مقالات

عزة الفشني تكتب: شبكة إبستين السرية – الجنس مقابل النفوذ

تعد فضيحة إبستين جرحًا مفتوحًا في جسد العدالة الأمريكية يرفض أن يندمل. بعد سنوات من الصمت والتستر، عادت القضية إلى السطح من جديد.

في قلب الظلام حيث يختبئ الأقوياء، كشفت هذه الفضيحة عن تورط بعض الشخصيات الغربية البارزة، حيث انفجرت كبركان مدمر لتكشف عن شبكة من الفساد والاستغلال تمتد إلى أعلى هرم السلطة. جيفري إبستين، ذاك الرجل الذي باع نفسه للشيطان، ترك وراءه جرحًا نازفًا يهدد بتدمير كل شيء. فهل ستتمكن العدالة من كشف الحقيقة؟ وما هي الأسرار التي تختبئ وراء القضية؟ أم ستظل مدفونة تحت ركام السلطة؟

كشفت الفضيحة عن تورط بعض الشخصيات العامة المعروفة، والتي كانت تروج للقيم والأخلاق في المجتمع العربي، بينما كانت تمارس أفعالًا مخالفة لتلك القيم. هذه الشخصيات كانت تملك نفوذًا وقدرة على التأثير، واستغلت ذلك في التستر على جرائمها.

  • ازدواجية المعايير والتناقض بين القول والفعل

يثير الموضوع تساؤلات حول ازدواجية المعايير والتناقض بين القول والفعل. كانت هذه الشخصيات تفرض معاييرها على المجتمع العربي بينما تمارس أفعالًا مخالفة للقيم التي تدعو إليها.

فضيحة إبستين قضية معقدة ومتشعبة، تتعلق بجرائم جنسية واتجار بالبشر. جيفري إبستين، الممول الأمريكي، كان محور هذه القضية، حيث يمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات بارزة في العالم، بما في ذلك سياسيون ورجال أعمال ومشاهير. كان يستخدم هذه العلاقات لجذب الفتيات الصغيرات إلى جزيرته الخاصة في البحر الكاريبي لاستغلالهن جنسيًا.

بعض الشخصيات البارزة التي تورطت في القضية تشمل بيل كلينتون، دونالد ترامب، الأمير أندرو، وإيهود باراك. كما تشير التسريبات إلى تورط بعض الشخصيات العربية البارزة، التي نفت جميعها أي علاقة بالجرائم.

منذ ظهور الفضيحة، ظل السؤال مطروحًا: كيف تمكن إبستين من الهروب من العدالة لفترة طويلة؟ وما طبيعة علاقته بالشخصيات البارزة؟ إلا أننا تفاجأنا في أغسطس 2019 بخبر وفاة إبستين في سجنه بنيويورك، مما أثار شكوكًا حول ظروف وفاته.

لكن لماذا عادت القضية للظهور مجددًا، ولماذا في هذا التوقيت؟ عادت فضيحة إبستين إلى السطح بسبب الضغوط التي مورست على وزارة العدل الأمريكية لنشر الوثائق المتعلقة بالقضية، وسط دعوات من الكونجرس والصحافة والشعب الأمريكي للإفراج عنها. كما يمكن أن يكون التوقيت مرتبطًا بالانتخابات الأمريكية، حيث حاول دونالد ترامب استغلال القضية لصالحه السياسي، لكنها عادت لتلاحقه. إضافة لذلك، يبدو أن هناك رغبة من الجهات القضائية في إعادة فتح القضية وتحقيق العدالة للضحايا. الوثائق المنشورة كشفت عن تورط شبكة واسعة من الأشخاص، مما أثار غضبًا شعبيًا ومطالب بتحقيق العدالة.

  • الإغراق المعلوماتي وإشغال الرأي العام العالمي

مثل هذه التسريبات تُستخدم فيما يُعرف بـ”الإغراق المعلوماتي”، أي إشغال الرأي العام بفضائح جنسية وقوائم مشاهير، وهي مادة جاذبة للجمهور، لتسهيل تمرير اتفاقيات اقتصادية كبرى، أو تغييرات في قوانين دولية، أو حتى التغطية على فشل استخباراتي أو عسكري، بينما تُتخذ القرارات المصيرية في الغرف المغلقة بعيدًا عن الضجيج.

من هنا يمكن فهم صمت بعض حكام وملوك العرب عن ما يجري في غزة، وعدم اتخاذ موقف صريح رغم امتلاك البعض الأدوات اللازمة لذلك. هذا الصمت يثير تساؤلات مشروعة، خصوصًا في ظل ما يتداول عن تورط بعضهم في قضايا غير أخلاقية، واستغلال تلك الملفات للضغط والابتزاز من قبل أجهزة استخبارات أجنبية معروفة. إن التاريخ كفيل بكشف الحقائق، ولا شيء يبقى طي الكتمان.

كما أن الملاحدة والعلمانيين يخشون تداعيات فضائح إبستين وانهيار قيم الغرب أمام المسلمين، لذلك لا يهاجمون المتورطين فيها، بل يهاجمون دعاة وعلماء المسلمين.

  • فضيحة إبستين جرس إنذار لمحاولة التسلل داخل مجتمعاتنا

فضيحة إبستين ليست مجرد أخبار عابرة عن جرائم أخلاقية في الغرب، بل هي جرس إنذار يكشف عورات منظومة كاملة تحاول التسلل إلى بيوتنا تحت شعارات براقة. المنظومة التي أنتجت إبستين هي نفسها التي تعمل اليوم على تفكيك الأسرة، لإضعاف دور الحماية الأسرية، لتصبح المرأة والطفل بلا سند، مما يسهل استغلالهم كبضاعة رخيصة لدى حيتان الرأسمالية.

تمجيد التمرد والتحريض على انفصال الأبناء عن والديهم تحت مسمى “الحرية الشخصية” ليس حبًا لهم، بل لعزلهم عن بيئتهم التي تحميهم، ليسهل اصطيادهم. كما يتم دفع المرأة للعمل في كل الظروف مع تهميش دور الرجل المادي لكسر الطبيعة الفطرية للمجتمع، وأخيرًا تشجيع الفساد، وما نراه على منصات مثل تيك توك هو البداية، والوقوع في شباك الإبستينية هو النهاية.

تخيل أن جماعة إبستين هم من يرفعون شعار محاربة الإرهاب، ويفرضون على المسلمين تعديل المناهج التعليمية، ويدعون لتجديد الخطاب الديني بما يتوافق مع القيم الغربية، ويروجون لحقوق المرأة والطفل، ويهاجمون الإسلام بدعوى أنه لا يتوافق مع حضارتهم.

ويطرح السؤال: ماذا لو كان جيفري إبستين مسلمًا؟ الإجابة واضحة: لكان الإسلام والمسلمون يتحملون وزر جرائمه أمام العالم، بينما لأنه يهودي يبدو أن الأمور تحت السيطرة ولا تستدعي القلق. المسألة لن تتعدى موجة من المنشورات والمقالات، ثم تنتهي الحفلة وكأن شيئًا لم يكن.

الحقيقة المرة أن لا أحد سيحاسب وفق الوضع الحالي، لأن ترامب ضمن المتورطين، وجيفري إبستين لن يُوصم دينه أو قومه، بينما أي جريمة يرتكبها مسلم فورًا تُنسب إلى الإرهاب الإسلامي.

في النهاية، فضيحة إبستين صرخة استغاثة من الضحايا، ونداء للعدالة لإعادة بناء الثقة، وإلى المجتمع لإعادة تعريف القيم. الأسئلة تطرق الأبواب: من المستفيد؟ من المتورط؟ ومن سيدفع الثمن؟ هل سنستمع لهذه الصرخة ونحقق العدالة، أم سنترك الظلام يبتلعنا جميعًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى