أوراق سياسات

بين الرهان الأمريكي والواقع الميداني: لماذا تبدو الورقة الكردية خيارًا صعبًا؟

في خطوة تحمل دلالات سياسية لافتة على مسار المواجهة الجارية، نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مصادر وصفتها بالمطّلعة أن الرئيس دونالد ترامب أجرى اتصالات مع قادة كرد لبحث سيناريوهات تتصل بإسقاط نظام الملالي في طهران.

وكان كلٌّ من موقع “أكسيوس” وصحيفة “وول ستريت جورنال” و”سي إن إن” قد أشاروا إلى أن ترامب أجرى اتصالين هاتفيين مع رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، تناول خلالهما تطورات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وخيارات المرحلة التالية.

وبحسب ما أوردته التقارير ذاتها، فإن هذه الاتصالات جاءت في سياق “تحركات خلف الكواليس” قيل إنها استمرت لأشهر، قادها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ضمن ما سُمّي بـ”الورقة الكردية”، فيما تذهب بعض التقديرات – وفقًا لما نقلته الصحيفتان – إلى أن جزءًا من الرهان يتمثل في احتمال اندلاع تحرك كردي داخلي، بما يفاقم الضغوط على النظام الإيراني ويعجّل بتصدّع بنيته.

وفي السياق نفسه، تحدثت مصادر متعددة عن أن ترامب أجرى، مطلع مارس/آذار الجاري، اتصالات مع قادة كرد، وأن قنوات التواصل لا تزال مفتوحة مع قيادات محلية أخرى قد ترى في تراجع نفوذ طهران فرصة لتحقيق مكاسب سياسية.

وفي بيان مقتضب، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن “الرئيس ترامب تحدث مع العديد من الشركاء الإقليميين”، من دون تسمية هؤلاء الشركاء، قبل أن يورد “أكسيوس” أن بعضهم من القيادات الكردية.

ولا تُعد محاولة توظيف “الورقة الكردية” في مواجهة طهران سابقة تاريخية؛ إذ ظل الكرد طرفًا حاضرًا في معادلات الصراع مع نظام ولاية الفقيه منذ سبعينيات القرن الماضي، وإن تفاوتت أشكال هذا الحضور بين السياسي والميداني.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يستطيع ترامب – إذا صحّت روايات أكسيوس وول ستريت جورنال و سي إن إن – إعادة تفعيل هذا المسار بما يفضي إلى إضعاف النظام أو تقويضه، خصوصًا بعد الضربات التي أطاحت بالصفين الأول والثاني من قيادتيه السياسية والعسكرية وصدّعت بنيته التسليحية وجردته من الكثير من أسلحته وأدوات نفوذه؟

سياق مهم لفهم المشهد

بعيدًا عن النبرة الاستعراضية التي يلوّح بها ترامب بشأن قدرة الضربة العسكرية المركّزة – التي نُفّذت بمشاركة إسرائيل – على إسقاط النظام الإيراني، يدرك الرجل في العمق أن منظومة بهذا القدر من التجذّر والصلابة، وبشبكات نفوذها الداخلية والإقليمية، لا تُسقطها عمليات خارجية وحدها ولا تُحسم بالضغط العسكري المباشر فقط.

من هنا تبلورت قناعته بأن لحظة السقوط – إن حدثت – لا بد أن تنبع من الداخل، وأن الشارع الإيراني هو وحده القادر على حسم المعركة، وعليه ومع انطلاق الضربات، سعى ترامب إلى الدفع بهذا الاتجاه عبر دعوات صريحة للإيرانيين إلى الانتفاض والسيطرة على السلطة،  متبنّيًا خطابًا تحريضيًا مباشرًا، ومغريًا الداخل الإيراني بوعد “الدعم الأمريكي” بوصفه مظلةً لتحريرهم من النظام القائم.

الخطاب نفسه تردّد أيضًا لدى نتنياهو وبعض رموز المعارضة الإيرانية في الخارج، وعلى رأسهم رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، الذي حاول تقديم نفسه بوصفه خيارًا بديلًا في حال انهيار النظام، فبالتوازي مع دعوات ترامب، وجّه بهلوي رسائل للإيرانيين تحثهم على التحرك لإسقاط السلطة، في محاولة لالتقاط لحظة التحول إن توفرت.

غير أن رهانات ترامب على إحداث “خلخلة سريعة” في بنية النظام – عبر استهداف رأسه السياسي ممثلا في المرشد الأعلى وقياداته العسكرية – لم تجرِ كما أراد، إذ بدا رد فعل النظام، ممثلًا هنا في الحرس الثوري، أقرب إلى التعامل مع الحدث بوصفه معركة وجود لا مجرد جولة ضمن حرب تقليدية، ما رفع سقف المواجهة وكلفتها، ووسّع نطاق ردود الفعل المحتملة بدل أن يسرّع الانهيار.

وفي المقابل، أظهرت الجبهة الداخلية تماسكًا نسبيًا، مع ميل قطاع من الرأي العام إلى الاصطفاف خلف الدولة في مواجهة ما يُصوَّر كاعتداء خارجي، وهو ما عكس – وفق هذا المنظور – تعثرًا في قراءة ترامب لطبيعة المزاج الإيراني في لحظات التهديد الخارجي، حيث تتقدم اعتبارات السيادة والهوية الوطنية على الخلافات الداخلية.

عند هذه النقطة، برز التفكير في “الورقة الكردية” بوصفها خيارًا أخيرًا قد يحقق ما لم يحققه الشارع تلقائيًا، فالخصومة التاريخية بين بعض القوى الكردية والنظام الإيراني، وما راكمته من مظالم سياسية وثقافية وأمنية، تُقدَّم في هذا التصور كرافعة يمكن استثمارها لإشعال بؤر ضغط داخلية، عبر تغذية شعور العداء والرغبة في الانتقام، والدفع باتجاه تحرك عاجل يهدف إلى تقويض النظام، على وعدٍ ضمنيّ بمكاسب كبرى تتصل بتقرير المصير وتوسيع الحضور السياسي، والتخلص من قبضة السلطة وسياساتها القمعية.

التحالف الكردي للإطاحة بالنظام

يوم 22 فبراير/شباط الماضي، وفي ذروة موجة الاحتجاجات الشعبية داخل إيران، أعلنت خمسة أحزاب كردية متمركزة في إقليم كردستان العراق عن تأسيس تحالف سياسي جديد، يرفع هدفين صريحين، إسقاط النظام الإيراني وتكريس حق الكرد في تقرير المصير.

وضم التحالف عددًا من أبرز القوى الكردية الإيرانية، في مقدمتها حزب حرية كردستان (PAK) والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) وحزب الحياة الحرة الكردستاني(PJAK)، وفي بيان مشترك، أكد الموقعون دعمهم للاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران، مشددين على ضرورة بناء مسار “تنسيقي” يجمع بين النضال السياسي والعمل الميداني، عبر توحيد جهود الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في مختلف مناطق البلاد.

في المقابل، تتعامل طهران مع هذه التنظيمات – المتمركزة خارج حدودها – بوصفها “كيانات إرهابية”، وهو توصيف رافقه خلال السنوات الماضية تصعيد أمني واضح، شمل استهداف مواقع مرتبطة بها في كردستان العراق عبر طائرات مسيّرة، في ظل اتهامات إيرانية متكررة لتلك الأحزاب بالعمل ضمن أجندات غربية وإسرائيلية، وقد أسهم هذا المسار في تعميق القطيعة وتثبيت الخصومة بين الطرفين على مدى سنوات.

وتاريخيًا، خاضت بعض هذه الأحزاب مواجهات مسلحة مع القوات الإيرانية في مناطق ذات غالبية كردية على الشريط الحدودي الإيراني–العراقي، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في وتيرة النشاط العسكري، مع ميلٍ أكبر إلى التركيز على الحراك السياسي واتباع حملات ضغط وتعبئة تتبنى هدف إسقاط النظام من بوابة استنزاف شرعيته داخليًا.

وبحسب هذه المقاربة، يبرز الكرد بوصفهم الطرف الأكثر تنظيمًا ضمن معسكر مناهضة النظام، ليس فقط لصلابة موقفهم السياسي، بل أيضًا لأنهم – مقارنة ببقية القوميات داخل إيران – يمتلكون شبكات تنظيمية عابرة للحدود وتشكيلات مسلحة يمكن، نظريًا، أن تُستخدم كورقة ضغط قادرة على إرباك السلطة ومناكفتها عند اشتداد لحظات الضعف.

كرد إيران.. الواقع والإمكانيات

يُعدّ الكرد إحدى أكبر القوميات غير الفارسية في إيران. ورغم غياب إحصاء إثني رسمي، تشير تقديرات متداولة إلى أن عددهم يتراوح بين 8 و10 ملايين نسمة، أي ما يقارب 10–12% من إجمالي السكان، مع تمركز رئيسي في الشريط الغربي المحاذي لتركيا والعراق.

ديموغرافيًا، يتوزع الكرد بصورة أساسية على أربع محافظات: كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية وإيلام، وإلى جانب هذا الثقل الجغرافي، أفرزت الهجرة الداخلية تجمعات كردية معتبرة في شمال خراسان وفي طهران وعدد من المدن الكبرى، ما منح الوجود الكردي امتدادًا يتجاوز الإقليم التقليدي غرب البلاد.

سياسيًا واجتماعيًا، يحمل الكرد تاريخًا ممتدًا من التوتر مع الدولة المركزية، فمنذ عقود، يوجّهون للنظام الإيراني اتهامات بالتهميش السياسي، وإضعاف فرص التنمية الاقتصادية في مناطقهم، وفرض قيود على اللغة والثقافة الكردية، فضلًا عن محدودية التمثيل داخل مؤسسات الحكم، وعلى الرغم من أن البيئة الحالية تبدو أقل حدّة مقارنة بسنوات ما بعد الثورة، فإن حالة الاحتقان لم تختفِ، وظلت تتجدد بأشكال متفاوتة خلال العقود الثلاثة الماضية.

على المستوى الأمني، تمتلك بعض الأحزاب الكردية أذرعًا مسلحة، أبرزها حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) الذي تأسس عام 2004 ويُعد – وفق كثير من التقديرات – أقوى تنظيم كردي مسلح مناهض لطهران في الوقت الراهن. ويرتبط الحزب فكريًا وتنظيميًا بحزب العمال الكردستاني، ويتمركز أساسًا في المناطق الجبلية على الحدود الإيرانية–العراقية.

ويأتي بعده الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني – ذو الجذور التاريخية الممتدة إلى أربعينيات القرن الماضي – والذي يحتفظ بجناح مسلح، وإن تراجعت فاعليته مقارنة بمراحل سابقة، كما تنشط تنظيمات ذات توجه يساري، في مقدمتها كومالا، أحد أقدم التشكيلات اليسارية الكردية الإيرانية.

غير أن اللافت أن هذه التشكيلات، على الرغم من رمزيتها السياسية، تعاني من قصور واضح في الإمكانات العسكرية – عددًا وعدّة وتسليحًا – عند مقارنتها بمؤسسات الدولة الأمنية وعلى رأسها الحرس الثوري، فالفجوة هنا كبيرة بين طرف يمتلك بنية صلبة وقدرات استخبارية وتسليحية واسعة ونفوذًا داخليًا وإقليميًا، وبين مجموعات تعمل في ظروف جغرافية قاسية وعلى هامش الدولة، تتوزع على الحدود والمناطق الجبلية، وتواجه أيضًا تعقيدات سياسية وأمنية في محيطها الإقليمي، بما في ذلك توترات العلاقة مع دول الجوار مثل تركيا وسوريا.

انقسام بنيوي حاد

لا تقتصر مواطن الضعف في الحالة الكردية داخل إيران على محدودية القدرات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى البنية الداخلية نفسها، التي تعاني من انقسامات عميقة على المستويين الديموغرافي والسياسي، مثل هذه التشظيات تجعل من توحيد الصف الكردي وبلورة موقف جامع في لحظة شديدة الحساسية أمرًا بالغ الصعوبة.

على المستوى الديموغرافي–الثقافي، تتداخل الانقسامات اللغوية داخل الجغرافيا الكردية الإيرانية بصورة واضحة، فالكرد لا يتحدثون لهجة واحدة، بل ينقسمون إلى مسارات لغوية متباينة، إذ يميل كرد أذربيجان الغربية إلى لهجة الكرمانجية، فيما تسود الصورانية في محافظة كردستان، بينما تتداول مناطق كرمانشاه وإيلام لهجات أقرب إلى اللك واللور، ورغم أن هذا التعدد لا يعني بالضرورة انقسامًا سياسيًا تلقائيًا، فإنه يضيف طبقة إضافية من التعقيد أمام أي مشروع تعبئة موحّدة أو خطاب كردي مركزي.

