أوراق سياسات

ثنائية الحياد الوظيفي والواقعية السياسية.. مقاربة مسقط إزاء حرب إيران

منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير/شباط، بدا أن مسقط تتبنى مقاربة مغايرة بوضوح للمزاج الخليجي العام؛ مقاربة لا تنطلق من منطق الاصطفاف، بقدر ما ترتكز إلى أولوية الاحتواء ومنع الانفجار الإقليمي.

وقد تجلى ذلك مبكرًا في الموقف الذي عبّر عنه وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، حين وصف في مقال رأي نشرته ذي إيكونوميست في 18 مارس/آذار 2026 انخراط واشنطن في هذه الحرب بأنه “أكبر خطأ في حسابات” إدارة ترامب، في إشارة صريحة إلى رفض مسقط تحويل التصعيد العسكري إلى مسار وحيد لإدارة الأزمة.

وتكرّس هذا التوجه أكثر مع إعلان البوسعيدي رفض مسقط تقديم أي مستوى من الدعم من شأنه الإسهام في هذه الحرب أو في غيرها من الحروب، مؤكداً أن أي تسهيلات قد تقدمها السلطنة لا يمكن أن تخرج عن إطار الأغراض الدفاعية البحتة، وأن تظل مقيدة بغطاء قانوني واضح وشرعية دولية صريحة صادرة عن مجلس الأمن.

وازداد هذا التمايز وضوحًا مع تعاطي السلطنة مع الهجمات التي طالت بعض مناطقها، ولا سيما في صلالة، إذ أدانت مسقط الاعتداءات على أراضيها، لكنها في الوقت ذاته تجنبت توجيه اتهام مباشر إلى طهران، مستندة في ذلك إلى عدم إعلان أي طرف مسؤوليته،  مكتفية بإدانة تلك العمليات، مع التشديد على ضرورة ضبط النفس وتفادي كل ما من شأنه تقويض الأمن الإقليمي وعلاقات حسن الجوار.

وتعكس هذه المؤشرات خصوصية الموقف العُماني إزاء الحرب الدائرة، بل وتؤكد أن مسقط اختارت، مرة أخرى، أن تغرّد خارج السرب الخليجي، مستندة إلى إرث دبلوماسي قائم على التوازن، وإلى حسابات أمنية وجيوسياسية تجعل من التهدئة مصلحة وطنية مباشرة لا مجرد خيار سياسي، وهو ما يدعو للتساؤل حول المقاربات التي تحكم السلوك العُماني في هذه الأزمة، والمحددات التي ترسم حدود هذا التمايز وتوجهاته.

احتواء لا اصطفاف

تنطلق مسقط في مقاربتها إزاء الحرب الدائرة من قاعدة الاحتواء لا الاصطفاف، والوساطة لا الانخراط في المواجهة؛ لذلك كان العنوان الأبرز في سلوكها السياسي هو رفض التصعيد العسكري من حيث المبدأ، والدفع باتجاه إعادة الاعتبار للمسار الدبلوماسي بوصفه المخرج الوحيد لتجنيب الإقليم انزلاقًا أشمل.

وقد عكست بيانات وزارة الخارجية العُمانية هذا التوجه بوضوح، إذ شددت على ضرورة العودة الجادة إلى الحلول السياسية، وحذّرت من أن استمرار المواجهة يهدد بدفع المنطقة إلى هاوية أوسع، كما أدانت في الوقت نفسه الهجمات الإسرائيلية على إيران ووصفتها بأنها تصعيد خطير ومتهور.

لا تتحرك عُمان من فراغ، بل من موقع يتيحه لها نمط علاقتها الخاصة مع إيران، بالتوازي مع احتفاظها بعلاقات عمل جيدة مع الولايات المتحدة، بما يجعلها حلقة الوصل الأكثر قدرة على التهدئة ونقل الرسائل وفتح النوافذ الدبلوماسية حين تُغلق القنوات الأخرى

وبموجب هذه المقاربة، تمايزت السلطنة عن كثير من جيرانها الخليجيين، الذين بدت مواقفهم أقرب إلى أحد مسارين،  مسار أكثر تشددًا تقوده بالأساس أبوظبي ومعها عواصم خليجية أخرى ترى أن الحرب فرصة لإضعاف إيران بصورة حاسمة، ومسار أقل اندفاعًا عسكريًا لكنه لا يتخلى عن ممارسة الضغط السياسي والأمني على طهران، تقوده الرياض،  فيما ظلت مسقط — ومعها الدوحة بدرجة كبيرة — أقرب إلى خيار التهدئة والدفع نحو تسوية دبلوماسية، لا إلى توسيع ميدان الحرب أو الرهان على حسمها بالقوة.

قناة اتصال موثوقة

يخدم هذا التوجه جوهر المقاربة الدبلوماسية العُمانية، القائمة على الحفاظ على دور السلطنة التقليدي بوصفها قناة اتصال موثوقة وهادئة بين واشنطن وطهران، وهو الدور الذي راكمته مسقط عبر عقود، ونجحت من خلاله في تكريس نفسها وسيطًا مقبولًا لدى الطرفين.

وفي هذا السياق، لا تتحرك عُمان من فراغ، بل من موقع يتيحه لها نمط علاقتها الخاصة مع إيران، بالتوازي مع احتفاظها بعلاقات عمل جيدة مع الولايات المتحدة، بما يجعلها حلقة الوصل الأكثر قدرة على التهدئة ونقل الرسائل وفتح النوافذ الدبلوماسية حين تُغلق القنوات الأخرى، وهو ما تجسد في احتضانها لجولة التفاوض الأخيرة بين طهران وواشنطن قبيل اندلاع تلك الحرب.

لا تتعامل مسقط مع الحرب الجارية، ولا مع الدعوة إلى التهدئة والخيار الدبلوماسي، باعتبارهما مجرد تفضيل سياسي أو تموضع دبلوماسي عابر، بل تنظر إليهما باعتبارهما ضرورة أمنية واقتصادية، بل وسيادية أيضًا على المستوى الداخلي

ومنذ سنوات طويلة، رسخت مسقط هذا الموقع كوسيط لا كطرف، مستفيدة من رؤية سياسية تختلف عن المزاج السائد في بعض العواصم الخليجية، ففي حين تنظر قوى خليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، إلى إيران بوصفها منافسًا استراتيجيًا مباشرًا ومصدر تهديد ينبغي كبحه أو إضعافه، تميل عُمان إلى مقاربة أكثر براغماتية، ترى في طهران دولة جارة وقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وأن إدارة العلاقة معها بمنطق التوازن والتعايش أجدى من الدفع نحو المواجهة المفتوحة، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تظل السلطنة، حتى في ذروة الحرب، أقرب إلى خطاب الاحتواء وخفض التصعيد من خطاب الحسم العسكري

الأمن والاقتصاد.. البوصلة المحورية

يشكل البعد الأمني أحد الأعمدة الرئيسية في المقاربة العُمانية إزاء هذه الحرب، ذلك أن الموقع الجيوسياسي للسلطنة يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي اهتزاز أمني يمكن أن يطال استقرارها الداخلي أو يخل بتوازناتها الدقيقة.

ومن ثم، فإن التهديدات التي تطال مضيق هرمز وبحر العرب لا تُقرأ في مسقط بوصفها تطورات خارجية فحسب، بل باعتبارها مخاطر مباشرة قد تمتد إلى الداخل العُماني، بما تحمله من تداعيات يصعب احتواؤها إذا ما انفلت مسار التصعيد.

وبموازاة الاعتبار الأمني، يبرز البعد الاقتصادي بوصفه محددًا لا يقل أهمية في رسم هذا الموقف؛ فتهديد الملاحة والطاقة والتجارة، ولا سيما في محيط مضيق هرمز، يمثل عبئًا بالغ الخطورة على الاقتصاد العُماني، سواء من زاوية ارتباطه بحركة إمدادات النفط العابرة عبر هذا الممر الحيوي، أو من زاوية القيمة اللوجستية والاستراتيجية التي يمثلها المضيق باعتباره أحد شرايين الحياة الاقتصادية للسلطنة.

وانطلاقًا من هذا المنظور، لا تتعامل مسقط مع الحرب الجارية، ولا مع الدعوة إلى التهدئة والخيار الدبلوماسي، باعتبارهما مجرد تفضيل سياسي أو تموضع دبلوماسي عابر، بل تنظر إليهما باعتبارهما ضرورة أمنية واقتصادية، بل وسيادية أيضًا على المستوى الداخلي، وعليه فإن دفاع السلطنة عن خفض التصعيد لا ينفصل عن دفاعها عن استقرارها الوطني، وصيانة أمنها الداخلي، وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية من تداعيات مواجهة مفتوحة لا تملك المنطقة ترف احتمالها.

الحياد الوظيفي

يتحرك العُمانيون في مقاربتهم إزاء هذه الحرب انطلاقًا من رؤية واقعية شديدة البراغماتية؛ فهم يدركون أنهم دولة محدودة في الجغرافيا والإمكانات، لا تحمل مشاريع توسعية، ولا مصلحة لها في الدخول في صدام مباشر مع أي من القوى المنخرطة في النزاع، إدراكًا منهم أن كلفة مثل هذا الانخراط ستكون باهظة على أمن السلطنة واستقرارها، ومن ثم، تميل مسقط إلى تجنب منطق المناطحة، وتفضيل إدارة التوازنات الدقيقة على المغامرة بالتموضع داخل محاور صدامية.

وفي المقابل، لا يُفهم هذا السلوك بوصفه حيادًا سلبيًا أو انكفاءً عن التأثير، بل باعتباره حيادًا وظيفيًا تحكمه بوصلة المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، وتستثمره السلطنة في أداء دور الوسيط الدبلوماسي القادر على الوقوف على مسافات متقاربة من الخصوم، بما يجنّبها كلفة الانخراط في المواجهة، ويمنحها في الوقت نفسه مساحة للحركة والتأثير واحتواء التداعيات، وهذا تحديدًا ما يفسر حرص مسقط على التمسك بقنواتها المفتوحة مع الطرفين، وعلى تقديم نفسها بوصفها ساحة تواصل لا ساحة اشتباك.

وفي هذا الإطار، لم يكن مستغربًا أن يتصدر سلطان عُمان المشهد العربي بوصفه الزعيم العربي الوحيد الذي بادر إلى تهنئة مجتبى خامنئي بعد اختياره مرشدًا أعلى جديدًا لإيران في 9 مارس/آذار 2026، في وقت تواصل فيه السلطنة تعميق علاقتها التاريخية مع الولايات المتحدة، وهي علاقة تعود جذورها إلى معاهدة الصداقة والملاحة الموقعة عام 1833، والتي تعد من أقدم أسس الشراكة الأمريكية في المنطقة،  وبذلك تواصل مسقط إدارة توازن دقيق بين علاقتها الخاصة بطهران وشراكتها الراسخة مع واشنطن، بما يكرس موقعها كفاعل هادئ، مقبول، وقادر على التحرك بين الضفتين.

في المحصلة، تبدو مسقط صوتًا مختلفًا عن الإيقاع الخليجي السائد، لكنه الصوت المحسوب الذي ينحاز إلى التهدئة أكثر مما ينحاز إلى الاصطفاف، ويراهن على احتواء الأزمة بدل الانخراط في توسيعها، وحتى إن بدا دورها في الوساطة مستبعدًا مرحليًا لصالح المسار الذي تقوده إسلام أباد، نظرًا لخصوصية الحرب وتوازناتها، فإن ذلك لا ينتقص من رصيدها السياسي والدبلوماسي، ولا من مكانتها بوصفها قناة اتصال موثوقة وجسرًا معتبرًا للتواصل بين طهران ومحورها من جهة، وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى