مقالات

محسن القيشاوي يكتب: أبعد من الصواريخ.. من سيكتب نهاية هذه الحرب؟

تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تتحرك الضربات الجوية والعمليات العسكرية المتبادلة بالتوازي مع الضغط الاقتصادي والتحركات الدبلوماسية. فالمعارك لم تعد مجرد مواجهة تكتيكية في الميدان، بل أصبحت حربًا متعددة الطبقات، تديرها واشنطن وتل أبيب في محاولة لفرض شروطهما، بينما تحاول طهران تحويل عامل الوقت والاقتصاد إلى أدوات ضغط استراتيجية، ما يحوّل الصراع إلى سباق استنزاف طويل الأمد لا يقتصر على ساحة المعركة وحدها.

معادلة ردع جديدة أم حرب مفتوحة؟

يبدو أن ما تغيّر فعلًا، خلال الأسابيع الأخيرة، في مشهد التصعيد الحالي، هو الإدراك الإسرائيلي بأن الحرب باتت حالة مستمرة، ولم تعد جولة خاطفة تحقق أهدافها في أيام. ولهذا فإنّ مضاعفة إنتاج الصواريخ الاعتراضية ثلاث مرات، مع توقع رفعها إلى أربعة، ليست مجرد استجابة تقنية وحسب، بل هي إعادة ضبط كبيرة على مستوى العقيدة العسكرية، عبر الانتقال من اقتصاد حرب قصيرة إلى اقتصاد الحرب المفتوحة.

يتقاطع هذا التحول مع مؤشرات متزايدة على إعادة ترتيب الأولويات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك تعديل جداول التسليم وتفضيل الاحتياجات الداخلية على التصدير، في إشارة إلى قناعة متنامية بأن المواجهة لن تكون قصيرة أو محسومة سريعًا.

في هذا السياق، يرى المحلل العسكري لصحيفة “معاريف”، آفي أشكنازي، أن “إيران تعمل على فرض معادلة جديدة في المواجهة مع إسرائيل”، في ظل استمرارها في الرد على الضربات الإسرائيلية رغم التصعيد المتواصل. ويشير هذا التقدير إلى انتقال الصراع من مرحلة الردع الأحادي إلى توازن أكثر تعقيدًا قائم على تبادل الضربات.

ويضيف أشكنازي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يروّج لخطاب سياسي يقوم على تصوير الخصوم كأطراف “مهزومة”، في حين تعكس الوقائع الميدانية عكس ذلك، مع استمرار الهجمات الإيرانية بوتيرة منتظمة، ما يكشف فجوة متزايدة بين الرواية الرسمية ومسار العمليات على الأرض.

في المقابل، يسعى الجيش الإسرائيلي إلى فرض نطاق أمني يحد من التهديدات، إلا أن هذا التوجه يفتقر، بحسب التقديرات ذاتها، إلى غطاء سياسي واضح أو استراتيجية طويلة المدى، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا، أبرزها الانزلاق إلى مواجهة متعددة الجبهات.

وكان نتنياهو قد صرّح خلال زيارة للقيادة الشمالية بأن “إيران لم تعد كما كانت، وكذلك حماس وحزب الله”، معتبرًا أنهم “أعداء مهزومون يقاتلون من أجل بقائهم”، غير أن هذا الطرح يصطدم بتصعيد ميداني متواصل.

وعلى الأرض، تتجه العمليات نحو نمط أكثر خطورة، حيث تستهدف إسرائيل البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك حقول الغاز والمواقع النووية، فيما ترد إيران بضرب منشآت استراتيجية داخل العمق الإسرائيلي، مثل مصافي النفط في حيفا وموقع ديمونة، في محاولة واضحة لترسيخ معادلة ردع متبادلة، تعيد رسم قواعد الاشتباك في الصراع.

إيران تحول الزمن والاقتصاد إلى سلاح

يترافق هذا التحول الزمني مع مؤشر ثانٍ أكثر حساسية، يتمثل في بداية تآكل القدرة الغربية على الحفاظ على كثافة العمليات العسكرية. فالأرقام التي تحدثت عنها الصحف بشأن إطلاق أكثر من 850 صاروخ “توماهوك”، بالتوازي مع تراجع عدد الأهداف اليومية، لا يمكن قراءتها كمعطى تقني عابر، بل كإشارة واضحة إلى دخول الحرب مرحلة إدارة الموارد بدل تحقيق الحسم.