ويزداد المشهد تعقيدًا بسبب الانقسام الطائفي، الذي ينعكس بدوره على الحسابات السياسية، فشريحة معتبرة من كرد كرمانشاه – الذين يُشار إلى أنهم يمثلون قرابة ثلث الكرد الإيرانيين – ينتمون إلى المذهب الشيعي، بينما يغلب الانتماء السني على معظم كرد إيران في المحافظات الأخرى،  هذا التفاوت لا ينتج عنه صراع دائم بالضرورة، لكنه يخلق حساسية إضافية في مسألة “التمثيل” وتحديد الأولويات، ويؤثر على طبيعة العلاقة مع المركز ومع القوى الإقليمية المحيطة.

أما سياسيًا، فتبدو الانقسامات أكثر مباشرة، حيث تتباين قراءات الفاعلين الكرد للمشهد الإيراني الراهن، خاصة في مسألة العلاقة مع أي تدخل خارجي أو حرب بالوكالة، فبينما يذهب تيار إلى اعتبار الضغط العسكري الخارجي فرصة لإضعاف النظام وفتح نافذة تغيير، يرفض تيار آخر هذا المسار، ويؤكد أن التحول الديمقراطي ينبغي أن يكون نتاجًا شعبيًا داخليًا لا مشروعًا يُملى من الخارج.

في هذا السياق، برزت مواقف تعكس خطاب “الحياد النشط” أو ما يوصف بـ”المسار الثالث”، فقد عبّر قيادي في حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، مظلوم هفتان، عن رفض الانحياز للجانب الأمريكي كما رفض الانحياز للجانب الإيراني، معتبرًا أن القضية الكردية تختلف في طبيعتها، وأن الهدف المركزي هو تغيير ديمقراطي سلمي داخل إيران، بصيغة تتجنب الاصطفاف في حرب لا تخدم مشروعهم السياسي.

في المقابل، يقدّم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) مقاربة أكثر مرونة تجاه احتمالات الحرب بوصفها “فرصة سياسية” محتملة، حتى مع عدم تبني الهجمات أو تبريرها، إذ يشير بعض قادته إلى أن الرهان الأساسي يبقى على الشعب الإيراني وخصوصًا الشعب الكردي، مع الإقرار بأن اندلاع الحرب قد يخلق بيئة تسمح بعودة المعارضة إلى ساحات الفعل السياسي داخل البلاد، وفي الوقت نفسه، يؤكد الحزب اعتماده طيفًا واسعًا من أدوات النضال، من الحراك المدني والجماهيري إلى خيارات أكثر صدامية عند الضرورة.

من هنا يبدو أن التنظيم الكردي، بحكم تركيبته المتعددة – لغويًا وطائفيًا وسياسيًا – يواجه تحديًا بنيويًا يتمثل في صعوبة إنتاج موقف واحد أو قيادة موحدة قادرة على اتخاذ قرار جامع في مواجهة النظام الإيراني، ومع غياب أرضية مشتركة واضحة، تظل القدرة على تحويل الثقل الديموغرافي إلى قوة سياسية متماسكة محدودة ما لم تُطرح استراتيجيات تجمع المختلفين، وتعيد تعريف الأولويات، وتؤسس “مشتركًا سياسيًا” قابلًا للبناء عليه.

قراءة ترامب الخاطئة

وفق هذا التصور، وبالاستناد إلى المعطيات السابقة، يبدو أن ترامب أخطأ في قراءة المشهد الكردي على نحو واضح. فإلى جانب محدودية القدرات العسكرية للأحزاب الكردية والانقسامات البنيوية الحادة داخلها، ثمة عامل إضافي بالغ الأهمية ربما لم يُؤخذ بالحسبان: طبيعة المجال العملياتي الذي تتحرك فيه هذه القوى.

فالنشاط العسكري الكردي يتركز أساسًا في الشريط الحدودي الوعر بين العراق وإيران، وهي بيئة جغرافية شديدة القسوة تحولت – مع اندلاع الحرب – إلى ساحة مكشوفة تتعرض لضربات إيرانية استباقية متكررة. كما أن الحرس الثوري، بحكم خبرته في مكافحة التمرد وقدراته الاستخبارية والميدانية، نجح في تحويل تلك المرتفعات إلى مناطق رصد واستهداف شبه دائمة. وضمن هذه الشروط، تبدو فكرة أن تقوم ميليشيات كردية بعملية اجتياح بري داخل دولة تمتلك عقيدة دفاعية تقوم على “المواجهة من نقطة الصفر” أقرب إلى تصور متخيَّل منه إلى خيار عسكري قابل للتحقق في اللحظة الراهنة.

إلى ذلك، فإن اغتيال المرشد – بهذا الشكل – أعاد تشكيل المزاج الداخلي في اتجاه مغاير لرهانات التفكك. إذ دفع قطاعًا من المعارضين إلى الاصطفاف قوميًّا خلف الدولة، بعدما تحوّل خامنئي في المخيال الشعبي لدى شريحة من الإيرانيين إلى رمز وطني “مغدور”، وهي ديناميكية غالبًا ما تُنتج قدرًا من التماسك الداخلي في أوقات الحرب، حتى لو كان مؤقتًا.

وبناءً عليه، فإن أي محاولة أمريكية–إسرائيلية لتغيير النظام عبر خطاب تحريضي يستند إلى “الورقة الكردية” في هذا التوقيت، قد لا تفضي إلى تفجير الداخل بقدر ما قد تُنتج نتيجة عكسية، تعبئة شعبية تمنح الحرس الثوري غطاءً أوسع، وتتيح له تقديم نفسه بوصفه خط الدفاع الأخير في “معركة وجود” لا مجرد صراع على شكل الحكم، بما يفتح الباب أمام تصعيد أكبر واستخدام أدوات أكثر خشونة وغير مسبوقة تحت مظلة تفويض شعبي متنامٍ.

متى تتغير المعادلة؟

في ضوء هذه القراءة، تبدو فكرة إسقاط نظام الملالي عبر “الورقة الكردية” بصيغتها الراهنة شديدة التعقيد؛ فهي ليست مستحيلة من حيث المبدأ، لكنها تظل رهينة تحولات كبرى في مسار المواجهة قد تعيد تشكيل ميزان القوى وتبدّل الحسابات رأسًا على عقب.

أول هذه التحولات يتمثل في أن تُفضي الضربات المتصاعدة إلى إضعاف شامل لقدرات النظام، عسكريًا وسياسيًا وبنيويًا، بما يحدّ من قدرة مؤسساته – وفي مقدمتها الحرس الثوري – على الضبط والسيطرة وإدارة الأزمة، عندها فقط يمكن أن تتشكل نافذة انهيار تسمح لقوى الداخل باستثمار لحظة الارتباك.

ويتزامن ذلك، في سيناريو التحول، مع دعم خارجي نوعي – إقليمي أو دولي – للمعارضة الإيرانية، سواء بصورة عامة أو عبر دعم مركز للفاعلين الكرد، وقد يأتي هذا الدعم على شكل إسناد عسكري محدود، أو مظلة سياسية ودبلوماسية تمنح التحركات الداخلية شرعية دولية أو حماية نسبية.

وفي حال تبلور هذا المسار، قد تجد التحركات الكردية صدى أوسع لدى قطاعات من الشارع الإيراني، لا سيما إذا بدا أن النظام يقترب من نهايته، فتغدو الساحة مهيأة لانتفاضة تحاول – من منظورها – إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدولة قبل انزلاقها إلى انهيار كامل.

في المقابل، إذا نجح النظام الإيراني في ترميم شروخه سريعًا، وإعادة تنظيم مراكزه الأمنية والسياسية، واحتواء الضغوط عبر الصمود أو امتصاص الضربات، فإن رهان إسقاطه سيظل بعيد المنال، خصوصًا في غياب العوامل السابقة من إضعاف داخلي شامل ودعم خارجي مؤثر،  بل إن السيناريو المعاكس قد يكون الأكثر حضورًا، أن يخرج النظام أكثر تماسكا، إذ إن مجرد بقائه وعدم سقوطه تحت وقع العمليات يمثل انتصارًا رمزيًا يمكن تحويله إلى رصيد سياسي وأمني في المرحلة اللاحقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى