
كيف تأثرت غزة بالحرب على إيران؟
د. عماد عنان
يشهد الإقليم، يومًا بعد يوم، حالة متسارعة من التعقيد والتصعيد، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي أخذت منحىً متفاقمًا منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، وسط تنامٍ ملحوظ للمخاوف من خروجها عن حدودها المباشرة، لتتدحرج نحو صدام إقليمي واسع، وربما إلى مواجهة دولية مفتوحة على سيناريوهات بالغة الخطورة.
وفي قلب هذه المواجهة، تبرز غزة بوصفها أحد العوامل المركزية المحركة لمسارات الصراع، إذ لعبت خلال المرحلة الأخيرة دورًا محوريًا في إعادة تشكيل توازنات المنطقة، حتى غدت بمثابة بوصلة تحدد اتجاهات الإقليم ومآلاته، بالنظر إلى ما تمثله من ثقل جيوسياسي خاص، وما تحمله من رمزية عقدية ووطنية ذات أثر بالغ في تحريك الفواعل والقوى.
ورغم أن غزة لا تبدو، من الناحية الظاهرية، طرفًا مباشرًا في هذه المواجهة، فإنها ليست بمنأى عن تداعياتها المتسعة وارتداداتها المتلاحقة، التي امتدت آثارها إلى مختلف دول الإقليم دون استثناء، ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري: ما أبرز الانعكاسات والتداعيات التي يمكن أن تفرضها تلك الحرب على واقع المشهد في قطاع غزة؟
إعلاميًا.. تراجع الاهتمام الدولي بغزة
أفضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بما رافقها من تصعيد متسارع، إلى إعادة ترتيب سلّم الأولويات السياسية والإعلامية على المستويين الإقليمي والدولي، مستقطبةً جانبًا واسعًا من الاهتمام الذي كان موزعًا على عدد من الملفات الساخنة، وفي مقدمتها ملف غزة، الذي تراجع حضوره بصورة ملحوظة مع انتقال بوصلة المتابعة إلى هذه الجولة الجديدة من الصراع.
ومع تشابك هذه الحرب مع مصالح قوى دولية متعددة، وما تحمله من مؤشرات تنذر بإمكانية الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تنخرط فيها أطراف وكيانات ذات وزن وتأثير على الساحة الدولية، تصاعدت وتيرة الاهتمام الإعلامي بها على نحو كثيف، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على ملف غزة، الذي انحسر حضوره في التغطيات الإعلامية منذ اندلاع الحرب، رغم حالة الزخم السياسي والإنساني التي كانت تحيط به قبيل الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي.
ومن شأن هذا التراجع في مستوى الحضور الإعلامي أن يهيئ بيئة أكثر مواتاة للاحتلال الإسرائيلي لمواصلة انتهاكاته بعيدًا عن القدر ذاته من المتابعة والمساءلة، في ظل انشغال الأطراف الإقليمية والدولية بتطورات المشهد الإيراني، وما يفرضه من استحقاقات وتداعيات متسارعة.
إنسانيًا.. تدهور الوضع المعيشي
منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب ضد إيران، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إغلاق جميع المعابر في الأراضي الفلسطينية، بما فيها معبر رفح، حتى إشعار آخر، في خطوة أعادت إلى الواجهة المخاوف المتصاعدة في قطاع غزة من عودة شبح المجاعة، بعد شهور طويلة من الحصار وسياسات التجويع الممنهج التي أنهكت السكان واستنزفت قدرتهم على الصمود.
وقد انعكس هذا القرار بصورة مباشرة على حركة البضائع والمسافرين، وأدى إلى مزيد من خنق الإمدادات الغذائية والطبية والوقود، في قطاع يعتمد بشكل شبه كامل على ما يرد إليه عبر تلك المعابر، الأمر الذي فاقم من حدة الأوضاع المعيشية والإنسانية، ودفعها إلى مستويات أكثر تدهورًا وخطورة.
ولم تقتصر تداعيات الإغلاق على الغذاء والاحتياجات الأساسية، بل امتدت لتطال القطاع الصحي على نحو بالغ الخطورة، وفي هذا السياق، أكد مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، الدكتور محمد أبو عفش، أن الأوضاع الصحية لا تزال شديدة الصعوبة والتدهور في ظل استمرار إغلاق المعابر الحدودية، مشيرًا إلى غياب أي تنسيق أو موافقة لإدخال الأدوية، في وقت يعاني فيه القطاع أصلًا من نقص حاد في المستلزمات والعلاجات خلال الفترة الأخيرة.
على المستوى الميداني، استغل جيش الاحتلال الإسرائيلي حالة الانشغال الإقليمي والدولي بالحرب على إيران، وما رافقها من تراجع ملحوظ في الزخم الإعلامي المخصص لغزة، من أجل تصعيد انتهاكاته وتكثيف هجماته، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
كما أفضت هذه الإجراءات الإسرائيلية إلى ارتفاع مفاجئ وكبير في أسعار السلع داخل القطاع، وفق ما أكده الكاتب الصحفي الفلسطيني محمد خليل، الذي أشار إلى تسجيل قفزات ملحوظة في أسعار عدد من السلع، ولا سيما الأدوية، منذ بداية الحرب ضد إيران.
وأوضح خليل، في تصريحاته لـ”الترا صوت”، أن تراجع المعروض الناجم عن إغلاق المعابر أتاح للتجار فرصة أوسع لممارسة الابتزاز وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، مشبهًا ما يجري اليوم بما شهده القطاع خلال فترات الحرب السابقة، سواء من حيث الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة من جهة، أو من حيث استغلال بعض التجار والسماسرة لمعاناة السكان من جهة أخرى.
حقوقيًا.. تضييق الخناق
منذ اندلاع الحرب، صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من إجراءاتها القمعية بحق الفلسطينيين، عبر تشديد القيود الأمنية وتوسيع دائرة الانتهاكات، بما شمل تضييق الخناق على السكان وعرقلة حركة التنقل والمرور، ليس في قطاع غزة وحده، وإنما في معظم الأراضي الفلسطينية.
وفي سياق هذا التصعيد، منعت قوات الاحتلال الفلسطينيين من أداء صلاة الجمعة الثالثة من شهر رمضان في المسجد الأقصى، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وفرضت قيودًا مشددة في إطار إجراءاتها العسكرية داخل مدينة القدس المحتلة.
ولم تكتفِ بذلك، بل أقدمت على إغلاق المسجد الأقصى، ومنعت المصلين من دخوله منذ ذلك الحين، ليقتصر الوجود داخله على حراس المسجد وسدنته وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، الذين يتولون رفع الأذان وإقامة الصلاة في مواعيدها.
ولم تقتصر هذه الإجراءات القمعية على المسجد الأقصى وحده، بل امتدت لتشمل مواقع دينية أخرى في مدينة القدس، بما في ذلك كنيسة القيامة، في مؤشر واضح على اتساع نطاق التضييق الإسرائيلي ليطال مختلف الرموز الدينية والمعالم المقدسة في المدينة.
ميدانيًا.. خرق اتفاق غزة
على المستوى الميداني، استغل جيش الاحتلال الإسرائيلي حالة الانشغال الإقليمي والدولي بالحرب على إيران، وما رافقها من تراجع ملحوظ في الزخم الإعلامي المخصص لغزة، من أجل تصعيد انتهاكاته وتكثيف هجماته، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
ولم تكتفِ قوات الاحتلال بتجاوز الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق، بل مضت إلى ما هو أبعد من ذلك، متخطية ما عُرف بـ”الخط الأصفر” المحدد باعتباره خط الانسحاب الأولي، لتواصل تغلغلها داخل القطاع وتوسيع نطاق عملياتها العسكرية.
وفي هذا السياق، شن جيش الاحتلال عشرات الغارات التي استهدفت شارع صلاح الدين الرئيسي عند مدخل حي الشجاعية شرق مدينة غزة، على مسافة تُقدَّر بنحو 230 مترًا من الخط الأصفر، كما نفذ قصفًا مدفعيًا مكثفًا وعمليات إطلاق نار في مناطق متفرقة شرقي قطاع غزة، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا بين شهداء وجرحى، وفي السياق ذاته، استهدفت طائرات مسيّرة المنطقة الجنوبية من مدينة خان يونس جنوب القطاع، بالتزامن مع قصف مدفعي طال حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.
ولم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية عند حدود القصف المدفعي والهجمات الجوية عبر الطائرات المسيّرة، بل امتدت أيضًا إلى البحر، حيث دخلت الزوارق الحربية على خط المواجهة، مطلقة نيرانها بشكل مكثف قبالة سواحل مدينة خان يونس، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف المناطق الواقعة شمال شرقي مخيم البريج وسط القطاع.
الضفة الغربية.. تهجير ممنهج على أيدي المستوطنين
لم تكن الضفة الغربية بعيدة عن موجة التصعيد المتسارعة، إذ استغل المستوطنون الانشغال الإقليمي والدولي بالحرب ضد إيران لتوسيع دائرة اعتداءاتهم وجرائمهم بحق الفلسطينيين، في ظل تصاعد المخاوف من تسريع وتيرة تهجير التجمعات البدوية والاستيلاء على مساحات إضافية من الأراضي.
وفي هذا السياق، يؤكد حسن مليحات، المشرف العام على منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو، أن اعتداءات المستوطنين لم تتوقف أصلًا، لكنها شهدت منذ اندلاع الحرب ارتفاعًا ملحوظًا، لا سيما في المناطق المصنفة (ج)، التي تتعرض أساسًا لضغوط ممنهجة ومتواصلة تستهدف الوجود الفلسطيني فيها.
ويشير مليحات إلى أن المستوطنين، بدعم من السلطات الإسرائيلية، يوظفون المناخ السياسي والأمني المرتبط بالحرب، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، من أجل تكثيف الضغوط على الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم، وهو ما يتجلى بوضوح في تصاعد الهجمات على التجمعات البدوية والمواطنين الفلسطينيين، فضلًا عن إغلاق مناطق فلسطينية وإعلانها مناطق عسكرية، كما حدث في تجمع شكارة البدوي جنوبي نابلس، في خطوة تندرج ضمن سياسة أوسع لتضييق الخناق على السكان ودفعهم نحو التهجير القسري.
ويتفق معه في الرأي أمير داوود، مدير وحدة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي أشار إلى أن المخاوف التي طالما حذرت منها الجهات الفلسطينية قبل اندلاع الحرب بدأت تتحول إلى واقع ملموس، مع استغلال المستوطنين لحالة الانشغال الدولي والإقليمي بالحرب من أجل تصعيد اعتداءاتهم ضد الفلسطينيين.
ويوضح أن الاستهداف يتركز بصورة خاصة على التجمعات البدوية، باعتبارها من أكثر الفئات الفلسطينية هشاشة وعرضة لخطر التهجير في الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن الفترة الماضية شهدت تصاعدًا كبيرًا في الاعتداءات على التجمعات البدوية في منطقة الأغوار الشمالية، الأمر الذي أفضى إلى تهجير ما بين ثلاثة إلى خمسة تجمعات بشكل جزئي أو كلي.
سياسيًا.. تجميد الاتفاق مرحليًا
أدى انخراط حزب الله في دائرة المواجهة المرتبطة بالحرب على إيران، إلى جانب البيان الصادر عن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” والذي هاجمت فيه الاحتلال ونعَت المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى تراجع الاهتمام، ولو بصورة مؤقتة، باتفاق غزة المبرم في شرم الشيخ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
كما أن اتساع رقعة المواجهة وتعدد الجبهات من شأنه أن يدفع واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بما يقلص من قدرتها على متابعة تنفيذ اتفاق غزة ودفع مساره المتعثر أصلًا، وهو ما يهدد بتجميده عمليًا.
فالنزعة الإسرائيلية الواضحة نحو توسيع دائرة الاشتباك وفتح جبهات إضافية، إلى جانب الخروقات التي شهدها القطاع منذ اندلاع الحرب الحالية، تجعل الحديث عن بنود الاتفاق، في هذه المرحلة، أقرب إلى الطرح النظري منه إلى إمكانية التطبيق الفعلي على الأرض.
غزة، وإن لم تكن طرفًا مباشرًا على الورق في هذه المواجهة، لا تبدو بعيدة عن تأثيراتها ولا خارج حساباتها الاستراتيجية، بل تظل حاضرة في خلفية المشهد بوصفها أحد أبرز محددات التوازنات الإقليمية ومحركاتها الأساسي
وأمام هذا المشهد المضطرب، وما يحيط به من شكوك بشأن نوايا تل أبيب في استثمار الظرف الإقليمي لتجميد الاتفاق، برز الموقف المصري داعيًا إلى منع اتساع الصراع، ومشددًا على ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وفي هذا الإطار، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ تطورات الأوضاع في غزة، مؤكدَين أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها من داخل القطاع، إلى جانب ضرورة نشر قوة استقرار دولية لمراقبة وقف إطلاق النار، والعمل على خفض التصعيد في المنطقة ومنع انزلاقها إلى دائرة صراع أوسع.
ما المآلات؟
في المحصلة، ورغم الارتدادات السلبية التي ألقتها الحرب على واقع غزة، فإن مآلات المشهد تظل رهينة بالتطورات الميدانية والسياسية في الإقليم، ولا سيما في ظل التزام فصائل المقاومة في القطاع، حتى الآن، بحالة من الحياد النسبي والاكتفاء بالمواقف والبيانات السياسية.
غير أن هذا التموضع لا يعني بالضرورة ثبات المشهد أو استقراره، إذ تبقى كل الاحتمالات مفتوحة على تبدلات مفاجئة قد تفرضها مسارات الحرب ذاتها، أو احتمالات انخراط أطراف ومحاور أخرى في المواجهة، بما في ذلك الحوثيون وغيرهم، الأمر الذي قد يعيد خلط الأوراق على نحو واسع.
ومن ثم، فإن غزة، وإن لم تكن طرفًا مباشرًا على الورق في هذه المواجهة، لا تبدو بعيدة عن تأثيراتها ولا خارج حساباتها الاستراتيجية، بل تظل حاضرة في خلفية المشهد بوصفها أحد أبرز محددات التوازنات الإقليمية ومحركاتها الأساسية.
فالموقع السياسي والرمزي الذي تحتله القضية الفلسطينية عمومًا، وغزة على وجه الخصوص، يجعلها بوصلة رئيسية في قراءة اتجاهات المنطقة، وعنصرًا لا يمكن عزله عن أي تحولات كبرى تعصف بالإقليم أو تعيد تشكيل خرائطه وتحالفاته.
(الترا صوت)



