
د. عماد عنان يكتب: عملية كراكاس.. نموذج أمريكي يُشرعن السردية الإسرائيلية
في لحظة كان العالم يترنّح تحت وقع الصدمة التي خلّفتها عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بادرت “إسرائيل” إلى إعلان دعمها الصريح وغير المشروط للعملية، مقدّمة إياها بوصفها “طوق النجاة” الذي تمدّه الولايات المتحدة لشعوب أمريكا اللاتينية للتخلّص من أنظمتها الاستبدادية.
وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، لم يتردّد في التعبير عن هذا الموقف عبر منصة “إكس” مستخدمًا اللغات العبرية والإنجليزية والإسبانية، حيث كتب أن “إسرائيل تشيد بالعملية التي نفذتها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي جسّد فيها دور قائد العالم الحر”، مضيفًا أن “إسرائيل، في هذه اللحظة التاريخية، تقف إلى جانب الشعب الفنزويلي المحب للحرية، الذي عانى طويلًا تحت حكم مادورو غير الشرعي”.
هذا الترحيب الإسرائيلي، على الرغم من العاصفة الواسعة من الانتقادات الدولية التي وُجهت للعملية، لم يكن موقفًا عابرًا أو استثنائيًا، بل يعكس بوضوح حالة الانسجام العميق وتطابق المقاربات بين العقلين السياسيين الإسرائيلي والأمريكي في كيفية إدارة الأزمات والتعاطي مع ملفات الصراع والتدخل الخارجي.
فهو تعبير آخر عن شراكة استراتيجية تتجاوز تبادل المصالح إلى تشارك الرؤى والأدوات، وحتى اللغة السياسية المستخدمة لتبرير الأفعال.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: إلى أي حد يمكن عقد مقارنة بين ما جرى في كراكاس وما يجري في غزة؟ وهل تمثّل تلك العملية نموذجًا يُستثمر سياسيًا وإعلاميًا لخدمة الأجندة الإسرائيلية، سواء في سياق سياساتها داخل فلسطين أو في إطار سعيها لتكريس سرديتها على الساحة الدولية؟
القوة فوق القانون
تأتي هذه العملية لتكرّس، في جوهرها، نهجًا دوليًا يتبنّاه دونالد ترامب، قوامه أن منطق القوة يتقدّم على القانون، وأن فوهة السلاح تحلّ محل الدبلوماسية.
فمن هذا المنطلق مضى الرئيس الأمريكي في تنفيذ تهديداته ضد نظام مادورو، متجاهلًا إشكاليات الشرعية، ومتجاوزًا في الوقت ذاته التحذيرات الإقليمية والدولية التي نبّهت إلى خطورة الإقدام على عمل عسكري من شأنه إحداث خرق عميق في بنية القانون الدولي ومنظومته الناظمة للعلاقات بين الدول.
السردية نفسها تكاد تتطابق مع ما تنتهجه حكومة بنيامين نتنياهو في قطاع غزة، حيث يغيب القانون تمامًا عن المشهد، وتتصدر القوة موقع اللغة الوحيدة المعتمدة في إدارة الصراع.
هناك، لا تُخاطَب الوقائع بمنطق الشرعية أو الالتزام بالقواعد الدولية، بل تُدار بسطوة النار والردع، حتى غدا استخدام القوة هو المتحدث الرسمي باسم الكيان، فيما تحوّل القانون والشرعية إلى مفهومين غائبين، لا حضور لهما إلا في صيغة الماضي.
العلاج بالصدمة
في العادة، تُدار الأزمات الدولية ضمن مسار تدرّجي معروف، يبدأ بسلسلة من التحذيرات، تليها جولات تفاوض متعاقبة، ولا يُلجأ إلى الخيار العسكري إلا بوصفه الاحتمال الأخير بعد استنفاد سائر البدائل السياسية والدبلوماسية، وعندما تبلغ المسارات كافة طريقًا مسدودًا.
إلا أن ما أقدم عليه دونالد ترامب شكّل قطيعة واضحة مع هذا النسق الجزئي والكلي معًا، إذ انتقل مباشرة إلى الخيار الأكثر تطرفًا، متجاوزًا الأعراف والأطر الحاكمة للعلاقات الدولية، ليقتحم مقر إقامة رئيس دولة ذات سيادة ويختطفه مع زوجته، في مشهد غير مسبوق منذ عقود طويلة، يعكس استخفافًا صارخًا بالقانون الدولي وبمبدأ سيادة الدول.
وهذا النهج يجد ما يقابله بوضوح في الممارسات التي تنتهجها قوات الاحتلال في غزة ولبنان وسوريا، حيث تُطلق تحذيرات فضفاضة وشكلية، سرعان ما تُستتبع بتنفيذ فجائي للتهديدات بأساليب قمعية وإجرامية، من دون المرور بالمراحل السياسية أو التفاوضية المعتادة.
وهو أسلوب طالما كان محل انتقاد واسع لحكومة بنيامين نتنياهو، بل ولحكومات إسرائيلية سابقة، قبل أن يأتي ترامب ليمنح هذا السلوك غطاءً سياسيًا جديدًا، ويعيد تسويقه باعتباره استراتيجية «مشروعة» لإدارة الأزمات مع الدول.
رسالة ردع للدعم الفلسطيني
لا يمكن فصل ملف غزة عن قراءة دوافع ترامب في الإقدام على تلك العملية، إذ إن الموقف الذي تبنّته كراكاس، الداعم صراحةً لفلسطين والمُدين لإسرائيل وجرائمها خلال الحرب الأخيرة على غزة، كان كفيلًا بإثارة امتعاض الحليف الأمريكي، الذي يضع نفسه في موقع المدافع الأول عن الكيان، ويواجه بصرامة كل من يخرج عن الإجماع الغربي التقليدي في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
قد يجادل البعض بأن الموقف الفنزويلي المناصر لفلسطين لم يكن حاضرًا ضمن الذرائع المعلنة التي استند إليها ترامب لتسويق عمليته، غير أن قراءة الحدث بمعزل عن هذا السياق تبدو قراءة مبتورة.
فوفق هذا المنظور، يمكن فهم الاستهداف باعتباره رسالة ردع سياسية موجّهة إلى كل دولة أو طرف يجرؤ على إعلان دعمه لفلسطين على حساب إسرائيل، وهو النهج الذي التزمت به إدارة ترامب منذ اندلاع الحرب.
ومن هذا الباب، تنظر تل أبيب إلى العملية باعتبارها رسالة إنذار مباشرة موجّهة إلى المعسكر الدولي الداعم لفلسطين، في محاولة لكبح التحوّل المتسارع في المزاج الشعبي العالمي، الذي بدأ يميل بصورة لافتة لصالح الفلسطينيين، على حساب الرواية والموقع الإسرائيليين.
تهديد إيران المبطن
لم تمضِ ساعات على الإعلان عن العملية حتى سارع زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، إلى توجيه دعوة صريحة للنظام الإيراني لاستخلاص “الدروس” مما جرى في فنزويلا، في إشارة مباشرة لا تخطئها العين إلى المصير الذي انتهى إليه مادورو.
غير أن وزير شؤون يهود الشتات، أميخاي شيكلي، ذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن اعتقال مادورو لا يقتصر أثره على الداخل الفنزويلي، بل يشكّل ــ بحسب تعبيره ــ “ضربة قاصمة لمحور الشر العالمي”، ورسالة سياسية وأمنية واضحة موجّهة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي.
وفي سياق تبريري هجومي، صوّر شيكلي مادورو على أنه لم يكن يدير دولة بقدر ما كان يقود شبكة إجرامية عابرة للحدود، متهمًا إياه بتمويل أنشطة تهريب المخدرات وتقديم دعم مالي مباشر لحزب الله وإيران، في محاولة لإضفاء بعد أمني دولي على العملية وتوسيع دائرة خصومها.
وتدرك تل أبيب جيدًا أن ما جرى في كراكاس من شأنه إحداث ارتدادات قوية في طهران، التي تتابع المشهد بقلق وترقّب، لا سيما في ظل التلميحات المتصاعدة من واشنطن وتل أبيب حول إمكانية تكرار السيناريو ذاته مع القيادة الإيرانية، أو التمهيد لعمل عسكري مباشر ضد إيران.
وهي رسائل قد لا تكون واقعية بالكامل، لكنها تندرج بوضوح في إطار الحرب النفسية، وتهدف إلى تعظيم الضغوط على طهران ودفعها نحو إبداء قدر أكبر من المرونة في الملفات المتقاطعة مع الأجندة الصهيوأمريكية.
إلى جانب ذلك، فإن إزاحة مادورو من المشهد تعني، من منظور إسرائيلي، إضعاف أحد أبرز حلفاء إيران في أمريكا اللاتينية، وهو تطور يصب في مصلحة الكيان بشكل غير مباشر، خصوصًا أن فنزويلا شكّلت على مدار سنوات نافذة حيوية لطهران للالتفاف على العقوبات الأمريكية وإنعاش خزينتها الاقتصادية.
ترسيخ استراتيجية الحديقة الخلفية
سعت إدارة دونالد ترامب إلى إعادة تكريس مقاربة أمنية تقوم على التصدي الصارم لأي تحركات يُنظر إليها بوصفها تهديدًا لما تسميه الولايات المتحدة “حديقتها الخلفية”، في إحياء مباشر لما يُعرف سياسيًا وإعلاميًا بـ”مبدأ مونرو”.
ووفق هذه الرؤية، تتحوّل الدول المجاورة لأمريكا من كيانات ذات سيادة كاملة إلى فضاءات مفتوحة للتدخل، تُباح فيها كل الأدوات والوسائل، تحت ذريعة حماية أمن ورفاهية ساكني البيت الأبيض في واشنطن.
ومنذ مطلع القرن العشرين، وتحديدًا عام 1904، أضفى الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت بُعدًا أكثر خشونة على “عقيدة مونرو”، حين منح بلاده حق لعب دور “شرطي العالم” في النصف الغربي من الكرة الأرضية، ولم يبقِ هذا التحول حبيس التنظير، بل تُرجم إلى تدخلات عسكرية مباشرة في الدومينيكان (1904)، ونيكاراغوا (1911)، وهايتي (1915)، في تكريس مبكر لسياسة فرض الإرادة بالقوة.
وخلال الحرب الباردة، بلغت هذه التدخلات ذروتها تحت شعار مواجهة المد الشيوعي، فشهدت المنطقة عمليات مفصلية، أبرزها الانقلاب على حكومة جاكوبو أربينز في غواتيمالا عام 1954، ومحاولة غزو خليج الخنازير في كوبا عام 1961 للإطاحة بفيدل كاسترو، وهي المحاولة التي كادت تجرّ العالم إلى أول مواجهة نووية في تاريخه، قبل أن تتطور لاحقًا إلى نموذج “الاعتقال السياسي” مع الإطاحة بمانويل نورييغا، رئيس بنما، عام 1989.
وبالمنطق ذاته، تتحرك دولة الاحتلال الإسرائيلي، مستلهمة هذه العقيدة، لكنها توسّع نطاقها ليشمل الإقليم بأسره، معتبرة أن دول المنطقة، من فلسطين ولبنان وسوريا، مرورًا باليمن والعراق، وصولًا إلى مصر، ليست سوى امتداد لحديقتها الخلفية والأمامية معًا، ووفق هذا المنظور، تصبح هذه الدول أهدافًا مشروعة متى ما رأت تل أبيب أنها تشكّل تهديدًا لأمنها القومي.
ومن هنا، تجد إسرائيل في عملية اختطاف مادورو، غطاءً سياسيًا وقانونيًا غير معلن يبرّر سياساتها التوسعية ويحصّنها من أي مساءلة أو ملاحقة دولية، فإذا كان هذا هو النهج الذي تتبناه واشنطن بلا حرج، فلا ترى تل أبيب سببًا يمنعها من السير على الخط ذاته، ولو كان ذلك على حساب القانون الدولي واستقرار المنطقة بأسرها.
رافعة لتمرير السردية الإسرائيلية
في المحصلة، تشكّل عملية كراكاس، بكل تفاصيلها وتداعياتها، رافعة سياسية جديدة لتمرير السردية الإسرائيلية القائمة على إحلال منطق القوة محل القانون، وتسويق الإجرام الدولي تحت لافتة “حماية الحديقة الخلفية”، وهي سردية تشرعن استراتيجيات الخطف والاعتقال والقتل والانتهاكات بوصفها بدائل “مشروعة” للمفاوضات والمسارات الدبلوماسية.
وفي ظل هذا المناخ، تجد تل أبيب في مثل هذه العمليات غطاءً مثاليًا لتبرير سياساتها العدوانية، والاطمئنان إلى غياب أي مساءلة قانونية أو ملاحقة دولية جدّية. ومن هنا يمكن القول إن الابتهاج الإسرائيلي السريع بالعملية، بعد دقائق قليلة من الإعلان عنها، لا يعكس مجرد موقف سياسي عابر، بقدر ما يكشف قناعة راسخة بأن ما بعد اختطاف مادورو لن يكون كما قبله، وأن مرحلة أكثر وقاحة في إدارة الصراعات قد فُتحت أبوابها على مصراعيها.



