
عزة الفشني تكتب: رمضان بين الأمس واليوم.. رحلة عبر الزمن
رمضان… ذلك الشهر الكريم الذي يغمر قلوبنا بنسائم الرحمة؛ شهر القرآن، شهر الصيام والقيام، شهر المحبة والتسامح. يأتي كل عام ليوقظ فينا ما خفت من نور، ويذكرنا بعبوديتنا للخالق. كان رمضان في “الماضي الجميل” شهرًا للتراحم والتكافل؛ تجتمع فيه العائلات على مائدة الإفطار، وترتفع الأصوات بالتراويح في المساجد. أما اليوم، فقد تبدّلت الأجواء؛ الحياة أسرع، والانشغالات أكثر. فهل نحن مستعدون لاستعادة روح رمضان، وإعادة بريقه الذي خفت؟
هل ما زلنا نستشعر حلاوة الصيام والقيام، وندرك قيمة التسامح والغفران؟ أم أننا صرنا نعبر أيامه دون أن نتذوق معناه الحقيقي؟
رمضان في الماضي
كان رمضان في الماضي شهرًا مفعمًا بالروحانيات والبهجة الإيمانية. كان الناس ينتظرونه بشغف، ويزيدون من العبادات والدعاء، ويصومون النهار ويقيمون الليل. كان شهرًا للرحمة والغفران، شهرًا للتقرب إلى الله.
وكان الارتباط بالمساجد أوثق؛ صلاة التراويح والقيام حاضرة، وتلاوة القرآن تتردد في البيوت والمساجد. كان رمضان بحق “شهر القرآن”، شهر التعبد والتأمل.
رمضان اليوم
أما اليوم فقد تغيّرت الأحوال؛ صار رمضان عند البعض شهرًا للطعام والشراب، وشهرًا للنوم والسهر. انشغل كثيرون بأمور الدنيا، وقلّ الاهتمام بالآخرة. وتحوّلت لياليه—في كثير من البيوت—إلى موسم للمسلسلات والأفلام والسهرات والتجمعات والخيم الرمضانية، مع تراجع الحضور إلى المساجد وقلة المواظبة على الصلاة.
أسباب هذا التغيير
تتعدد الأسباب التي أسهمت في هذا التحول، ومن أبرزها:
- الانشغال المفرط بالدنيا والتكنولوجيا.
- ضعف الوعي الديني.
- انتشار المعاصي والفساد.
- تراجع الاهتمام بالتربية الإيمانية.
كان رمضان في الماضي أكثر إشراقًا لأن الناس كانوا أشد ارتباطًا بالدين، وأكثر خوفًا من الله، وأعظم تقديرًا للشهر الفضيل؛ أكثر استعدادًا للتوبة، وأحرص على الطاعات والعبادات.
رمضان فرصة لإحياء ما فسد من أحوالنا
لكننا اليوم لسنا عاجزين. نحن بحاجة إلى إحياء روح رمضان من جديد: العودة إلى الله، والتوبة والاستغفار، وزيادة العبادات والطاعات، والارتباط بالمساجد والقرآن، والتمسك بالسنن والآداب، وإحياء التربية الإيمانية والروحانية في البيوت.
رمضان يأتي كل عام ليملأ قلوبنا بالبهجة والسكينة، لكن في الآونة الأخيرة بات البعض يشعر أنه يمر سريعًا دون أثر. وربما كان ذلك نتيجة تغيّر نمط الحياة؛ ساعات طويلة أمام الشاشات، وانشغال بالعمل والدراسة، وتركيز على المتع الدنيوية، ونسيان أن رمضان فرصة لشحن الروح بالنور.
في الماضي كان الناس يتنافسون في الخيرات، ويتسابقون في الصدقات والعبادات. كانت الشوارع تتزين بالأنوار، والمساجد تمتلئ بالمصلين. كان رمضان شهرًا للتواصل والتراحم، شهرًا للغفران والتسامح.
أما اليوم—ورغم اختلاف الظروف—لا يزال بإمكاننا أن نصنع فرقًا. يمكننا أن نعيد رمضان إلى قلوبنا، وأن نجعله شهرًا للعبادة والتقرب إلى الله:
- نجتمع مع الأهل والأصدقاء على مائدة محبة.
- نداوم على الصيام والقيام.
- نتصدق على الفقراء والمحتاجين.
- نقرأ القرآن، ونشارك في حلقات الذكر.
- نحيي أجواءه الجميلة بزينة بسيطة، وبأنشطة دينية واجتماعية نافعة.
لكن الأهم من كل ذلك: أن نبدأ من أنفسنا. أن نغيّر عاداتنا اليومية، ونخصص وقتًا ثابتًا للعبادة، ونحافظ على الصلوات، ونقوّي صلتنا بالمسجد والقرآن.
فلنجعل رمضان فرصة للتغيير… فرصة لإحياء روح الإيمان والتقوى في نفوسنا، وإصلاح ما فسد من أحوالنا، وإحياء ما مات في قلوبنا. فلنُعد إليه بهجته وروحانيته، ولنجعله شهرًا للتجديد والتنوير، شهرًا للسعادة والطمأنينة.
فلنكن من الذين يستشعرون حلاوة رمضان، ويفوزون برحمته وغفرانه. ولنجعل رمضان محطة تغيّر حياتنا: نخرج منه بتوبة نصوح، وقلب منيب، وروح متجددة.
اللهم وفّقنا لصيامه وقيامه، واجعلنا من عتقائك من النار.


