
بين الأمس واليوم: ما الذي تغيّر بين حرب الـ12 يومًا وهجوم إيران الراهن؟
د. عماد عنان
في الوقت الذي كانت فيه تقارير عديدة تتحدث عن أجواء إيجابية تُخيّم على مفاوضات جنيف واقتراب التوصل إلى تفاهم بين طهران وواشنطن—على خلفية ما وُصف بمرونة أوسع أظهرها المفاوض الإيراني مقارنة بالجولات السابقة—استيقظت المنطقة على وقع ضربة أمريكية–إسرائيلية استهدفت طهران وعددًا من المدن الإيرانية شمالًا وجنوبًا.
وكان كثير من المراقبين قد رأوا في الحشد العسكري غير المسبوق الذي شهدته المنطقة خلال الفترة الأخيرة مؤشرًا واضحًا على أن ضربة باتت مسألة وقت لا أكثر، وأن تفكيك هذا المستوى من التعبئة لا يمكن أن يتم من دون “ثمن سياسي” أو إنجاز قابل للتسويق—حتى لو جاء في صورة انتصار رمزي، وعليه ظل احتمال الضربة قائمًا في كل لحظة، رغم الخطاب الذي روّج لفكرة أن الدبلوماسية قد تنجح في نزع فتيل التوتر في اللحظات الأخيرة.
واللافت أن الضربة الحالية، ورغم تقاطع المبررات التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو، تبدو مختلفة جوهريًا عن حرب “الأيام الـ12” في حزيران/ يونيو الماضي، وهو ما يوحي بأن المنطقة أمام نمط تصعيد مغاير نسبيًا من حيث رقعته وأهدافه، حتى وإن انتهى المشهد—كما يرجح البعض—إلى تسوية سياسية محتملة في مرحلة لاحقة.
الضرب في خضم المفاوضات.. السياق والدلالة
يتشابه الهجوم الراهن مع ما جرى في حرب الاثني عشر يومًا في كونهما اندلعا في خضم مسار تفاوضي كان يسير—بحسب المؤشرات المعلنة—بخطى ثابتة نحو نتائج إيجابية محتملة، غير أن الضربة الحالية جاءت في توقيت بدت فيه أجواء جنيف أكثر تفاؤلًا من أي وقت مضى، عقب حديث عن مرونة إيرانية غير مسبوقة، ما عزز الانطباع بأن قرار الهجوم كان قد حُسم سلفًا، بصرف النظر عن مخرجات التفاوض.
وفي هذا السياق، اكتسبت مقابلة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، مع شبكة CBS—والتي سبقت الضربة بساعات، أهمية خاصة بعد حديثه عن قبول طهران بتنازلات جوهرية، من بينها عدم الاحتفاظ بمخزون من اليورانيوم المخصب داخل أراضيها—وهو ما قُدم بوصفه طرحًا يتجاوز تفاهمات 2015.
هذه الرسالة عززت سردية جدية الانخراط الإيراني في المسار الدبلوماسي، الأمر الذي أضعف خطاب التيار المؤيد للحسم العسكري القائم على التشكيك في نيات طهران.
في المقابل، سعى الرئيس الأمريكي إلى تبرير الضربة باعتبارها دفاعًا استباقيًا عن المصالح الأمريكية في مواجهة “تهديدات وشيكة”، متهمًا إيران بتعريض القوات والحلفاء للخطر ومواصلة تطوير قدرات نووية وصاروخية مقلقة.
غير أن قراءة أخرى ترى أن توقيت القرار وحجمه يعكسان رضوخًا أمريكيًا للرؤية الإسرائيلية ورغبة حكومة نتنياهو في توجيه ضربة حاسمة، بما يجعل المواجهة—وفق هذا التصور—أقرب إلى حرب إسرائيلية تتقاطع معها واشنطن، رغم ما قد يترتب على ذلك من كلفة سياسية واستراتيجية على الولايات المتحدة والمنطقة.
أوجه الخلاف
تكشف المؤشرات الأولية عن فارق جوهري بين الضربة الحالية ونظيرتها قبل ثمانية أشهر، سواء من حيث الاستراتيجية أو طبيعة الأهداف أو نمط الرد أو السياق الإقليمي المحيط بها.
أولًا: استراتيجية المواجهة
الضربة الراهنة تمثل منعطفًا مختلفًا جذريًا عن هجوم حزيران/يونيو الماضي؛ فهي ليست عملية إسرائيلية تلقت دعمًا أمريكيًا لاحقًا، بل تبدو منذ لحظتها الأولى كعملية مشتركة مكتملة الأركان بين واشنطن وتل أبيب، من حيث التخطيط والتنسيق وتوزيع الأدوار.
كما أن مستوى الحشد العسكري واللوجستي أضفى عليها بعدًا نوعيًا، إذ سبقتها تعبئة غير مسبوقة أتاحت تنفيذ عمليات متزامنة من الجو والبحر، بخلاف الضربة السابقة التي اعتمدت بصورة أساسية على سلاح الجو.
ثانيًا: بنك الأهداف والرسائل السياسية
بحسب الخطابين اللذين ألقاهما الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي عقب بدء الهجوم، فإن الهدف المعلن يتجاوز الردع إلى إسقاط النظام الإيراني وزعزعة بنيته وضرب جسده السياسي، وعليه، تركزت الضربة—وفق المعطيات المتداولة—على العاصمة طهران وعدد من المدن الكبرى، مع الحديث عن استهداف وزارات ومقار سيادية ومطارات داخلية، إلى جانب تقارير عن استهداف “شخصيات كبيرة” ومنصات صاروخية.
وتشير هذه المعطيات إلى تركيز واضح على البنية السياسية للنظام وقياداته العليا، بالتوازي مع ضرب بعض الأهداف العسكرية، بما ينسجم مع سردية الاستهداف الشامل.
وعلى النقيض، كانت ضربة حزيران/يونيو أقرب إلى عملية ردعية ركزت على منشآت نووية ومنصات صواريخ دون أن تتبنى خطاب إسقاط النظام صراحة.
ثالثًا: رد الفعل الإيراني واتساع رقعة الاشتباك
رغم غياب بيان رسمي مباشر من القيادة السياسية الإيرانية في الساعات الأولى، فإن المؤشرات عكست انخراطًا سريعًا في المواجهة، مع إعلان الاستعداد لـ“انتقام ساحق”، حيث بدأ الرد بإطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل، تزامنًا مع تقارير عن استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في كل من السعودية والكويت والبحرين والإمارات وقطر والعراق.
ويبدو أن نمط الرد هذه المرة يختلف من زاويتين: سرعة الاستجابة مقارنة بجولة حرب الـ 12 يومًا، واتساع رقعة الاستهداف لتشمل الداخل الإسرائيلي وقواعد أمريكية في الإقليم، ما يعكس مستوى أعلى من الجاهزية لاحتمالات تصعيد متعدد المسارات.
أي مستقبل لتلك المواجهة؟
لا يزال من المبكر إصدار حكم نهائي على المشهد في ساعاته الأولى، لا سيما مع تقديرات تتوقع امتداد المواجهة لعدة أيام. ومع ذلك، فإن مسار الأحداث سيتحدد وفق مجموعة محاور قد تحسم اتجاهها: إما الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا سقف زمني واضح، أو الاكتفاء برسالة ردع متبادلة مع ارتدادات مباشرة على مسار المفاوضات.
أول هذه المحاور يتمثل في طبيعة الرد الإيراني: هل ستتعامل طهران مع الضربة بمنطق الاحتواء والاكتفاء بردٍ رمزي—عبر استهداف محدود لقواعد أمريكية في الإقليم أو ضربات محسوبة داخل إسرائيل—أم ستذهب إلى تصعيد أوسع يوقع خسائر كبيرة ويُوسّع بنك الأهداف بما يتسق مع سقف التهديدات التي صدرت عنها خلال الأيام الماضية؟
بالتوازي، تبرز مواقف القوى الدولية والإقليمية بوصفها عنصرًا مؤثرًا في رسم مآلات المواجهة؛ إذ يشكل موقف روسيا والصين، وكذلك موقف حلفاء واشنطن وتل أبيب في المنطقة، عامل ضغط أو تيسير لاحتواء التصعيد، خاصة أن الضربة—وفق هذا التقدير—بدت غير مكترثة بمقاربات الحلفاء الذين بذلوا جهودًا دبلوماسية لتفادي الوصول إلى هذه المرحلة.
ويضاف إلى ذلك دور “أذرع إيران” في الإقليم، لا سيما في اليمن ولبنان والعراق؛ فدخولها على خط التصعيد يعني عمليًا انتقال المواجهة من نطاق محدود إلى ساحة أوسع، تتجاوز منطق الضربات المحسوبة إلى منطق اتساع الجبهات والاستنزاف المتبادل.
في المحصلة، تبدو كل السيناريوهات مطروحة على الطاولة، من العودة السريعة إلى مسار تفاوضي مغاير قد يُفضي إلى صفقة سياسية بشروط أكثر تشددًا، إلى الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة تتجاوز حدود إيران وإسرائيل لتطال الإقليم بأكمله.
الفارق بين المسارين ستحدده وبشكل عملي قدرة الأطراف على ضبط إيقاع التصعيد، وبالرسائل التي ستخرج من طهران وواشنطن وتل أبيب خلال الأيام القليلة المقبلة.
غير أن الثابت في كل الاحتمالات أن الشرق الأوسط—كعادته—سيكون الساحة الأكثر تأثرًا وكلفةً، سواء عبر اضطراب أسواق الطاقة، أو اهتزاز معادلات الأمن الإقليمي، أو انخراط أطراف جديدة في دوامة المواجهة، حتى في حال التوصل إلى تسوية، فإنها لن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه، بل ستؤسس لتوازنات جديدة تُعاد صياغتها تحت ضغط القوة والنار.
وعليه، فإن ما يجري لا يبدو مجرد جولة عسكرية عابرة في معركة طويلة الأمد، بل محطة مفصلية قد تعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بأسرها، فبين صفقة سياسية تُفرض تحت وقع الضربات، أو مواجهة مفتوحة تتدحرج خارج السيطرة، يبقى الشرق الأوسط أمام اختبار جديد، عنوانه العريض، إعادة تشكيل موازين القوى، بكلفة يدفعها الإقليم أولًا وأخيرًا.