ويتقاطع ذلك مع تقارير عن استعداد لعمليات برية محدودة في حال فشل المسار السياسي، ما يعكس ضمنيًا أن الضربات الجوية، رغم كثافتها، لم تنجح في فرض النتيجة المطلوبة. وعندما تبدأ القوة الجوية، بوصفها العمود الفقري للعقيدة العسكرية الأميركية، بالبحث عن بدائل برية، فإن ذلك يعني بلوغ سقف عملياتي من دون تحقيق الهدف السياسي.

في المقابل، يبدو السلوك الإيراني أكثر انسجامًا مع منطق إدارة إيقاع الحرب لا حسمها. فاستمرار إطلاق الموجات الصاروخية، التي تجاوزت، وفق بيانات الحرس الثوري، الموجة الـ87، مع الحفاظ على وتيرة قابلة للاستدامة، يكشف عن استراتيجية تقوم على استنزاف الخصم عبر الزمن، وتحويل عامل الوقت إلى أداة ضغط بحد ذاته، حيث تُقاس الفعالية هنا بقدرة الاستمرار لا بحجم التدمير.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن فصل ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولارًا للبرميل عن سياق المعركة، إذ لم يعد العامل الاقتصادي مجرد نتيجة للحرب، بل تحول إلى أحد ميادينها. تحذيرات الخبراء من صدمة نفطية طويلة الأمد، واحتمال استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، تكشف أن طهران تستهدف الحلقة الأكثر أهمية في المنظومة الغربية: الاقتصاد.

في المقابل، تشير تقديرات نشرتها صحيفة “الإيكونوميست” إلى أن عائدات إيران النفطية اليومية تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل الهجوم الأميركي–الإسرائيلي في 28 شباط/فبراير، ما يعكس مفارقة لافتة: فبينما تتعرض إيران لضربات عسكرية مباشرة، فإنها في المقابل تحقق مكاسب ملموسة في ساحة الطاقة، بما يعزز موقعها في معادلة الصراع.

التكتيك مقابل الاستراتيجية

لكن هذه المعادلة لا تعمل في اتجاه واحد. فالضربات الإسرائيلية على منشآت مثل مفاعل “أراك” (خنداب) تظهر أن إسرائيل لا تزال قادرة على تحقيق إنجازات تكتيكية عالية القيمة، خاصة مع استخدام صواريخ متطورة مثل (PrSM). ومع ذلك، فإن هذه النجاحات قد تأتي بتكلفة سياسية كبيرة، لا سيما عند سقوط مدنيين أو حدوث أخطاء استهداف، مما يعيد إلى الواجهة معضلة قديمة في هذا النزاع: فالنجاح التكتيكي وحده لا يضمن أي مكسب حقيقي ما لم يُترجَم إلى نتائج استراتيجية ملموسة.

وفي الوقت نفسه، تكشف هذه العمليات عن فجوة بين القدرة العسكرية على الأرض والقدرة على الضغط السياسي والاقتصادي. فبينما يمكن لإسرائيل تحقيق ضربة ميدانية دقيقة، فإن طهران تتحرك على جبهة موازية من خلال التحكم في صادرات الطاقة ورفع أسعار النفط، ما يحوّل الصراع إلى حرب متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الميدان وحده. هذا التباين يجعل من الضروري أن تنظر القيادات إلى النتائج بعين شاملة، تجمع بين المكاسب التكتيكية والمنافع الاستراتيجية، لتفادي سقوط النجاحات الميدانية في فخ المكاسب الرمزية فقط.

جنوب لبنان جبهة استنزاف مستمرة

في هذا السياق، تظهر الجبهة اللبنانية أشبه بالمرآة المكبّرة للمأزق الإسرائيلي. فالتقارير اليومية توثق تصاعد العمليات، من استهداف قواعد عسكرية في العمق الإسرائيلي إلى خسائر في صفوف الجنود، بالتوازي مع محاولات إسرائيل فرض “مناطق عازلة”. غير أن النتيجة الفعلية ليست تثبيت المعادلة الجديدة بقدر ما هي فتح جبهة استنزاف إضافية.

فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن إجمالي الخسائر منذ بدء العمليات البرية في جنوب لبنان عشرة قتلى و309 ضباط وجنود مصابين، بينهم 23 في حالة خطرة، مع استمرار سقوط الجنود في مواجهات يومية، ما يعكس ثمن المحاولات الإسرائيلية للسيطرة الميدانية.

وبعد حادثة مقتل أربعة جنود في جنوب لبنان، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال جلسة الحكومة قائلًا: “نحن نُنشئ منطقة أمنية واسعة ونقوم بتطهير القرى. وقد وجّهت بأن يعمل الخط الأصفر للجيش الإسرائيلي على إبعاد إطلاق صواريخ مضادة للدروع عن بلداتنا. كما وجّهت أيضًا إلى تجنّب قدر الإمكان إدخال جنودنا إلى عمليات تطهير المنازل، واستخدام قدر الإمكان الآليات الهندسية الثقيلة والذخائر. نحن نريد تقليل الخسائر المؤلمة قدر الإمكان”.

غير أن تصريحات نتنياهو تكشف فجوة بين الطموح السياسي والتكتيكي والواقع الميداني، إذ تتحول محاولات السيطرة المكانية في جنوب لبنان إلى عبء عملياتي مستمر على الجيش الإسرائيلي، بدلًا من أن تكون ورقة ضغط فعّالة، ما يعكس صعوبة ترجمة الإنجازات التكتيكية إلى نتائج استراتيجية ملموسة.

مسار تفاوضي غامض ومتناقض

أما المسار التفاوضي، فيبدو الأكثر تعقيدًا والتباسًا. فالتصريحات المتناقضة تظهر أن التفاوض لا يعمل كمسار مستقل يوازي العمليات العسكرية، بل كأداة تُدار من داخل ديناميات الحرب نفسها.

الوساطات الدولية، من بينها جهود باكستانية وقنوات غير مباشرة أخرى، تتحرك وفق ما يبدو دون وجود أرضية مشتركة بين الأطراف. الولايات المتحدة تصر على شروط أمنية واضحة لوقف الأعمال القتالية، بينما تطرح إيران مطالب استراتيجية، مثل فتح مضيق هرمز مقابل تنازلات محددة. كل ذلك يشير إلى أن التفاوض لم يصل بعد إلى مرحلة الحلّ، ولا يزال محصورًا في مرحلة اختبار الحدود والقدرات.

من جانبها، شددت إسرائيل على موقفها الحذر، حيث أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار مع إيران لن يمتد تلقائيًا إلى لبنان، موضحًا أن القرار بشأن وقف إطلاق النار في الجنوب يجب أن يكون مستقلًا وسياديًا لإسرائيل، وفق قوله.

حرب متعددة الطبقات

تتضح في هذه الحرب طبقات متعددة من الصراع، حيث يتحرك كل مسار موازٍ عندما يتعثر الآخر. فعندما يفشل الحسم العسكري في تحقيق أهدافه، يتقدم الضغط الاقتصادي، وعندما تصل الأسواق إلى حافة الانهيار، يُفتح باب التفاوض، وعندما يتعثر التفاوض تعود العمليات العسكرية للتصعيد مرة أخرى.

الخلاصة المركزية واضحة: الحرب لا تزال بعيدة عن نهايتها. لا يوجد طرف قادر على فرض حسم كامل، كما أن لا طرف مستعد لقبول الهزيمة، ما يجعل السيناريو الأكثر ترجيحًا هو التسوية الجزئية المبنية على سباق من الإنهاك المتبادل. في هذا السياق، تُترجم الكلفة البشرية والاقتصادية إلى تنازلات تدريجية للطرفين.

الأهم أن طول أمد الحرب يحوّل مركز الثقل من الميدان العسكري إلى الأسواق والاقتصاد، حيث يتحول التحكم بالموارد والأسواق إلى ورقة استراتيجية حاسمة. وفي نهاية المطاف، قد يكون من يسيطر على السوق هو الذي يكتب النهاية الحقيقية للصراع.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى