قضايا وتحليلات

رائد العقلانية الداعم لـ “إسرائيل”.. مراد وهبة المثير للجدل حيًا وميتًا

أثار رحيل المفكر المصري وأستاذ الفلسفة، مراد وهبة، موجةً عاتية من الجدل داخل الأوساط الثقافية، وكأن موته جاء امتدادًا طبيعيًا لمسار فكري طالما اتسم بالانقسام والاستقطاب، فكما اختلف حوله معاصروه لأكثر من ثلاثة عقود، عاد الخلاف ليطلّ برأسه مع غيابه، منقسمًا بين من رآه أحد أبرز أعلام التنوير في الثقافة العربية المعاصرة، ومن حمّله مسؤولية صدامات فكرية لم تهدأ يومًا ويبدو أنها لن تهدأ حتى بعد رحيله.

رحل وهبة قبل أسابيع قليلة من الاحتفال بعامه المئوي، الذي كان مقررًا في شباط/ فبراير 2026، تاركًا خلفه إرثًا فلسفيًا كثيفًا من الأفكار والرؤى والنظريات، إرثٌ لم يكن يومًا محل إجماع، بل كُتبت على هامشه قصائد المدح والقدح معًا؛ إذ التفّ حول مشروعه التنويري أنصار رأوا فيه محاولة جريئة لتفكيك البنى الجامدة للعقل العربي، في حين واجهه خصوم اعتبروا أطروحاته استفزازًا متعمّدًا للموروث واليقينيات الراسخة.

وخلال العقد الأخير على وجه الخصوص، اتسعت دوائر النقاش حول مواقفه وتوجهاته، حين بدا وكأنه يسير على حافة السياسة الحادة، في منطقة ملتبسة، رآها معارضوه متناقضة مع نقده الطويل لمفهوم “الحقيقة المطلقة”.

 هذا التناقض الظاهر، كما وصفه منتقدوه، جعله عرضة لهجمات متكررة، وأعاد طرح أسئلة قديمة حول حدود الفلسفة وعلاقتها بالسلطة والواقع السياسي المتحوّل.

والمفارقة أن الساعات القليلة التي تلت إعلان خبر وفاته كانت كفيلة بأن تحوّل مراد وهبة — الفيلسوف الذي تجاهل الإعلام أخباره في سنواته الأخيرة — إلى “تريند” صاخب على منصات التواصل الاجتماعي، إذ انقسم المشهد الرقمي سريعًا بين فريق يرفعه إلى مقام التقديس، وآخر يضعه في خانة الشيطنة.

وبين ثنائية الضجيج والاصطفاف، وصدام الرجعية والإلحاد، ضاعت مساحات واسعة من القراءة الهادئة والموضوعية لما قدمه هذا المفكر للثقافة العربية، ليودع الحياة كما عاشها، مثيرًا للجدل وفاتحًا للكثير من النوافذ المنغلقة في مسارات الفكر والفلسفة والثقافة.

في مقاله بصحيفة “المصري اليوم”، شبّه المفكر والدبلوماسي المصري مصطفى الفقي مراد وهبة بـ”ابن رشد المصري”، معتبرًا إياه واحدًا من أكثر الأصوات الفلسفية شجاعة في الدفاع عن الليبرالية والعلمانية والحريات العامة.

 واستعاد الفقي علاقته الطويلة به، مؤكدًا أنه شاركه — ولو من بعيد — معاركه الفكرية ونقاشاته الفلسفية، ورأى فيه نموذجًا للمفكر الذي تصدّى للأصولية بمعناها الرجعي، تلك التي توارت خلف الشعارات الدينية والانتماءات الروحية، وفرضت نفسها على مجتمعات كثيرة في العقود الأخيرة.

ويرسم الدبلوماسي السابق صورة لوهبة بوصفه فيلسوفًا من طراز خاص، لا يتاجر بالأفكار ولا يساوم بالفلسفة، بل “راهبًا صامتًا” في محراب المعرفة، تحمّل التهميش والهجوم الشخصي بصبر وكبرياء.

 ورغم تأخر التكريم الرسمي له، فإن حصوله على جائزة النيل عام 2018 جاء — كما يرى الفقي — اعترافًا مستحقًا بتاريخ طويل من الاستقلال الفكري والنزاهة الأخلاقية.

واختتم مقاله بأن الفيلسوف الراحل ظل حتى سنواته الأخيرة، وفيًا لمبادئه، محتفيًا بالرأي الآخر، منتجًا للفكر، ومؤمنًا بأن الفلسفة ستبقى أمّ العلوم، ليغادر المشهد شامخًا كأحد آخر الشوامخ من جيل المفكرين الأحرار في مصر.

يرى الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع ومدير مكتبة الإسكندرية، أن الاحتفاء بمراد وهبة هو في جوهره احتفاء بالعقل ذاته، ففي قراءته لتجربة المفكر الراحل، يؤكد زايد أن الفيلسوف أدرك، بحسّه النقدي الخصب، أن حياتنا المعاصرة تعاني فقرًا حادًا في التفكير العقلاني الرشيد، وأن التاريخ نفسه لم يكتفِ بإحباط هذا الفكر، بل أسهم في قتله حين أُحرقت كتب ابن رشد.

 ومن هذا الغياب للعقل، يفسر وهبة — كما ينقل زايد — صعود التطرف والغلو والنزعات الأصولية، إذ يميل الإنسان، حين يغيب العقل، إلى التفكير العاطفي أو الخرافي، ويستدعي الماضي بوصفه فردوسًا مفقودًا، ليؤسس بذلك مسارات تقود المجتمعات إلى الضلال والفوضى.

ويضيف زايد أن دعوة مراد وهبة للاحتفاء بالعقل هي دعوة لبناء نهضة يكون العقل مركزها ومحركها، على غرار ما رسخه الفكر الحديث منذ مقولة ديكارت الشهيرة “أنا أفكر إذن أنا موجود”، التي جعلت الإنسان العاقل محور الكون وأساس التقدم.

ويؤكد أن مجتمعاتنا، بوصفها مجتمعات شابة، أحوج ما تكون إلى هذا المنحاز العقلاني، عبر تعليم نوعي يحرر الأجيال الجديدة من غوايات الاستهلاك وسطوة الخرافة والتطرف.

 ومن هنا، يصبح إرث وهبة درسًا في الصمود الفكري والدفاع عن العقل بوصفه أصل الحضارة وطريق المستقبل، والنور القادر على تبديد عتمة الجهل والأصولية.

اتخذ المفكر القبطي، على امتداد مسيرته الفكرية، موقفًا صريحًا داعمًا لإسرائيل، جعل منه خيارًا فكريًا ثابتًا لا يقبل المراجعة، حيث دافع عن التطبيع بوصفه مسارًا “عقلانيًا” منذ كامب ديفيد وحتى سنواته الأخيرة.

وقدّم وهبه هذا الموقف في إطار تصوره للمثقف التنويري، الذي رأى أن مهمته الأساسية تفكيك اليقينيات ومناهضة ما يعدّه تفكيرًا أصوليًا، حتى لو أدى ذلك إلى فصل التنوير عن مقاومة الاستعمار أو الانحياز لحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.

 وبهذا المعنى، بدا مشروعه التنويري ذهنيًا تجريديًا، لا يرى في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي قضية تحرر وطني، بل إشكالًا فكريًا قابلاً للتسوية الرمزية.

وفي السياق نفسه، اتسم موقفه من المقاومة الفلسطينية، ولا سيما ذات المرجعية الدينية، بالعداء الواضح، إذ اعتبرها أصل الأزمة وعائقًا أمام “السلام” و”التعايش”، لا ردّ فعل على واقع الاحتلال.

 وبدلا من تفكيك بنية القوة غير المتكافئة بين محتل يملك الدولة والسلاح، وشعب يُسلب أرضه وحقوقه، جرى اختزال الصراع في خطاب عن “عنف متبادل” و”تعصب ديني”.

  كما أسهمت دعوته إلى أطر فكرية مثل “الإبراهيمية” في إعادة توصيف القضية الفلسطينية، لا بوصفها قضية استعمار استيطاني، بل كخلاف ثقافي أو ديني، وهو ما يفضي عمليًا إلى نزع الطابع التحرري عن المقاومة، وإدماج الاحتلال في خطاب إنساني مموّه يبتعد عن منطق العدالة وينحاز إلى التطبيع.

على الجانب الآخر من مشهد الجدل، برزت أصوات رأت في مراد وهبة سندًا فكريًا صلبًا للصهيونية، لا مجرد مفكر مختلف في الرأي، فقد عبّرت الدكتورة يمنى الخولي، أستاذة الفلسفة بجامعة القاهرة وتلميذته لسنوات طويلة، عن موقف صادم في حدّته، حين كتبت أن رحيله يمثل “عزاءً للصهيونية العالمية” معتبرة أنه آمن بها إيمانًا مطلقًا لم يسبقه إليه أحد.

 ولم تُخفِ الخولي التناقض المؤلم في تجربتها الشخصية معه؛ فهو أستاذها الذي منحها أعلى التقديرات العلمية وأغدق الثناء على أبحاثها، لكنه ظل — في وعيها — مثالًا على الانحياز الأعمى لإسرائيل، إلى حد وصفها له بأنه “صهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم”.

ويتقاطع هذا التوصيف مع ما كتبه الروائي والكاتب سعد القرش، الذي رأى أن وهبة، حتى في سنواته الأخيرة، ظل يدور في فلك “السلام مع العدو”، ويواصل التنديد بما يسميه الإرهاب الجهادي، دون أن يوصم الكيان الإسرائيلي — الذي تأسس بالعنف ويستمر به — بالإرهاب.

 ويشير القرش إلى أن الإبادة المعلنة في غزة، والتخطيط لتهجير أهلها، لم تكن كافية لإحداث أي مراجعة في موقف الفيلسوف، الذي ظل يرى في إسرائيل كيانًا لا يستفزه العدوان ولا تحرّكه المجازر، بينما تُوجَّه سهام نقده حصريًا إلى المقاومة وخطاباتها.

ويمضي هذا النقد أبعد من الموقف السياسي إلى جوهر السؤال الفلسفي ذاته؛ إذ يرى القرش أن مأساة هذا المسار تكمن في تفريغ الفلسفة من بعدها النقدي الشامل، وحصرها في نقد الجماعات الإسلامية وحدها، مقابل صمت أو تبرير إزاء استعمار استيطاني قائم.

 ويستدعي، في هذا السياق، مفارقة لافتة حين يكون اعتذار رئيس دولة الاحتلال عن مذبحة كفر قاسم أكثر جرأة أخلاقية من صمت فيلسوف يرفع راية العقلانية والعلمانية، ومن هنا يخلص إلى أن العلمانية، حين تُمارَس بعين واحدة، تفقد عدالتها، وتتحول من أداة تحرر إلى غطاء فكري لانحياز أخلاقي فادح.

وُلد مراد وهبة في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1926 بمدينة القوصية بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه الجامعي في الفلسفة بجامعة فؤاد الأول، حيث حصل على ليسانس الآداب (فلسفة) عام 1947، ثم درجة الماجستير في الفلسفة الحديثة عام 1952، قبل أن ينال الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة من جامعة الإسكندرية في كانون الأول/ديسمبر 1959.

 بدأ مسيرته الأكاديمية مدرسًا للفلسفة بكلية المعلمين عام 1958، ثم تدرج في المناصب حتى عُيّن أستاذًا مساعدًا عام 1965، فأستاذًا للفلسفة عام 1972 بكلية المعلمين – جامعة عين شمس، وتولى رئاسة قسم الفلسفة في الفترة من 1977 إلى 1986، قبل أن يصبح أستاذًا متفرغًا في العام نفسه.

 كما عمل أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات الدولية، من بينها جامعة موسكو (1968–1969)، وجامعة الخرطوم (1971–1972)، وجامعة هارفارد عام 1976.

إلى جانب عمله الأكاديمي، اضطلع وهبة بأدوار ثقافية وبحثية بارزة، إذ شغل منصب رئيس وحدة الدراسات الإنسانية بمركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس بين عامي 1975 و1981، وعمل مستشارًا لدار المعارف بالقاهرة (1967–1971)، كما ترأس تحرير “ملحق الفلسفة والعلم” بمجلة “الطليعة” في الفترة من 1974 إلى 1977.

وكان فاعلًا في عدد كبير من الأطر الفكرية والمؤسسية، فأسس وترأس الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية عام 1978، وأسهم في هيئات فلسفية وبحثية دولية متعددة، من بينها لجان ومنظمات تابعة لليونسكو، والمجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب مشاركته في مبادرات فكرية وحوارية إقليمية ودولية.

خلّف وهبة رصيدًا واسعًا من المؤلفات والترجمات الفلسفية التي تنوعت بين تاريخ الفلسفة وقضايا التنوير والعقلانية ونقد الأصولية، من أبرزها: المذهب في فلسفة برجسون، وقصة الفلسفة والمذهب عند كانط، والمذهب التكاملي، ومحاورات فلسفية في موسكو، ومدخل إلى التنوير، والأصولية والعلمانية، وفلسفة الإبداع، وفلسفة علم الجمال، ومستقبل المعجم الفلسفي، وملاك الحقيقة المطلقة، ومفارقة ابن رشد وسلطان العقل، ويوسف مراد فيلسوفًا، والأصولية وإرهابها.

 فضلًا عن عشرات المقالات الفلسفية والسياسية. كما صدرت عنه دراسات تناولت مشروعه الفكري، من بينها كتاب مراد وهبة فيلسوفًا (2014)، ومشروع مراد وهبة الفلسفي (2016)، في محاولة لقراءة إسهاماته ضمن سياق الفلسفة العربية المعاصرة.

في المحصلة، وبصرف النظر عن حدة الانقسام حول وهبة، ولا سيما مواقفه المناوئة للمقاومة والقضية الفلسطينية مقابل دعمه الصريح لإسرائيل، فإنه يظل واحدًا من المفكرين الذين تركوا بصمتهم الواضحة في المشهد الثقافي العربي.

غير أن أفكاره، منذ بداياتها وحتى رحيله، ظلت تصطدم بالثوابت القومية، عروبية كانت أم إسلامية، وتثير سجالًا لا يهدأ حول حدود التنوير وعلاقته بالهوية والعدالة.

 وهكذا غادر وهبة الحياة كما عاشها،  اسمًا إشكاليًا، وحضورًا جدليًا، مفتوحًا على قراءات متعارضة لا يبدو أنها ستغلق قريبًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى