
شطب مالك صحيفة “البوابة” المصرية.. مسلسل معاناة الصحفيين الذي لا ينتهي
لم يكن ثروت، الصحفي في جريدة “البوابة نيوز” الخاصة، يتخيل أن ينتهي به المطاف، بعد أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا قضاها بين الخبر والعناوين والمطابع، إلى راتبٍ لا يتجاوز ألفي جنيه ( 42 دولارًا)، بالكاد يكفي لمجاراة أبسط متطلبات الحياة.
وحين طالب بحقه المشروع في تطبيق الحد الأدنى للأجور(148 دولارًا)، لم يُقابل مطلبه بالإنصاف، بل بالتنكيل والاتهام، ثم بإغلاق أبواب الجريدة في وجهه، وصولًا إلى الإعلان عن تصفية المؤسسة نفسها.
سنوات طويلة من العمر المهني تبخّرت فجأة، ليجد هو وزملاؤه أنفسهم خارج المكان الذي ظنّوه يومًا بيتهم الثاني، وفي مواجهة شارع لا يعترف بتاريخ ولا بتضحيات.
لكن ثروت لم يكن استثناءً، بل صورة مكثفة لواقع أوسع يعيشه الصحفيون في مصر اليوم، انتهاكات متكررة، وبيئات عمل تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والكرامة، وبنية تشريعية مثقلة بالثغرات، ورقابة شبه غائبة، فتُترك مصائر الصحفيين رهينة لمزاج الملاك.
وفي هذا الفراغ، تتسع مساحة الابتزاز، ويُدفع الصحفي إلى الاختيار القاسي بين الصمت أو الفقد، بين البقاء بلا حقوق أو الخروج من المهنة التي أفنى فيها عمره.
وبعد سجال طويل امتد لأكثر من شهر ونصف، حسم مجلس نقابة الصحفيين المصريين قراره بشطب الكاتب الصحفي عبد الرحيم علي، مالك جريدة “البوابة نيوز”، من جداول النقابة، على خلفية مخالفته لنص المادة (5) فقرة (أ) من قانون نقابة الصحفيين رقم (76) لسنة 1970، التي تحظر على عضو النقابة امتلاك ما يزيد على 5% من أسهم المؤسسة الصحفية التي يعمل بها.
القرار جاء بإجماع أعضاء المجلس، في لحظة اعتُبرت فاصلة بعد نقاشات مطوّلة، فيما أبلغت لجنة القيد مجلس النقابة، خلال اجتماعه السابق المنعقد في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، بنظرها الشكاوى المحالة إليها، والتي تطالب بشطب ابنتي عبد الرحيم علي، شاهندة وداليا، على أن تُمنح اللجنة مهلة لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
وعلى الأرض، كانت الأزمة أعمق من نصوص ومواد قانونية؛ إذ دخلت إدارة الجريدة في صدام مفتوح مع الصحفيين منذ منتصف تشرين الأول/ نوفمبر الماضي، وصلت معه العلاقة إلى طريق مسدود، رغم محاولات النقابة للتدخل واحتواء الموقف.
غير أن تعنّت الإدارة وإصرارها على تجاهل حقوق الصحفيين فاقما الأزمة، في مشهد رآه كثيرون انتهاكًا صارخًا يستوجب تدخّلًا حاسمًا، لما يحمله من دلالات مقلقة تمس جوهر حقوق الصحافة وكرامة الصحفيين.
ترهيب الصحفيين.. إدانات بالجملة
أعربت نقابة الصحفيين عن إدانتها الشديدة للممارسات التي صدرت عن إدارة جريدة “البوابة نيوز” ومالكها، معتبرة ما جرى تجاوزًا خطيرًا لحقوق الصحفيين وكرامتهم الإنسانية والمهنية، وأشار البيان إلى استخدام عناصر أمنية خاصة لترهيب الصحفيين المعتصمين ومحاولة فض اعتصامهم السلمي بالقوة، ومنعهم من دخول مقر عملهم، إلى جانب قطع الكهرباء عن المؤسسة، وإغلاق حساباتهم على المنصة الإلكترونية، فضلًا عن الامتناع عن صرف أجورهم منذ شهرين، في مشهد وصفته النقابة بأنه اعتداء مباشر على حق العمل والحياة الكريمة.
وفي مواجهة ذلك، قرر مجلس النقابة بالإجماع مخاطبة الجهات المعنية بشأن البيان الصادر عن مالك الجريدة حول ما أسماه قرار الجمعية العمومية بتصفية الشركة، مؤكّدًا مخالفته الصريحة لقانون العمل ولقرار وزير العمل الذي يشترط صدور حكم قضائي أو قرار من الجهة المختصة قبل أي إجراء من هذا النوع.
كما قرر المجلس اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وتقديم شكاوى رسمية إلى مكتب العمل ضد محاولات إغلاق المؤسسة، وضد الاعتداء على حقوق الصحفيين، واستخدام القوة لفض الاعتصام، إلى جانب اللجوء لقاضي الأمور الوقتية لوقف أي خطوات لإغلاق الجريدة دون سند قانوني.
وفي سياق متصل، أعلن مجلس النقابة تضامنه الكامل مع الدعاوى القضائية التي يعتزم الصحفيون المعتصمون رفعها ضد مالك الجريدة، للمطالبة بحقوقهم المالية وتطبيق الحد الأدنى للأجور، ووقف محاولات الإغلاق غير القانونية.
كما حددت المحكمة جلسة 27 كانون الثاني/ يناير 2026 لنظر الدعوى المقامة من النقابة لوقف إجراءات تصفية شركة “المركز العربي للصحافة” فيما حمّل المجلس مالك الجريدة ورئيسة التحرير المسؤولية الكاملة عن سلامة الصحفيين المعتصمين، مؤكدًا أن النقابة لن تتهاون في اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات نقابية وقانونية دفاعًا عن كرامة الصحفيين وحقوقهم.
بداية الأزمة
بدأت الأزمة في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حين دخل عدد كبير من صحفيي موقع “البوابة نيوز” في اعتصام للمطالبة بحقوق مهنية وإنسانية أساسية، على رأسها تطبيق الحد الأدنى للأجور ( 148 دولارًا) بما يراعي الأقدمية والخبرة، وتوفير بيئة عمل لائقة، وإتاحة التأمين الصحي لجميع العاملين، إلى جانب وضع لائحة مالية وإدارية عادلة، وتمكين الصحفيين من تشكيل لجنة نقابية تمثلهم داخل المؤسسة. مطالب بدت في ظاهرها بديهية، لكنها سرعان ما تحولت إلى شرارة أزمة ممتدة.
ومع تصاعد التوتر، أعلن مالك الجريدة عبد الرحيم علي رفع اسمه رسميًا من ترويسة الصحيفة بعد سنوات طويلة من الارتباط بالمؤسسة، في خطوة فتحت الباب أمام تطورات أكثر حدة.
ردًا على تلك الخطوة صعّد المعتصمون حراكهم، فأصبح مفتوحًا داخل مقر الجريدة، تزامن ذلك مع تقديم بلاغات إلى النيابة ضد الصحفيين المعتصمين، من المالك وابنته، شملت تسعة صحفيين، إلى جانب بلاغات طالت عضوين من مجلس نقابة الصحفيين، في مشهد عكس انتقال الأزمة من ساحات الحوار إلى أروقة القضاء.
وبعد نحو خمسين يومًا من الاعتصام، وصلت الأزمة إلى ذروتها؛ إذ مُنع الصحفيون المعتصمون من دخول مقر عملهم، وتعرضوا لمحاولات فض الاعتصام بالقوة، وإغلاق أبواب المبنى، وقطع الكهرباء عنهم، ومنع الطعام والمياه عن زملائهم المعتصمين داخل الجريدة.
كما جرى تعطيل حساباتهم المهنية الخاصة بإرسال الأخبار، وحرمانهم من رواتبهم، في حين استمر صرف المرتبات لغير المعتصمين فقط.
وفي خضم ذلك، أعلن رئيس مجلس الإدارة تصفية الجريدة عبر صفحاته الرسمية، رغم استمرار العمل فعليًا، ما اعتبره الصحفيون إجراءً موجّهًا ضدهم وحدهم، أزمة إنسانية قاسية، دفعت صحفيين يتقاضون رواتب لا تتجاوز ألفي جنيه (42 دولار) للمطالبة فقط بحقهم في الحد الأدنى للأجور والعيش الكريم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة مصير مجهول.
50 يومًا من المعاناة
على صفحتها بموقع “فيسبوك”، كتبت الصحفية بالبوابة، ندى حفظي، إحدى المعتصمات داخل مقر الجريدة، رسالة مؤلمة قالت فيها إنها “ليست بخير”.
وأوضحت أن الصحفيين يواجهون حقيقة قاسية بعيدًا عن دفء العائلات وبهجة العام الجديد، إذ يدخلون يومهم الخمسين من الاعتصام السلمي وسط برد قارس، ونوم شبه معدوم، وأزمات صحية تضطرهم إلى اللجوء للمستشفيات، في وقت حُرموا فيه من رواتبهم الزهيدة منذ شهرين، في ظل تجاهل كامل من إدارة الجريدة.
وأكدت حفظي أن الاعتصام لم يعد مجرد احتجاج مهني، بل بات قضية حياة وكرامة، في ظل حرمان مستمر، وتجاهل متعمد، وظروف قاسية تهدد صحة المعتصمين وسلامتهم.
ورغم خطورة الوضع التي تتفاقم مع كل يوم يمر، فإن ذلك لم يزدهم إلا إصرارًا على مواجهة الظلم والتمسك بحقوقهم المشروعة، وأشارت إلى أن الصحفيين حاولوا مرارًا فتح باب الحوار مع الإدارة، لكنهم قوبلوا بالمماطلة وتجاهل أبسط حقوق العاملين، ما دفعهم إلى الاستمرار في الاعتصام دفاعًا عن حياتهم وكرامتهم ومهنتهم.
ووجّهت الصحفية تحذيرًا واضحًا لإدارة الجريدة من مغبة الاستمرار في التسويف، مؤكدة أن كل يوم إضافي يعرّض حياة الزملاء للخطر، ويضع المسؤولية كاملة على عاتق الإدارة أمام القانون والرأي العام.
وطالبت، باسم جميع المعتصمين، بسرعة صرف الرواتب، وتحسين بيئة العمل، واحترام حقوق الصحفيين، وضمان سلامتهم، باعتبار ذلك واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يقبل التأجيل.
كما شددت على أن الاعتصام مستمر، ولن يتراجع الصحفيون عنه حتى تتحقق مطالبهم كاملة، حفاظًا على كرامتهم وحقهم في حياة آمنة، وصونًا لمهنة الصحافة الحرة، مؤكدة أن كل يوم صمود يضاعف عزيمتهم، وكل لحظة إهمال ستظل شاهدًا على من تجاهلهم أمام المجتمع والتاريخ.
استغاثة لرئيس الجمهورية
أمام تعنّت الإدارة وانسداد كل الأبواب، وجّه الصحفيون والعاملون المعتصمون في الصحيفة، نداء استغاثة إلى رئيس الجمهورية، قالوا فيه إن معاناتهم بلغت حدًّا لم يعد يحتمل التأجيل أو المماطلة.
وأوضحوا أنهم استنفدوا جميع السبل القانونية والمؤسسية، ولجأوا إلى القنوات المشروعة كافة، مقدمين شكاوى رسمية وثّقتها وزارة العمل بمحاضر متعددة، أثبتت وقوع انتهاكات جسيمة لقانون العمل، شملت وقف الأجور، والتنكيل بالعاملين، وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
وأشار الصحفيون إلى أن هذه الانتهاكات استمرت رغم وضوح المخالفات وثبوتها، في وقت يتجاهل فيه مالك المؤسسة قرارات الجهات المختصة، غير عابئ بالقانون أو بحقوق من أفنوا جهدهم وعرقهم في بناء هذه المؤسسة.
واعتبروا أن استمرار هذا الوضع يمثّل سابقة خطيرة، ويبعث برسالة مؤلمة مفادها أن هناك من يظن نفسه فوق المحاسبة، في تناقض صارخ مع مبادئ دولة القانون التي أكّد عليها الرئيس مرارًا، ومع حق المواطن في الكرامة والعدالة والإنصاف.
عُرف عبد الرحيم علي كصحفي وباحث مهتم بشؤون الحركات الإسلامية، وتحديدًا الجماعات ذات التأثير السياسي، ويشغل رئاسة “المركز العربي للبحوث والدراسات”، وعلى مدار سنوات، ارتبط اسمه بملفات بحثية وإعلامية شائكة تتصل بالأمن الفكري والسياسي في مصر والمنطقة، وهي ملفات منحته حضورًا لافتًا وأثارت حوله نقاشًا واسعًا.
انطلقت مسيرته المهنية من بوابة الصحافة الاستقصائية، حيث ركّز جهده على تفكيك بنية الحركات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.
وازدادت شهرته بعد أحداث يونيو/حزيران 2013، من خلال برنامجه التلفزيوني “الصندوق الأسود”، الذي اعتمد على وثائق وتسريبات قال إنها تكشف خفايا المشهد السياسي، وبين مؤيد ومعارض، تحوّل البرنامج إلى إحدى العلامات البارزة في الخطاب الإعلامي خلال تلك المرحلة، ورسّخ موقعه كأحد الأصوات المؤيدة للنظام آنذاك.
وفي عام 2015 خاض تجربة العمل البرلماني، لكنه لم يكررها لاحقًا، في ظل موجة انتقادات وهجوم حاد طالته، واتهامات بتبني أجندات خارجية وضعت اسمه في دائرة الجدل الشعبي.
ومع تصاعد الضغوط، ابتعد تدريجيًا عن المشهد العام، وقضى معظم وقته خارج القاهرة، بينما أوكل إدارة الجريدة إلى ابنتيه، في مرحلة بدت وكأنها انتقال هادئ من الواجهة إلى الخلفية، بعد سنوات من الحضور المكثف في المجالين الإعلامي والسياسي.



