خطوط مفتوحة مع الطرفين، مع إبقاء ملف السد ورقة قابلة للتوظيف عند الحاجة.

توسيع النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا

منذ ستينيات القرن الماضي تبنّت إسرائيل سياسة انفتاحٍ ممنهجة تجاه القارة الأفريقية، في إطار مساعٍ لكسر العزلة التي سعت الدول العربية آنذاك إلى تكريسها، وبهدف بناء شبكات نفوذ وتحالفات مع الدول الأفريقية حديثة الاستقلال.

غير أنّ هذا المسار تعرّض لانتكاسةٍ واضحة عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين قطعت غالبية العواصم الأفريقية علاقاتها مع تل أبيب تحت وطأة الضغط العربي واتساع موجة التضامن مع القضية الفلسطينية.

ومع مطلع تسعينيات القرن العشرين، بدأت العلاقات تعود تدريجيًا إلى مسارها، قبل أن تتسارع وتيرتها بصورة لافتة خلال عهد بنيامين نتنياهو، الذي تعامل مع أفريقيا باعتبارها أولوية دبلوماسية واستراتيجية.

وفي هذا السياق، سعت إسرائيل إلى تثبيت حضورها المؤسساتي داخل المنظومة القارية عبر محاولة الحصول على صفة “مراقب” في الاتحاد الأفريقي، وهو ملف ما يزال مثار جدل وانقسام داخل القارة بين مؤيدٍ ومعارض.

واعتمدت تل أبيب في إعادة بناء نفوذها الأفريقي على حزمة أدوات متعددة، في مقدمتها التعاون الأمني والعسكري، وتقديم خدمات التدريب والدعم الفني لعدد من الجيوش والأجهزة، فضلًا عن تنسيقٍ استخباراتي مع بعض الدول—لا سيما في مناطق الساحل والقرن الأفريقي بحجة مراقبة الجماعات المسلحة والحد من تمددها، بما منح إسرائيل موطئ قدم داخل دوائر القرار في تلك البلدان.

وإلى جانب البعد الأمني، وسّعت إسرائيل قنواتها الاقتصادية عبر التجارة والاستثمار، وتصدير التكنولوجيا الزراعية والطاقة، والانخراط في شراكات ذات صلة بالتعدين وموارد الطبيعة، وغير ذلك من أدوات القوى الناعمة التي نجحت من خلالها تل أبيب في كسب وتوسيع الحضور الرسمي والشعبي لدى بعض الدول الفقيرة.

في ضوء ما سبق، تندرج زيارة هرتسوغ إلى أديس أبابا ضمن سياق أوسع لصراع النفوذ وتثبيت مواضع الارتكاز في واحدة من أكثر نقاط القارة الأفريقية حساسيةً من حيث الثقل اللوجستي والجيوسياسي، إذ تحوّل القرن الأفريقي، خلال الأشهر والسنوات الأخيرة، إلى ساحة مفتوحة لتنافس إقليمي ودولي محموم، تتقاطع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية مع حسابات الممرات البحرية وموازين القوى.

ويعكس هذا الحراك حجم التحديات التي تفرضها التحركات الإسرائيلية في الإقليم، وما قد تفضي إليه من إعادة تشكيلٍ تدريجي لخرائط النفوذ ومسارات التأثير، بما يلامس أمن الممرات الملاحية ويزيد من هشاشة “الخاصرة الجنوبية” للعالم العربي.

وأخيرًا وإزاء هذا المشهد المكشوف والواضح، تبدو المعركة أكثر علنيةً وأقل قابليةً للإدارة بالأدوات التقليدية المعروفة، وهو ما يضع الحاجة إلى مقاربات عربية أعمق تنسيقًا، وتكتلات إقليمية أكثر فاعلية، قادرة على موازنة هذا الاندفاع الإسرائيلي ومن خلفه الأمريكي نحو إعادة إنتاج نظامٍ جديد بقواعد ومعايير مغايرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى