قضايا وتحليلات

تبادل السفراء بين القاهرة وطهران: واقع قريب أم مناورة سياسية؟

في التاسع عشر من شباط/فبراير الجاري، فجّر رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر، مجتبي فردوسي بور، مفاجأة من العيار الثقيل، حين أكد في تصريح رسمي له أن قرارًا نهائيًا قد اتُّخذ بشأن تبادل السفراء بين طهران والقاهرة، وأن التنفيذ لم يعد يفصل عنه سوى “ساعة الصفر”.

وقد نقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية الرسمية هذا الموقف، بما بدا كخطوة تُلقي بثقلها على ملف العلاقات المصرية–الإيرانية التي تعيش حالة جمود ممتدة، وتضع القاهرة أمام موقف مُحرِج، عبر تجاوز مقاربتها التقليدية القائمة على التدرّج و”الخطوة مقابل خطوة” في مسار التطبيع.

وفي أول تعليق رسمي، نفى مصدر مصري صحة ما طُرح، مؤكدًا، في تصريحات نقلتها وكالة “أنباء الشرق الأوسط”، أن الاتصالات بين البلدين قائمة ومكثفة ضمن جهود أوسع لخفض التوتر الإقليمي وتغليب منطق التهدئة والعقلانية على منطق القوة، غير أن قرار تبادل السفراء لم يُحسم حتى الآن.

ويكشف هذا التباين بين الروايتين عن مقاربة مصرية لم تكتمل ملامحها بعد تجاه الانتقال إلى التطبيع الكامل مع إيران، بعد سنوات من التأرجح بين الحذر والتوتر وإدارة المسافة السياسية.

وفي هذا السياق، يثور السؤال حول أبرز محطات العلاقة بين البلدين، وحدود المقاربة المصرية لرفع مستوى التطبيع إلى أقصاه، في ظل بيئة جيوسياسية مضطربة تدفع أطراف الإقليم كافة إلى مراجعة مواقعها وإعادة التموضع من جديد.

من منظور إيراني، يأتي الانفتاح على مصر ضمن استراتيجية أوسع لكسر العزلة وتوسيع هوامش الحركة الإقليمية والدولية في مواجهة الضغوط والعقوبات

عصر الشاه.. مصاهرة وتأرجح في العلاقات

تعود جذور العلاقات المصرية–الإيرانية في العصر الحديث إلى القرن التاسع عشر، عندما أُبرمت اتفاقية “أرضروم” بين الدولة القاجارية والدولة العثمانية، ونصّت على أحقية إيران في إنشاء قنصليات داخل الولايات العثمانية. وفي هذا السياق افتُتحت قنصلية لرعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، وكان حاجي محمد صادق خان أول سفير إيراني في مصر. لاحقًا، تعزّز المسار الدبلوماسي بتوقيع اتفاقات صداقة عام 1928 بين البلدين.

ومع نهاية الثلاثينيات، دخلت العلاقات مرحلة أكثر عمقًا بفعل المصاهرة السياسية؛ إذ تزوج ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي من الأميرة فوزية فؤاد شقيقة الملك فاروق عام 1939. وعلى الرغم من أن هذا الزواج لم يستمر سوى نحو ثماني سنوات، فإن تلك الفترة شهدت تقاربًا ملحوظًا على مستويات متعددة، وعكست آنذاك استعدادًا متبادلًا لتطوير العلاقة ضمن بيئة إقليمية شديدة السيولة.

في خمسينيات القرن الماضي، برزت محاولات إيرانية لتأسيس تنسيق مصري–إيراني في مواجهة ما وصفه رئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمد مصدق بـ”أبواب الإمبريالية”، في سياقٍ سعى إلى الحد من هيمنة المعسكر الغربي وتوجهاته الاستعمارية. غير أن هذا المسار سرعان ما تعرّض لاهتزاز واضح عقب اعتراف إيران بالكيان الإسرائيلي في آذار/مارس 1950؛ وهي خطوة أثارت غضب القاهرة التي كانت آنذاك أحد أعمدة الخطاب القومي العربي، واعتبرتها مؤشرًا عمليًا على انزياح إيراني نحو المحور الغربي.

عبدالناصر والصدام المباشر

بعد ثورة الضباط الأحرار عام 1952، ومع صعود جمال عبد الناصر إلى السلطة عام 1954، انتقلت العلاقات تدريجيًا إلى طور التنافس على النفوذ الإقليمي. فقد نظر الشاه بقلق إلى صعود الناصرية خشية امتداد تأثيرها إلى الداخل الإيراني بما يحمله من تهديد سياسي ورمزي لشرعية النظام الملكي.

وبحلول تموز/يوليو 1960 وصلت العلاقات إلى حالة جمود حاد، بعدما شنّ عبد الناصر هجومًا سياسيًا على الشاه واصفًا إياه بـ”عميل الإمبريالية والصهيونية”، لترد طهران بوصف الرئيس المصري بأنه “مختل”. وانتهت تلك السجالات السياسية المتصاعدة إلى قطع العلاقات، فاتحةً مرحلة جديدة اتسمت بالقطيعة وتراكم الشكوك بين الطرفين.

مع تولّي أنور السادات السلطة في مصر عام 1970، بدأت العلاقات المصرية–الإيرانية تستعيد تدريجيًا قدرًا من طبيعتها، مدفوعة بمتانة الصلة الشخصية والسياسية التي ربطته بالشاه، والتي كان السادات يعبّر عنها بوصفه بـ”الأخ العزيز”.

غير أنّ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979 أحدث انعطافة حادة في المشهد، فقلب مسار العلاقة رأسًا على عقب وأدخلها في طور جديد مغاير تمامًا لما سبقه.

الثورة الإسلامية والقطيعة

منذ لحظاتها الأولى، رفعت الثورة الإسلامية شعار القطيعة مع القاهرة. فمع نجاحها مباشرة، اتخذ مرشد إيران آنذاك آية الله الخميني قرارًا بقطع العلاقات مع مصر على خلفية توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الإسرائيلي.

ثم تصاعدت حدة التوتر حين استقبل الرئيس أنور السادات الشاه في القاهرة ومنحه اللجوء السياسي حتى وفاته، بما اعتبرته طهران موقفًا يتحدى توجهاتها الجديدة ويؤسس لخصومة مفتوحة.

وتعمّق الشرخ أكثر عندما أطلقت إيران اسم خالد الإسلامبولي، الضابط المصري الذي اغتال السادات عام 1981، على أحد شوارعها، وهو ما رأت فيه القاهرة إساءة بالغة وإهانة مباشرة زادت من ثقل الخلاف السياسي والرمزي بين الطرفين.

وجاءت الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) لتضيف طبقة جديدة من التوتر، بعدما انحازت مصر إلى بغداد وقدّمت دعمًا للرئيس العراقي صدام حسين، الأمر الذي رسّخ حالة العداء وأبقى العلاقة في دائرة القطيعة والتوجس لسنوات طويلة.

مبارك والحوار الخجول

مع تولّي حسني مبارك السلطة، بدأت القاهرة تُراجع تدريجيًا كلفة الخصومة المفتوحة مع طهران، وتتحرك نحو إدارة أكثر براغماتية للملف الإيراني.

إلا أن عام 1987 شهد تطورًا ملحوظًا قلب الطاولة مجددًا، حين اتخذت مصر قرارًا باعتبار رئيس بعثة رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، محمود مهتدي، شخصًا غير مرغوب فيه، في ظل اتهامات وُجهت إليه بالضلوع في رصد حركة الناقلات العابرة لقناة السويس والمتجهة إلى العراق.

لكن خلال تسعينيات القرن الماضي ظهرت محاولات أقرب إلى إرهاصات وُصفت بـ”الخجولة” لاستئناف قنوات الحوار في حدّها الأدنى، انتهت إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية في إطار محدود عند مستوى القائم بالأعمال، دون الارتقاء إلى تبادل السفراء.

وتُوّج هذا المسار بمحطة بارزة عام 2003، عندما التقى الرئيس حسني مبارك نظيره الإيراني محمد خاتمي في جنيف، في أول تواصل قِمّي بين البلدين منذ قرابة عقدين، بما فتح الباب لتحسن نسبي في العلاقات، وقد عزز هذا الاتجاه قبول طهران بتغيير اسم شارع خالد الإسلامبولي إلى شارع الانتفاضة، وهي خطوة قرأتها القاهرة كبادرة حسن نية ذات دلالة رمزية.

غير أنّ درب التحسن لم يلبث أن تعرّض لانتكاسة جديدة عام 2008، بعدما عرضت طهران فيلم “إعدام فرعون” الذي تناول واقعة اغتيال السادات، الذي كان قد استقبل شاه إيران ومنحه اللجوء عقب الثورة الإسلامية، مقدّمًا الرئيس المصري الراحل في إطار اتهامي بوصفه “خائنًا”، ومضفيًا على منفّذي اغتياله صفة “الشهداء”، وهو ما أعاد توتير الأجواء وأثار حساسية سياسية ورمزية عميقة لدى القاهرة.

ثم جاء عام 2010 ليشكّل منعطفًا مهمًا في مسار العلاقة، بعد موافقة الطرفين على استئناف الرحلات الجوية المباشرة عقب انقطاع قارب ثلاثة عقود، غير أن تفسير الخطوة اختلف بين العاصمتين؛ إذ اعتبرتها طهران مؤشرًا على اقتراب التطبيع الكامل، بينما شددت القاهرة على أن استئناف الطيران لا يعني استعادة العلاقات إلى مستوياتها الطبيعية، خاصة في ظل استمرار ما كانت تراه تمجيدًا إيرانيًا للإسلامبولي، رغم إزالة اسمه رسميًا من الشارع.

ثورة يناير وبداية الانفراجة

اتخذت العلاقات المصرية–الإيرانية منحى أكثر إيجابية عقب ثورة كانون الثاني/يناير 2011، إذ أعلنت القاهرة آنذاك أن إيران ليست “دولة عدوة”، فيما أبدت وزارة الخارجية المصرية استعدادًا لفتح صفحة جديدة وإعادة اختبار مساحات التفاهم الممكنة.

وفي آب/أغسطس 2012، زار الرئيس المصري حينها محمد مرسي طهران للمشاركة في قمة حركة عدم الانحياز، في أول زيارة لرئيس مصري إلى إيران منذ الثورة الإسلامية. وردّ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الزيارة في شباط/فبراير 2013 بحضوره قمة منظمة التعاون الإسلامي في القاهرة، غير أن الزيارة شابها توتر سياسي وديني وقتها بسبب الدور الإيراني في سوريا.

لكن مع الإطاحة بمرسي في تموز/يوليو 2013، عادت العلاقات إلى التراجع مجددًا، وانخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى حدّه الأدنى، واستمرت حالة الجمود قرابة تسع سنوات، التزمت خلالها القاهرة مسافة محسوبة في الانفتاح على طهران، تجنبًا لإثارة حساسية حليفها السعودي في ظل احتدام الاستقطابات الإقليمية.

مؤشرات التقارب

منذ مطلع عام 2021 بدأت العلاقات المصرية–الإيرانية تتجه نحو مسار أكثر هدوءًا، بعد زيارة وفد استخباراتي إيراني للقاهرة في صيف العام ذاته ولقائه مسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية.

وتزامن ذلك مع “تبريد” ملحوظ في الخطاب السياسي والإعلامي لدى الطرفين، وتراجع حدة التصريحات العدائية التي طبعت لسنوات جزءًا من المشهد الإعلامي في القاهرة، التي كانت تُعد منصة لعدد من القنوات والمواد التي تهاجم سياسات إيران وتوثّق أدوارها في ملفات إقليمية متعددة.

وفي إطار هذا الانفتاح الحذر، جرى التوافق—وفق ما رشح عن الاتصالات—على خطوط عامة يمكن أن تشكل نواة لاستراتيجية جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والتنسيق وتجنب الخطابات التصعيدية، إلى جانب إدراج الملفات الحساسة محل الخلاف على طاولة الحوار بهدف اختبار فرص بناء أرضية مشتركة من التفاهمات المرحلية.

وتعزز هذا المسار عبر محطات متتالية في 2022 و2023؛ إذ شهدت قمة بغداد في حزيران/يونيو 2022 تواصلًا أمنيًا مصريًا–إيرانيًا على هامشها، تلاه لقاء جمع مدير المخابرات المصرية الأسبق عباس كامل ووزير الخارجية السابق سامح شكري مع نائب الرئيس الإيراني علي سلاجقة في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 خلال قمة المناخ “COP27” بشرم الشيخ.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2022 رحّب وزير الخارجية الإيراني وقتها حسين أمير عبد اللهيان بمقترح حوار مع مصر بوساطة عراقية–عُمانية، قبل أن يُسجّل أول لقاء رئاسي منذ نحو عقد بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي على هامش قمة الرياض في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بالتوازي مع إشارات داعمة من المرشد الأعلى في أيار/مايو 2023 اعتُبرت بمثابة غطاء سياسي لمواصلة المسار التفاوضي.

برغماتية مطلقة

تتقارب طهران والقاهرة تحت وطأة حسابات براغماتية، سياسية واقتصادية وأمنية ولوجستية، دفعت الطرفين إلى منح مسار التهدئة فرصة رغم اتساع هوة الخلاف.

فمن منظور إيراني، يأتي الانفتاح على مصر ضمن استراتيجية أوسع لكسر العزلة وتوسيع هوامش الحركة الإقليمية والدولية في مواجهة الضغوط والعقوبات، بعد أن حققت طهران اختراقات في دوائر مختلفة عبر تهدئة مع بعض دول الخليج وتعميق الشراكات مع قوى كبرى وتوسيع حضورها في ساحات بعيدة، لتبقى القاهرة—بوزنها الإقليمي وشبكة علاقاتها الدولية—حلقة ذات قيمة رمزية وسياسية في استكمال هذا المسار.

كما تراهن إيران على أن “تبريد”العلاقة مع مصر يمكن أن يفتح نوافذ للتأثير غير المباشر عبر ملفات مشتركة، والاستفادة من قنوات القاهرة مع القوى الكبرى، بما يخدم أجندتها في الشرق الأوسط.

 تبدو القاهرة ميّالة إلى تبنّي مسار وسطي يوازن بين تحقيق مكاسب محدودة وتقليص المخاطر، مع الحرص على عدم المساس بثوابتها أو الإضرار بشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية

في المقابل، تتحرك مصر بمنطق “المصلحة أولًا” بعيدًا عن الاعتبارات الأيديولوجية: تأمين الملاحة في قناة السويس وضمان انسياب العبور عبر باب المندب في ظل حساسية المشهد اليمني، والبحث عن بدائل وفرص اقتصادية في مرحلة ضاغطة تشمل الطاقة والتعدين والسياحة وتدفقات العملة الأجنبية.

ويضاف إلى ذلك البعد السياسي–الأمني المرتبط بتهدئة غزة، حيث رأت القاهرة أن تخفيف التوتر مع طهران—التي تمتلك قنوات تأثير على فصائل مسلحة في القطاع—قد يمنحها ورقة لتعزيز دورها في الملف الفلسطيني وضبط تداعياته على الأمن في سيناء والحدود.

ومع ذلك، يظل عائق الثقة حاضرًا بقوة؛ فالقاهرة تتعامل بحذر مع سياسات إيران الإقليمية التي تراها مهدِّدة لأمنها القومي، ما يجعل أي تقارب مرهونًا بضمانات عملية واختبارات متدرجة للنوايا والسلوك.

التطبيع الكامل.. مقاربة لم تختمر بعد

يتقاطع الطرفان عند حزمة مكاسب محتملة من التطبيع، غير أن هذه المكاسب تظل رهينة تحديات قد تُبقي التقارب في إطار “إدارة خصومة” أكثر منه انتقالًا إلى شراكة كاملة، وفي مقدمتها فجوة الثقة لدى القاهرة تجاه سياسات طهران الإقليمية التي تراها مؤثرة سلبًا في أمنها القومي عبر ساحات متعددة من اليمن إلى غزة مرورًا بسوريا والعراق ولبنان.

وتتحرك مصر وفق معادلة المنفعة المتبادلة مع تحفّظ واضح إزاء القفز إلى التطبيع الكامل، إدراكًا منها أن التحولات في الخطاب الإيراني تحمل طابعًا براغماتيًا أكثر منه بنيويًا.

كما تشكل علاقات القاهرة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، فضلًا عن التزاماتها الإقليمية، قيدًا إضافيًا يفرض موازنة دقيقة بين الانفتاح على طهران والحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية.

وعليه، تبدو القاهرة ميّالة إلى تبنّي مسار وسطي يوازن بين تحقيق مكاسب محدودة وتقليص المخاطر، مع الحرص على عدم المساس بثوابتها أو الإضرار بشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.

ومن هذا المنطلق، يظل الوصول إلى أعلى درجات التطبيع الدبلوماسي، بما في ذلك تبادل السفراء، خطوة مرتبطة إلى حدّ كبير بتطورات المشهد الإقليمي وحساباته المتغيرة.

وبالتالي، فإن احتمالات الارتقاء بالعلاقات تظل قائمة نظريًا في حال توافرت بيئة سياسية مواتية ولم تبرز عقبات جوهرية جديدة، إلا أن طبيعة الملفات الخلافية وتعقيدات الإقليم تبقي هذا المسار خاضعًا للحذر والتدرّج، وقابلًا لإعادة التقييم إذا طرأت متغيرات قد تعيد خلط الأوراق من جديد.

(ألترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى