قضايا وتحليلات

حسن رشاد.. رجل المهمات الصعبة في المخابرات المصرية

فتح إعلان البيت الأبيض عن إدراج رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، ضمن التشكيلة التنفيذية المعنية بإدارة ملف غزة، الباب مجددًا لإعادة تسليط الضوء على اسم بات حاضرًا بقوة في معادلات الإقليم منذ توليه رئاسة أحد أكثر الأجهزة السيادية حساسية في الدولة المصرية، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلفًا للواء عباس كامل، أحد أكثر رجال الدائرة الضيقة للرئيس عبدالفتاح السيسي نفوذًا وتأثيرًا.

لم يحتج رشاد إلى فترة طويلة للانتقال من خلفية العمل الاستخباراتي المغلق إلى واجهة المشهد السياسي الإقليمي. فمنذ انخراطه المباشر في ملف غزة، برز كفاعل مركزي في هندسة التفاهمات المعقدة بين الفصائل الفلسطينية، وكحلقة وصل رئيسية في شبكة الاتصالات الإقليمية والدولية المتعلقة بسيناريوهات “اليوم التالي” للحرب، في مرحلة بات فيها الملف الفلسطيني نقطة ارتكاز لإعادة ترتيب التوازنات في الشرق الأوسط.

ولم يكن اختياره لعضوية المجلس التنفيذي لغزة تفصيلاً بروتوكوليًا أو إجراءً عابرًا، بل عكس تقديرًا دوليًا متناميًا لدوره خلال ما يزيد على عام من إدارته للجهاز، حيث تحوّل إلى أحد اللاعبين المؤثرين في ملفات شديدة التعقيد. ومن هنا، يفرض اسم حسن رشاد نفسه كأحد مفاتيح المرحلة المقبلة في القضية الفلسطينية، مثيرًا تساؤلات جوهرية حول خلفيته، ومساره، ودلالات حضوره في هذا التوقيت الحساس.

سليل بيئة ثقافية

وُلد حسن رشاد في القاهرة عام 1967، في بيئة لم تكن الثقافة فيها مجرد زخرفة اجتماعية، بل مكوّنًا أصيلاً من ملامح الهوية. فهو حفيد الكاتب والأديب يوسف السباعي، وزير الثقافة ورئيس مجلس إدارة “الأهرام” الأسبق، الذي اغتيل عام 1978، وترك بصمة عميقة في الوعي الثقافي والوطني المصري.

انعكست هذه النشأة على ملامح شخصية رشاد؛ هدوء محسوب، ميل إلى الصمت أكثر من الكلام، وابتعاد شبه دائم عن الأضواء. ورغم التباين الظاهري بين عالم الأدب المنفتح وعالم الاستخبارات المغلق، فإن هذا الإرث الثقافي أسهم في تشكيل بعد رمزي في تكوينه الذهني والنفسي، جامعًا بين الحس التحليلي والقدرة على إدارة التعقيد بعيدًا عن الضجيج.

تكوين تقني بعقل استخباراتي

تخرج رشاد في الكلية الفنية العسكرية عام 1990، وهي من أكثر المؤسسات العسكرية نخبوية، حيث تجمع بين الصرامة العسكرية والتكوين الهندسي المتقدم. هذا المسار لم يكن تفصيلاً هامشيًا، بل شكّل لاحقًا أحد مفاتيح صعوده داخل جهاز المخابرات العامة.

فقد انعكست خلفيته التقنية على طبيعة الملفات التي أُسندت إليه، متجاوزًا الإطار الاستخباراتي التقليدي إلى إدارة ملفات مركبة ذات أبعاد تكنولوجية ومالية معقدة، تتطلب عقلًا هندسيًا بقدر ما تحتاج إلى حس أمني، ما عزز موقعه كرجل “الملفات الصعبة” في زمن التحولات المتسارعة.

صعود داخل الجهاز

التحق رشاد بجهاز المخابرات العامة في مطلع التسعينيات، وتدرج في هياكله حتى وصل إلى منصب نائب المدير. وخلال مسيرته، تولى إدارة ملفات بالغة الحساسية، أبرزها ملف إيران على مدى سبع سنوات، في مرحلة شهدت تصاعد النفوذ الإيراني وتشابك معادلات القوة في الإقليم.

كما أشرف على ملف التأمين السيبراني للجهات السيادية والمؤسسات المالية الكبرى، في توقيت باتت فيه الهجمات الإلكترونية أحد أخطر تهديدات الأمن القومي، ما أضاف إلى رصيده بعدًا استراتيجيًا يتجاوز المفهوم التقليدي للأمن.

رئيسًا للمخابرات… ودلالات التغيير

في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2024، عُيّن رشاد رئيسًا لجهاز المخابرات العامة خلفًا لعباس كامل، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب إزاحة أحد أقرب المقربين للرئيس، بل أيضًا لأن رشاد لم يأتِ من “ضباط السلاح” التقليديين، في سابقة لافتة بتاريخ الجهاز.

هذا التعيين حمل دلالات أعمق من مجرد تغيير إداري، إذ عكس إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة الأمن القومي، وتحولًا في فلسفة إدارة الملفات من منطق “الحسم السريع” إلى منطق “إدارة التعقيد”.

ملفات إقليمية ملتهبة

منذ توليه المنصب، أمسك رشاد بعدد من أعقد ملفات الأمن القومي: ليبيا، السودان، إثيوبيا، وقطاع غزة. وهي ملفات تلتقي عند تقاطع حاد بين الأمن الحدودي، والمياه، والاستقرار الإقليمي، والعلاقات الدولية، ما جعل موقع رئيس المخابرات أقرب إلى لاعب سياسي كامل الأوصاف، يتحرك في مساحة رمادية بين الدبلوماسية الصامتة وصناعة القرار الاستراتيجي.

غزة… الاختبار الأكبر

يُعد ملف غزة الأكثر حضورًا واختبارًا لرشاد. فقد نجح خلال عام واحد في ترسيخ موقعه كقناة الاتصال الأهم بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أجرى أول زيارة لمسؤول مصري رفيع إلى إسرائيل منذ اندلاع الحرب، في مؤشر على انتقال دوره من إدارة القنوات الخلفية إلى ممارسة دبلوماسية أمنية مباشرة عند الضرورة.

وساهم هذا التحول في تثبيت مكانته كأحد “الأرقام الصعبة” في صفقات التهدئة وتبادل الأسرى، وضمان تدفق المساعدات، وصولًا إلى اتفاق شرم الشيخ، الذي مثّل نقطة تحول في مسار إنهاء الحرب والانتقال إلى ترتيبات ما بعدها.

من إدارة الأزمة إلى إدارة ما بعد الحرب

نجح رشاد في نقل ملف غزة من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “إدارة ما بعد الحرب”، وهو مسار أكثر تعقيدًا وخطورة، يتطلب توازنًا دقيقًا بين الأمن والسياسة، وبين الاحتواء ومنع الانفجار مجددًا.

سيناء: أمن وقائي لا مواجهة مفتوحة

على عكس نهج سلفه، الذي ارتكز على المواجهة العسكرية المباشرة، تبنى رشاد في سيناء مقاربة تقوم على “الأمن الوقائي”، عبر تعزيز العمل الاستخباراتي، وتفكيك البنى التنظيمية من الداخل، ومنع تدفق السلاح والعناصر المتطرفة قبل تحولها إلى تهديد مباشر.

وامتد هذا المنطق إلى ليبيا وغزة، وحتى في التعامل مع حركة حماس، حيث فضّل الاحتواء والتفاهم المرحلي على القطيعة، في محاولة لمنع إعادة إنتاج الأزمات.

مقارنة مع عباس كامل

إذا كان عباس كامل يُنظر إليه كرجل “المهام الخاصة” القادر على الحسم السريع، فإن حسن رشاد يمثل نموذج “إدارة التعقيد”: إدارة طويلة النفس، تقوم على بناء توازنات تمنع عودة الأزمات بدل الاكتفاء بحلها مؤقتًا.

من هذا المنظور، لا يُنظر إلى رشاد باعتباره مجرد رئيس جديد للمخابرات، بل كعنوان لمرحلة مختلفة في صناعة القرار الأمني المصري، مرحلة تُدار فيها الملفات بهدوء وتراكم، لا بالاستعراض والضجيج.

تتويج الدور: المجلس التنفيذي لغزة

جاء إدراج اسم حسن رشاد في المجلس التنفيذي لغزة، الذي أعلن البيت الأبيض عن تشكيله في 17 يناير/كانون الثاني، كتتويج طبيعي للدور الذي لعبه في هذا الملف. وقد ضم المجلس شخصيات دولية وإقليمية بارزة، في رسالة واضحة تعكس الثقة في قدرته على المساهمة في صياغة ترتيبات “اليوم التالي”.

وقد قوبل هذا الاختيار بارتياح داخل الأوساط المصرية، باعتباره اعترافًا دوليًا بدور القاهرة، وبقدرة رشاد على الحفاظ على قدر من التوازن داخل مجلس تميل تركيبته سياسيًا لصالح توجهات موالية لإسرائيل، ما يجعل حضوره عامل ضبط لا يمكن تجاهله في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى