
ماذا تعني عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم بعد 1000 يوم من الحرب؟
في الحادي عشر من يناير/كانون الثاني الجاري، أعلن رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس استئناف عمل الحكومة بكامل تشكيلها ومؤسساتها من داخل العاصمة الخرطوم، إيذانًا بعودتها الرسمية إلى ممارسة مهامها من قلب العاصمة بعد فترة من الغياب القسري.
ويأتي هذا القرار متزامنًا مع مرور ألف يوم على اندلاع “حرب الجنرالات” في الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023، وهي الحرب التي دفعت الحكومة إلى الانتقال نحو مدينة بورتسودان، التي اضطلعت بدور العاصمة الإدارية المؤقتة في ظل ما لحق بالخرطوم من دمار واسع طال عددًا من مقارها الحكومية والمؤسسات السيادية.
ولا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن سياقها الزمني والسياسي، إذ تنطوي على دلالات متعددة وتحمل رسائل مركبة إلى الداخل والخارج في آن واحد، كما تعكس، ولو بشكل نسبي، مؤشرات على التحولات التي شهدها المشهد السوداني، سواء على الصعيد الأمني أو في موازين الحركة السياسية داخل البلاد.
لماذا انتقلت الحكومة إلى بورتسودان؟
بعد أيام معدودة من اندلاع المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع في العاصمة الخرطوم، اضطرت الحكومة المحسوبة على المؤسسة العسكرية إلى نقل مقر عملها نحو مدينة بورتسودان، في خطوة اضطرارية ذات طابع مؤقت.
ويعود هذا الانتقال إلى التحولات العسكرية التي شهدتها الخرطوم، ولا سيما سيطرة ميليشيا الدعم السريع على مساحات واسعة من المدينة، وما ترتب على ذلك من تدمير ممنهج لمبانٍ وزارية ومقرات عسكرية، وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه ورعاية صحية. كما أدت حدة الاشتباكات والقصف المتواصل إلى نزوح جماعي لموظفي الدولة، الأمر الذي أفقد العاصمة مقوماتها كحاضنة للعمل الإداري والمؤسسي.
يعود اختيار بورتسودان إلى أن المدينة تتمتع -بحكم موقعها كميناء استراتيجي على البحر الأحمر- بهامش أعلى من الاستقرار الأمني خارج نطاق مسارح القتال المباشر، فضلًا عن وجود ترتيبات عسكرية مكّنت من تأمين خطوط الإمداد والتجارة الدولية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
كما أسهم موقعها الساحلي في الحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي والتنسيق مع المنظمات الإقليمية والدولية، بما عزز استمرارية الحكومة وحافظ على حد أدنى من شرعيتها السياسية.
لماذا العودة الأن.. ما الذي تغير؟
بعد نحو ثلاثة أعوام من إدارة شؤون الدولة من مدينة بورتسودان، عادت الحكومة السودانية إلى العاصمة الخرطوم، مستندة إلى تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية واستعادة القوات المسلحة سيطرتها على العاصمة عقب معارك ضارية خاضتها ضد ميليشيا الدعم السريع، الأمر الذي أسفر عن انتقال ثقل العمليات العسكرية من الخرطوم إلى ولايات كردفان وإقليم دارفور بصورة أساسية.
ورغم استمرار تهديدات محدودة، تمثلت في هجمات متفرقة بالطائرات المسيّرة نفذتها قوات الدعم السريع واستهدفت بعض مناطق العاصمة، فإن المشهد الأمني بات، وفق التقديرات الرسمية، أكثر استقرارًا بما يسمح باستئناف العمل الحكومي.
ما الدلالات التي تحملها هذه الخطوة؟
تنطوي هذه الخطوة على جملة من الدلالات البالغة الأهمية، يمكن تقسيمها على النحو الآتي:
أولًا: الدلالات السياسية
– إعادة تثبيت شرعية الدولة
تعكس العودة إلى مباشرة العمل من داخل العاصمة محاولة واضحة لإعادة ترسيخ مركز السيادة وصناعة القرار، بعد مرحلة أُديرت فيها شؤون الدولة من عواصم بديلة فرضتها ظروف الحرب. فالخرطوم لا تمثل مجرد حيز جغرافي، بل تُعد رمزًا للدولة السودانية الحديثة ومقر مؤسساتها السيادية، والعودة إليها تحمل في طياتها استعادة رمزية ومعنوية لهيبة الدولة.
-تكريس تفوق سياسي على ميليشيا الدعم السريع
تشكل هذه العودة رسالة سياسية مباشرة مفادها أن الجيش السوداني نجح في فرض مقاربته على مسار الصراع، واستعاد السيطرة على العاصمة، بما يؤكد قدرته على الصمود والبقاء في مركز السلطة. وهي رسالة موجهة بالأساس إلى محمد حمدان دقلو (حميدتي) وميليشيا الدعم السريع، التي كانت تفرض حضورها العسكري على الخرطوم خلال السنوات الثلاث الماضية.
-تعزيز الموقف التفاوضي
من خلال العودة إلى الخرطوم، يسعى الجيش إلى فرض واقع جديد يسبق أي تسوية سياسية محتملة، إذ تمنح هذه الخطوة الحكومة أفضلية واضحة على طاولة المفاوضات مستقبلًا. فوجودها الفعلي داخل العاصمة وإدارتها لمؤسسات الدولة من مركزها الطبيعي يعزز قدرتها على تقديم نفسها كسلطة قائمة على الأرض، لا كحكومة منفية أو إدارة مؤقتة تعمل من مدينة بديلة.
ثانيًا: الدلالات الأمنية
-تحول نوعي في ميزان السيطرة
تعكس عودة الحكومة إلى مباشرة أعمالها من قلب العاصمة الخرطوم تطورًا لافتًا في موازين السيطرة الميدانية، بما يوحي بقدرة الجيش على فرض حدٍّ مقبول من الأمن، وإحكام الطوق على العاصمة عبر مداخلها ومخارجها الحيوية.
وتمثل هذه الخطوة مؤشرًا على انتقال زمام المبادرة العسكرية من حالة الدفاع والاحتواء إلى مرحلة أكثر فاعلية، بعد أن كان ميزان السيطرة يميل سابقًا لصالح ميليشيا الدعم السريع.
-إعادة تموضع الجيش والأجهزة النظامية
تشير هذه العودة إلى إعادة رسم خارطة التموضع العسكري والأمني داخل السودان، إذ إن بسط النفوذ على الخرطوم — باعتبارها مركز الثقل السياسي والعسكري — يعني عمليًا نجاح الجيش في إعادة تنظيم صفوفه، وبناء منظومة متماسكة للقيادة والسيطرة تنطلق من العاصمة، بما يعزز من قدرته على إدارة العمليات وتوحيد القرار الأمني والعسكري.
-رسائل مزدوجة للداخل والخارج
تحمل العودة دلالات سياسية تتجاوز بعدها الميداني، إذ تبعث برسالة طمأنة للشارع السوداني مفادها أن الدولة استعادت جزءًا معتبرًا من قدرتها على فرض النظام وإدارة شؤون البلاد، وفي الوقت ذاته، تشكل رسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية والدولية بأن أي مسار سياسي أو تعامل دبلوماسي مستقبلي لا يمكن أن يتجاوز حكومة موجودة فعليًا في عاصمتها وتمارس سلطتها من مركزها السيادي.
ثالثًا: الدلالات الاقتصادية
-استعادة الدورة الاقتصادية
تحمل العودة إلى عاصمة الدولة دلالة اقتصادية جوهرية، إذ تعني – من منظور عملي – السعي إلى إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية للبلاد، فالخرطوم تمثل القلب النابض للاقتصاد السوداني، بما تحتضنه من مصارف ومقار شركات وأنشطة تجارية ومالية، فضلًا عن كونها مركز الثقل الذي يوازن حركة الاقتصاد الوطني.
ومن ثم، تهدف هذه الخطوة، ولو على المستوى النظري في مرحلتها الأولى، إلى تحريك الأنشطة المتوقفة وإعادة ضخ الحد الأدنى من الحيوية في شرايين الاقتصاد.
-رسالة طمأنة للمستثمرين والمانحين
كما تعكس العودة إلى العمل من داخل العاصمة رسالة سياسية واقتصادية مزدوجة مفادها أن الحكومة تمكنت من استعادة حد أدنى من الاستقرار والأمن، وهو الشرط الجوهري لأي بيئة استثمارية قابلة للحياة.
وبذلك، توجه هذه الخطوة إشارات طمأنة إلى المستثمرين والجهات المانحة بأن الأوضاع تسير نحو مسار أكثر انتظامًا، بما يفتح المجال أمام استئناف الدعم الاقتصادي والإنساني بصورة أكثر تنظيمًا ومأسسة.
رابعًا: الدلالات المؤسسية
-إحياء مؤسسات الدولة المعطّلة
على امتداد ما يقارب ثلاثة أعوام، تعرضت غالبية مؤسسات الدولة السودانية لحالة من الشلل شبه الكامل، إذ اقتصر أداء الحكومة خلال فترة وجودها في بورتسودان على الحد الأدنى من الوظائف الإدارية.
ومع العودة إلى العاصمة، يُفترض أن تبدأ هذه المؤسسات في استعادة دورها تدريجيًا، بما يشمل الوزارات، والبنك المركزي، والمؤسسة القضائية، وأجهزة الخدمة المدنية، وهي كيانات يرتبط أداؤها الفعّال بطبيعتها بمركز الدولة في الخرطوم.
وعليه، تمثل العودة محاولة لإعادة تشغيل الحد الأدنى من جهاز الدولة واستعادة قدر من الانتظام المؤسسي.
-محاولة كبح التفكك الإداري والمؤسسي
ورغم أن إدارة شؤون الحكم من بورتسودان وفّرت درجة من الاستقرار النسبي، فإنها حملت في طياتها دلالة سلبية عكست واقع الانقسام الإداري وازدواجية مراكز القرار، بما أوحى بوجود دولة تعمل من مقرين، مركز أصلي وآخر بديل.
أما العودة إلى الخرطوم، فتسعى إلى إعادة توحيد البنية الإدارية والمؤسسية، في مسعى واضح للحد من مظاهر التفكك ومنع ترسيخ سيناريو الدولة المجزأة إداريًا.
خامسَا: الدلالات الرمزية والمعنوية
تحمل هذه العودة دلالات رمزية بالغة الأهمية، على رأسها كسر الصورة السلبية التي رسّختها ميليشيات الدعم السريع عن “العاصمة الساقطة”، وهي الصورة التي تركت أثرًا نفسيًا سلبيًا على الشارع السوداني.
ومن ثم، فإن العودة لمباشرة العمل من الخرطوم تعكس رسالة أمل، ولو كانت هشّة في بدايتها، تؤكد قدرة الدولة على استعادة حضورها ومكانتها.
وفي سياق متصل، تُعيد هذه الخطوة الاعتبار لوحدة البلاد، فالخرطوم تمثل رمز الجغرافيا والسلطة، والعودة إليها تُعد رفضًا صريحًا لأي منطق للتقسيم أو لإدارة الدولة من أطراف بعيدة عن مركز القرار الوطني.
في المحصلة، تمثل عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم بعد ثلاثة أعوام من الغياب القسري محاولة لإعادة تثبيت مركز الدولة سياسيًا ورمزيًا أكثر من كونها إعلانًا عن انتصار نهائي.
ومن هنا يمكن القول إنها خطوة تحمل دلالات قوية ورمزيات معتبرة، لكنها في ذات الوقت تبقى هشّة ما لم تصاحبها إجراءات عملية نحو استقرار أمني حقيقي، وإدارة مدنية فاعلة، ومسار سياسي شامل يعالج جذور الصراع وليس مجرد مظاهره.



