قضايا وتحليلات

د. عماد عنان يكتب: ترامب والحرب التي لا يعرف كيف ينهيها

 في وقتٍ كان الجميع يترقب فيه أن يحمل الخطاب المنتظر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد 32 يومًا من الحرب مع إيران، تفسيرًا واضحًا لمسار المواجهة ومآلاتها، جاء الخطاب على العكس تمامًا؛ لا ليبدد الغموض، بل ليعمّقه، ولا ليغلق باب التكهنات، بل ليفتحه على مصراعيه، فبدلًا من أن يضع الرئيس الأمريكي الرأي العام الداخلي والخارجي أمام مسار محدد، أو اثنين على الأكثر، بدا وكأنه يضيف طبقات جديدة من الالتباس إلى مشهد بالغ التعقيد أصلًا.

وكان الاعتقاد الغالب لدى كثير من المراقبين أن يخرج ترامب بخطاب يشرح فيه تفاصيل المواجهة، ويقدم تصورًا لخفض التصعيد، خصوصًا في ظل تصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية بشأن كلفة الحرب وتداعياتها، بعدما امتدت نيرانها إلى المواطن الأمريكي نفسه عبر اضطراب الأسواق وارتفاع أسعار الطاقة، لكن هذا التصور سرعان ما تبخر، ليبدو أن ما انتظره كثيرون باعتباره لحظة كشف سياسي، تحول إلى مناسبة جديدة لإعادة إنتاج الضبابية نفسها بصيغة أكثر حدة.

فعلى مدار 19 دقيقة كاملة، لم يقدم ترامب ما كان متوقعًا منه، لا من حيث رسم نهاية واضحة للحرب، ولا من حيث تقديم جدول زمني حاسم، ولا حتى من حيث الإشارة إلى إطار سياسي متماسك لإدارة التصعيد أو احتوائه.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن ينعكس هذا الغموض سريعًا على الأسواق، مع قفزة جديدة في أسعار النفط، وارتباك واضح في أسواق العملات والأسهم، بما أوحى بأن الخطاب لم يُطمئن العالم، بل زاد من قلقه، وكأن الرئيس الأمريكي بدأ حربًا يعرف كيف يشعلها، لكنه لا يملك حتى الآن بوصلة الخروج منها.

ومع ذلك، وبرغم هذا الغموض الكثيف الذي ألقاه الخطاب على مسار الحرب، فإنه حمل في طياته جملة من الرسائل السياسية الواضحة، سواء إلى الداخل الأمريكي، أو إلى الحلفاء، أو إلى المجتمع الدولي، فضلًا عن رسائل موازية إلى القيادة الإيرانية الجديدة. وهي رسائل قد تبدو في ظاهرها متناقضة؛ غير أن هذا التناقض الظاهري ينسجم، في جوهره، مع تكتيك “الغموض الاستراتيجي” الذي بدا أن ترامب يتعمد توظيفه منذ بداية هذه الحرب، بوصفه أداة للضغط والمناورة وخلط الأوراق أكثر من كونه مدخلًا لصناعة تسوية حقيقية.

رسالة للداخل الأمريكي.. تبرير وطمأنة

تتمثل الرسائل الأبرز التي سعى ترامب إلى تمريرها عبر خطابه في رسائل موجهة بالأساس إلى الداخل الأمريكي، وجاءت في صيغة مزدوجة تجمع بين التبرير والطمأنة،  فمن جهة، حاول تبرير الحرب باعتبارها حربًا ضرورية واستباقية، فرضتها -وفق روايته- التهديدات التي كانت تمثلها إيران عبر قدراتها الصاروخية والنووية، ولهذا ركز بوضوح على ما اعتبره “إنجازات” عسكرية تحققت بالفعل، متحدثًا عن إضعاف البحرية والقوات الجوية الإيرانيتين، وتقييد القدرات الصاروخية والنووية لطهران، في محاولة لتثبيت سردية تقول إن الحرب حققت هدفها الاستراتيجي الأهم، وهو منع إيران من التحول إلى تهديد نووي أكبر.

أما المسار الثاني في الخطاب، فكان موجهًا إلى المواطن الأمريكي الذي بدأ يشعر بصورة مباشرة بارتدادات الحرب الاقتصادية، لا سيما مع صعود أسعار الوقود واضطراب أسواق الطاقة، وهنا حاول ترامب أن يعزف على وتر الطمأنة، ملوحًا بأن هذه التداعيات لن تستمر طويلًا، من دون أن يقدم سقفًا زمنيًا واضحًا أو خطة محددة لاحتوائها.

وفي الوقت نفسه، سعى إلى فصل الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب عن مسؤوليته الشخصية، عبر تحميل طهران مسؤولية اضطراب الملاحة والطاقة، وتقديم واشنطن في موقع من يتعامل مع أزمة فرضتها إيران، لا من تسبب في إشعالها.

ويبدو أن هذا الخطاب جاء أيضًا في سياق محاولة واضحة لتهدئة الشارع الأمريكي بعد تراجع التأييد الشعبي للحرب ولإدارة ترامب لها، فقد أظهرت نتائج استطلاع أجرته شبكة CNN أن نحو ثلثي الأمريكيين يعارضون قرار شن العمل العسكري ضد إيران، وأن 63% يرون أن الحرب مرشحة للتحول إلى صراع طويل الأمد، فيما يعارض ما يقرب من سبعة من كل عشرة أمريكيين إرسال قوات برية إلى إيران، وهو ما يعكس اتساع القلق الشعبي من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة ومكلفة.

وفي السياق نفسه، تراجعت شعبية ترامب في الملف الاقتصادي إلى مستويات لافتة، إذ أظهرت استطلاعات الشبكة أن نسبة التأييد لأدائه الاقتصادي هبطت إلى 31%، وهو أدنى مستوى مسجل له في هذا الملف، في لحظة تتزايد فيها الضغوط المعيشية ويزداد تأثير الحرب على أسعار الوقود والمزاج العام.

إلى المجتمع الدولي: الحرب على وشك الانتهاء

في وقتٍ تتصاعد فيه الانتقادات الدولية بسبب الارتدادات غير المتوقعة للحرب على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، حاول ترامب عبر خطابه أن يخفف من حدة هذا الضغط، ملوحًا بأن الحرب باتت في مرحلتها الأخيرة، وأن نهايتها قد تكون على بعد أسبوعين أو ثلاثة فقط.

وفي هذا السياق، حرص ترامب على التأكيد أن معظم الأهداف العسكرية الأمريكية قد تحققت بالفعل، مبرزًا ما وصفه بتدمير واسع للبنية العسكرية والتسليحية الإيرانية، بما يضمن -بحسب روايته- تحييد إيران كتهديد مستقبلي للولايات المتحدة وللاستقرار الدولي.

غير أن المفارقة أن الخطاب الذي أراد له ترامب أن يكون رسالة طمأنة للعالم، جاء بنتائج عكسية تمامًا، فبدلًا من أن يبدد المخاوف، أعاد إنتاج القلق بصورة أكبر، لأنه لم يقدم خطة واضحة لإنهاء الحرب، ولا جدولًا زمنيًا دقيقًا، ولا حتى تصورًا سياسيًا لشكل هذا الإنهاء أو شروطه، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتفاعل الأسواق سريعًا مع هذا الغموض، إذ عاودت أسعار النفط الارتفاع بقوة بعد الخطاب، وسط قراءة مفادها أن واشنطن لا تزال ماضية في التصعيد أكثر مما هي ذاهبة إلى تسوية قريبة.

وبذلك يمكن القول إن ترامب، وهو يحاول أن يبعث برسالة اطمئنان، انتهى عمليًا إلى إشعال مزيد من القلق، إذ إن حديثه عن قرب النهاية لم يكن كافيًا لإقناع الأسواق أو العواصم المتوجسة، ما دام لم يقترن بخريطة طريق واضحة، ولا بإشارات سياسية حاسمة على خفض التصعيد. والاقتصادي يمضي في الاتجاه المعاكس لما أراده صاحبه.

رسالة ضغط على الحلفاء

ومن بين أبرز التناقضات التي كشف عنها خطاب ترامب، تلك الازدواجية الواضحة في مخاطبة الحلفاء الأوروبيين، ففي الوقت الذي واصل فيه التشكيك في فاعلية الناتو وقدرات أعضائه، بل ولوّح بالتقليل من جدوى التحالف نفسه، عاد في المقابل ليمارس ضغطًا مباشرًا على الأوروبيين من أجل الانخراط في تأمين مضيق هرمز وفتح الممر بالكامل أمام الملاحة البحرية.

ومن هذه الزاوية، وجّه ترامب إلى أوروبا رسالة شديدة الوضوح مفادها أن الولايات المتحدة لن تتحمل وحدها عبء حماية المضيق، لا سيما أن هذا الممر -وفق منطقه- أكثر أهمية للدول الأوروبية والاقتصادات المعتمدة على نفط الخليج منه للولايات المتحدة نفسها، وبذلك حاول إعادة صياغة المسألة باعتبارها فاتورة أمنية ينبغي على المستفيدين الأكبر من المضيق أن يدفعوا نصيبًا أكبر منها، سياسيًا وربما عسكريًا أيضًا.

ويتسق هذا الخطاب مع مناخ التوتر المتصاعد أصلًا بين ضفتي الأطلسي، في أعقاب رفض عدد من دول أوروبا الانخراط المباشر في الحرب على إيران، انطلاقًا من قناعة أوروبية متزايدة بأن هذه المواجهة ليست حربهم في المقام الأول، وأن توسيعها عسكريًا قد يجر القارة إلى كلفة أمنية واقتصادية لا تريد تحملها، وهو الموقف الذي أثار غضب ترامب، الذي صعّد هجومه على الحلف، وذهب إلى حد التلويح بالانسحاب من الناتو، في خطوة عكست عمق الشرخ السياسي بين واشنطن وحليفها الأوروبي التقليدي.

إلى إيران: الاستسلام أو التصعيد

حمل الخطاب رسالة تهديد مباشرة وصريحة إلى إيران، قوامها أن البديل عن الانصياع للشروط الأمريكية لن يكون التفاوض، بل توسيع نطاق الحرب، فالرئيس الأمريكي تعمد أن يربط بين قبول طهران بالمطالب الأمريكية، وفي مقدمتها التخلي النهائي عن مشروعها النووي والتعامل مع ما تبقى من اليورانيوم المخصب، وبين تجنب مرحلة أشد قسوة من الضربات قد تمتد إلى ما تبقى من البنية التحتية الاستراتيجية، بما في ذلك منشآت الطاقة والنفط.

وبهذا المعنى، لم يكن الخطاب عرضًا لتسوية سياسية ممكنة كما يروج المقربون من دوائر صنع القرار الأمريكي، بقدر ما كان صياغة جديدة لمنطق الإكراه بالقوة، ورسالة مفادها أن واشنطن لا تطرح على إيران خيارات متعددة، بل تضعها أمام معادلة واحدة، الامتثال أو التدمير.

ويزداد وقع هذا التهديد حين يوضع في سياقه الميداني، إذ يتزامن مع حشد عسكري أمريكي متصاعد في المنطقة، ومع خطاب سياسي يؤكد استمرار الضربات خلال الأسبوعين أو الأسابيع القليلة المقبلة بدل الإشارة إلى مسار تهدئة جدي، لذلك بدا واضحًا أن ما يجري على الأرض ينسجم مع منطق التصعيد العسكري أكثر مما يعكس وجود مقاربة دبلوماسية حقيقية، مهما حاول ترامب أن يلبس خطابه ثوب الحسم السريع أو النهاية الوشيكة.

تكتيك الغموض الاستراتيجي

زاد الخطاب من منسوب الريبة الذي يخيّم على المشهد، إذ بدا أن ترامب يتعمد توظيف الغموض الاستراتيجي بوصفه أحد المرتكزات الأساسية في سياسته الخارجية منذ عودته إلى السلطة، فهذا الأسلوب، وإن كان يمنحه أحيانًا هامشًا أوسع للمناورة والضغط، يكشف في المقابل عن نقطة ضعف جوهرية في فهم التوجهات الأمريكية على المستوى الدولي، لأنه يجعل مسارات واشنطن أكثر صعوبة في القراءة وأقل قابلية للتوقع، وهو ما يضاعف منسوب الشكوك لدى الخصوم والحلفاء على السواء.

ويبدو أن ترامب يميل إلى هذا الأسلوب عمدًا، ليس فقط لإرباك خصومه، بل أيضًا لإبقاء حلفائه في حالة ترقب دائم، بما يكرّس صورة الزعيم الذي يحتكر المعلومة، وينفرد وحده بتحديد اتجاه القرار وتوقيته، غير أن هذا النمط في الإدارة لم يمر من دون كلفة؛ إذ أسهم في تعميق الفجوة مع الحليف الأوروبي.

أما على مستوى المنظومة الدولية الأوسع، فقد ألقى هذا الغموض بظلاله الثقيلة على الأسواق العالمية، حيث انعكس سريعًا في اضطراب سوق الطاقة، وتقلبات أسواق الصرف، وتراجع شهية المخاطرة في الأسهم والمعادن، بعدما فهم المستثمرون أن الخطاب لم يحمل خريطة طريق للتهدئة بقدر ما حمل جرعة جديدة من الضبابية.

خطاب شعبوي ورسائل متناقضة

منذ الدقيقة الأولى للخطاب، بدا واضحًا أن ترامب يتحدث بلغة شعبوية خالصة، أقرب إلى الخطابات التعبوية منها إلى الخطابات التي يفترض أن تقدم معلومات أو تفسيرات واضحة بشأن الأسئلة المطروحة حول الحرب ومساراتها ومآلاتها، وهي الأسئلة نفسها التي كان كثيرون ينتظرون أن يجيب عنها هذا الظهور المتلفز.

فالخطاب لم يُبنَ على كشف المعطيات أو توضيح الاستراتيجية، بقدر ما انصرف إلى رفع المعنويات، وتثبيت صورة القوة، وإعادة إنتاج سردية الانتصار، رغم أن الوقائع التي تلت الخطاب مباشرة أوحت بأن الغموض لا يزال سيد الموقف، ففي الوقت الذي كان يجزم فيه الرئيس الأمريكي بالقضاء على قدرات إيران الصاروخية كان الباليستي والعنقودي الإيراني يضيئان سماء تل أبيب وعمّان.

ومن هنا جاءت رسائله محمّلة بتناقضات لافتة؛ ففي الوقت الذي بالغ فيه في الحديث عن تحقيق الأهداف الأمريكية من الحرب، لم يقدم أي خطة مجدولة لإنهائها، ولا تصورًا متماسكًا لليوم التالي إذا كانت تلك الأهداف قد أُنجزت بالفعل، وينسحب الأمر نفسه على مضيق هرمز، إذ حاول التقليل من أهميته المباشرة للولايات المتحدة، بينما عاد في المقابل للضغط على الحلفاء الأوروبيين من أجل التدخل لتأمينه وحماية الملاحة عبره.

كذلك بدا التناقض حاضرًا في مسألة اليورانيوم المخصب، فبينما صدرت عنه إشارات تقلل من مركزيته، وسهولة مراقبته عبر الأقمار الصناعية، عاد في الوقت ذاته إلى التلويح بورقة التصعيد إذا لم تستجب طهران للمطالب الأمريكية المرتبطة بملفها النووي.

غير أن أخطر ما حمله هذا التناقض هو ذلك السؤال الحرج الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كان ترامب قد حقق فعلًا أهدافه العسكرية في إيران، كما يزعم، وإذا كان لا يُبدي اكتراثًا حاسمًا بمضيق هرمز أو باستعادة مخزون اليورانيوم المخصب، فلماذا يتحدث في الوقت نفسه عن مواصلة الحرب لأسبوعين أو ثلاثة إضافية؟ ولماذا يتواصل الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة بهذه الوتيرة إذا كانت المعركة قد شارفت، كما يقول، على نهايتها؟

هذا التباين بين إعلان الإنجاز العسكري والإصرار على مواصلة التصعيد يفتح باب التكهنات على مصراعيه بشأن ما تنوي واشنطن فعله عمليًا خلال الأيام القليلة المقبلة، ويُبقي المشهد الإقليمي مشتعلًا ومفتوحًا على جميع الاحتمالات، من دون أفق واضح للتهدئة أو تسوية نهائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى