
عزة الفشني تكتب: حزب الله في مهب الصفقة.. هل تُضحي إيران بحليفها؟
بعد إعلان الهدنة والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران، كان لإسرائيل رأي آخر. فبعد ساعات من إعلان الهدنة، شنّ الكيان الصهيوني العديد من الغارات الجوية على لبنان، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.
وقد أثار ذلك الشكوك لدى كثير من المتابعين، وذهب البعض إلى وجود اتفاق مسبق بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، يقضي بأن تسلّم إيران لبنان وتضحي بحزب الله من أجل وقف الحرب، في صفقة قد تكون الأكبر في تاريخ المنطقة. هذه الأقاويل دفعتنا إلى التساؤل عن مدى صدق هذه الرواية.
وفي ظل هذه الشكوك والتكهنات، يبقى السؤال الأكبر: هل إيران مستعدة للتضحية بحزب الله، أم أنها ستستمر في دعمه لتعزيز نفوذها في المنطقة؟ وهل ستكون هذه الخطوة بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار في الشرق الأوسط، أم أنها ستؤدي إلى مزيد من التوتر والصراع؟
من المؤكد أن المنطقة تشهد تحولات كبيرة، وأن إيران تلعب دورًا مهمًا في هذه التحولات. لكن كل الشواهد تشير إلى أنه لا يوجد دليل قاطع على أن إيران سلّمت لبنان إلى إسرائيل أو قدمت حزب الله ككبش فداء من أجل وقف الحرب. خاصة أن الواضح هو أن إيران ما تزال تقدم الدعم لحزب الله، الحليف القوي لها منذ نشأته في الثمانينيات، وتعتبره حليفًا استراتيجيًا وجزءًا من محور المقاومة في المنطقة. وفي المقابل، سبق أن أعلن حزب الله أنه لن يتخلى عن إيران، وأنه يعتبر نفسه جزءًا من الثورة الإسلامية الإيرانية.
إلا أن كل هذه الأمور لا تنفي تمامًا احتمال وجود مثل هذا الاتفاق اللعين، خاصة أن إيران لديها تاريخ طويل في التضحية ببعض حلفائها في المنطقة من أجل الحفاظ على بقائها واستقرارها. ويمكن تفسير هذا السلوك بسياسة “الواقعية السياسية” التي تتبعها إيران، حيث تضع مصالحها الوطنية فوق كل اعتبار.
وما يثير الدهشة والشك هو رد إيران على القصف الإسرائيلي الوحشي للبنان، الذي وصفه نتنياهو بأنه الأقوى منذ ضربة البيجر، إذ ردّت بضرب السعودية والكويت والبحرين والإمارات بعشرات الصواريخ ومئات المسيّرات، وكأنها فقدت البوصلة، أو كما لو كانت لا تفرّق بين إسرائيل والعرب، وتعتبرهما أعداء. بل إن البعض يرى أن كرهها للعرب والمسلمين يفوق كل كره.
وإلى من لا يقبل النقد ولا الحوار أو الاقتناع، أقول: إن إيران، تلك الدولة الفارسية، دولة شيعية حاربت المسلمين من قبل في عدة غزوات بسبب خلاف عقائدي مع أهل السنة. ولا ننسى أن هناك شيعة عربًا يتسمون بالوسطية، وبينهم مودة ورحمة واختلاط، وعلاقات صهر ونسب، وينتمون إلى دولهم العربية. إلا أن إيران استغلت ضعف بعض الشيعة العرب، وصنعت منهم ميليشيات لمساندتها ضد الدول العربية، ولم تكن إسرائيل حينها في الحسابات. كما امتد نفوذها إلى أهل السنة في فلسطين وغيرها، واستعملتهم كحركات مقاومة وهمية، بينما هم في الحقيقة أذرع للفرس في مناطقهم، وبذلك أفسدت دولًا بهذا المخطط.
فمن غير المقبول أن نسير خلف العاطفة تاركين الحقيقة وراء ظهورنا. فإيران تحارب من أجل مصالحها، وتريد أن تبتلع الخليج الذي سمّته “الخليج الفارسي”، وكانت على عداء كبير مع صدام حسين ومعمر القذافي، وهي من خططت لاغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. فلنتوقف ونسأل أنفسنا: من قتل الفلسطينيين في سوريا، في اليرموك؟ ومن قتل الفلسطينيين في العراق؟ ومن قتل الحريري في لبنان؟
وهناك أيضًا أمثلة أخرى على ذلك، منها:
الحرب العراقية الإيرانية: دعمت فيها إيران بعض الحركات الكردية في العراق، لكنها توقفت عن دعمها عندما وافقت على وقف إطلاق النار مع صدام حسين.
دعمها للنظام السوري: إذ لم تتدخل بشكل مباشر في الحرب الأهلية السورية إلا عندما شعرت أن نظام الأسد في خطر.
علاقتها بحماس: فقد دعمتها في غزة، لكنها قللت من دعمها بعد أن شعرت أن حماس تقترب من قطر وتركيا.
هذه الأمثلة تظهر أن إيران قد تضحي ببعض حلفائها لتحقيق مصالحها الخاصة أو لحماية نفسها من الضغوط الخارجية.
إيران تتبع سياسة خارجية معقدة ومتعددة الأوجه، تسعى من خلالها إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، وتضع مصالحها الوطنية فوق كل اعتبار. وهذا يعني أنها قد تتخذ قرارات غير متوقعة لتحقيق أهدافها.
السياسة التي تتبعها إيران لتعزيز نفوذها في المنطقة
من المعلوم للجميع أن إيران تدعم الحركات الإسلامية في المنطقة، مثل حزب الله وحماس، من أجل تحقيق نفوذها وتوسيع دائرة تأثيرها. كما تتعامل مع الدول العربية على أساس المصالح المشتركة، فقد تكون حليفة لبعضها في قضايا معينة، لكنها تتعارض معها في قضايا أخرى.
ومن ناحية أخرى، تتعاون إيران مع روسيا والصين لتحقيق مصالحها الاقتصادية والأمنية، وتعتبرهما حليفين استراتيجيين. كما تتخذ من برنامجها النووي أداة لتحقيق أهدافها السياسية، وقد تكون مستعدة للتفاوض حوله إذا كان ذلك يحقق تلك المصالح.
هذه السياسة الخارجية تظهر أن إيران تسعى إلى تعزيز نفوذها في المنطقة وتحقيق مصالحها بكافة الوسائل. لذلك، لا يمكن استبعاد احتمال أنها قد تضحي بحلفائها في لبنان إذا رأت أن ذلك يحميها من الضغوط الخارجية، أو إذا شعرت أن دعمها لحزب الله قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط عليها، أو إذا وجدت فرصة لتحقيق مصالحها بطريقة أخرى.
هشاشة الموقف العربي جعلت أصحاب الأطماع والمتاجرة بالأوطان ينتعشون
تلك هي التفاهمات الجيوسياسية: ماذا تقدم لي من عروض ومغانم على الأرض، وماذا أقدم لك بالمقابل؟ إن هشاشة الموقف العربي، وما رافقها من فراغ، جعلت أصحاب الأطماع والمتاجرة بالقضايا والأوطان ينتعشون عبر مثل هذه الصفقات، ولن تقف هذه الصفقات عند هذا الحد.
فإذا صح هذا الاحتمال، فإن إيران لم تضحِّ فقط، بل كتبت وثيقة إعدام لبنان وسلمتها إلى إسرائيل وأمريكا. ومن يظن يومًا أن إيران تدافع عن الإسلام فهو واهم؛ فهم يدافعون عن إحياء عرش كسرى.
وأعود فأكرر مرة أخرى: على الرغم من كل هذه التكهنات، لا ننسى أن حزب الله يعتبر حليفًا استراتيجيًا لإيران، وأنها دعمته بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لذلك من غير المرجح أن تتخلى عنه بسهولة، لكن لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال تمامًا.
في نهاية المطاف، تظل العلاقات بين إيران وحزب الله قصة معقدة ومتعددة الأوجه، تعكس تعقيدات السياسة الإقليمية والعالمية. وبينما تظل إيران حليفة قوية لحزب الله، فإن مصالحها الوطنية قد تقف حائلًا دون استمرار هذا الدعم على صورته الحالية، وقد تدفعها إلى اتخاذ قرارات غير متوقعة. وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى السؤال الأهم: هل ستستمر إيران في دعم حزب الله، أم ستختار التضحية به لتحقيق مصالحها؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل المنطقة، وستكشف الوجه الآخر لإيران وحقيقة العلاقة بينها وبين حزب الله.


