
محسن القيشاوي يكتب: حرب بلا حسم
بدت الحرب في لحظاتها الأولى حملة عسكرية مركّزة ضد إيران، تهدف إلى تدمير قدراتها العسكرية العليا والسيطرة على خطوطها الاستراتيجية. غير أن التطورات خلال الأسبوع الأول كشفت أن الصراع تجاوز حدود الضربات المباشرة، ليدخل طورًا جديدًا يمكن وصفه بـ”الحرب الإقليمية متعددة الطبقات”، حيث امتدت المواجهات لتشمل دولًا مجاورة وممرات نفطية حيوية، ما يعكس تحول الحرب من محاولة حسم سريع إلى مواجهة معقدة ومتعددة المحاور، يختلط فيها البعد العسكري بالسياسي والاقتصادي، مع إشارات واضحة إلى أن إيران اختارت توسيع رقعة الصراع كاستراتيجية لتكثيف الضغط على خصومها الإقليميين والدوليين.
من الضربة المركّزة إلى انطلاق معركة متعددة الجبهات
أول عناصر الصورة الجديدة هو اتساع جغرافيا المواجهات العسكرية. لم تعد الضربات محصورة داخل إيران وإسرائيل، بل امتدت من الخليج إلى العراق ولبنان والممرات النفطية. وبات سماع الانفجارات العاتية في الدوحة أو دبي أو المنامة، واستهداف قواعد قرب مطار بغداد، وصولًا إلى الهجمات من جنوب لبنان، التي ترافقت مع رد إسرائيلي وإجراءات إخلاء وتحذيرات أمنية امتدت من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية في بيروت، مؤشرات على أن إيران قررت توسيع نطاق الحرب بشكل متعمد.
ويأتي هذا التوسع في سياق استراتيجية الحرب الحديثة، حيث لا يكون الانتصار العسكري المباشر الهدف النهائي، بل الهدف هو خلق أوضاع تجعل كلفة الحرب على الخصم باهظة قدر الإمكان، ما يبرر اتساع الجغرافيا لتشمل محاور متعددة وتهديد خطوط الإمداد والبنى التحتية الحيوية.
الصراع تجاوز الحدود المباشرة ليصبح حربًا إقليمية متعددة الطبقات، تشمل دولًا مجاورة وممرات نفطية، ما يعكس تحول المواجهة إلى صراع معقد ومتعدد المحاور
النظام يعيد ترتيب أوراقه
العنصر الثاني هو أن الضربة الأولى التي استهدفت القيادة الإيرانية لم تحقق الهدف الذي تمناه الحليفان ترامب ونتنياهو. فقد كان من المفترض لاغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعدد كبير من قادة الصف الأول أن يخلق حالة من الفوضى داخل النظام الإيراني، تؤدي إلى انهياره، أو على الأقل شلل مؤسساته. لكن النظام أظهر قدرة على إعادة تنظيم نفسه بسرعة، مع تشكيل مجلس قيادة مؤقتة والاستعداد لاختيار قائد جديد، وهو ما يدفع المشهد نحو مرحلة أشد تعقيدًا.
تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما دمرتا نسبة كبيرة من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية. في حين ما تزال موجات الصواريخ والمسيّرات تُطلق بشكل شبه يومي. ما يشير إلى أن إيران اعتمدت، خلال السنوات الماضية، على بنية عسكرية مختلفة عن الجيوش التقليدية، قائمة على الانتشار الواسع والبنية التحتية تحت الأرض، ضمن ما يسمى “مدن الصواريخ” أو “مزارع الصواريخ”، وهذا يعني أن القدرات الصاروخية الإيرانية ليست مركزة في مواقع قليلة يسهل تدميرها، بل موزعة في شبكة واسعة من الأنفاق والمنصات المتنقلة. لذلك يمكن تدمير جزء كبير من المنظومة دون أن يؤدي ذلك إلى توقفها بالكامل.
استمرار الهجمات على الخليج رغم الاعتذار
على المستوى الإقليمي، سارت دول الخليج العربي في خط شديد الدقة بين طرفي الحرب، لا سيما أنها راحت تتعرض لاعتداءات إيرانية، إلا أن الجديد في المعادلة هو أن الرئيس الإيراني، مسعود پزشکیان، أعلن أن مجلس القيادة المؤقت قرر عدم تنفيذ هجمات ضد دول الجوار ما لم تنطلق منها عمليات عسكرية، وقدّم اعتذارًا لدول المنطقة مؤكدًا أن إيران لا تحمل عداءً لها وتسعى إلى التعاون معها لتعزيز أمن الإقليم.
غير أن هذه الرسائل السياسية لم تؤدِ بالضرورة إلى توقف الهجمات، إذ استمرت حوادث إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه دول الخليج. ويعكس هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني تعقيدات الصراع الدائر، حيث تبدو طهران حريصة على إبقاء الضغط العسكري على الولايات المتحدة وحلفائها، مع محاولة تجنّب فتح جبهة سياسية مباشرة مع دول الخليج نفسها.
الداخل الإيراني يعيد ترتيب أولوياته
في موازاة التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، بدأت تداعيات الحرب تنعكس أيضًا على الداخل الإيراني، حيث تظهر مؤشرات على تحولات في المزاج العام. وتشير المعطيات إلى بروز قدر من التماسك القومي داخل المجتمع، إذ غالبًا ما تعيد الحروب الخارجية تشكيل الديناميات السياسية والاجتماعية داخل الدول. ففي لحظات التهديد الوجودي تميل المجتمعات إلى تعزيز التماسك الداخلي، ولو بصورة مؤقتة، بحيث تتراجع الانقسامات السياسية أمام الشعور بوجود تهديد يمسّ الدولة ككل.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات هذه الحرب، في كون الضربة التي كان يُفترض أن تؤدي إلى انهيار سريع للنظام باتت تتحول إلى عامل يعزز قدرته على الصمود، عبر إعادة تشكيل المشهد الداخلي حول منطق المواجهة مع الخارج.
وبهذا الخصوص، يركز الباحث والكاتب الأميركي-الإيراني حميد دباشي على هذا البعد تحديدًا، مشيرًا إلى أن الهجوم الخارجي يغيّر طريقة إدراك الصراع داخل المجتمع الإيراني. فبدلًا من أن يُنظر إليه بوصفه نزاعًا بين سلطة ومعارضة، يبدأ جزء من الرأي العام في اعتباره صراعًا بين دولة تتعرض لعدوان خارجي وقوى تسعى إلى تغيير نظامها بالقوة. وفي هذا السياق، يصبح حتى بعض المعارضين للنظام أكثر حذرًا في الاصطفاف إلى جانب أي مشروع سياسي يرتبط بالقوة العسكرية الخارجية، لما يحمله ذلك من دلالات ثقافية وسياسية تتصل بفكرة السيادة والكرامة الوطنية.
بهذا المعنى، قد تكون إحدى النتائج غير المقصودة للحرب هي إعادة إنتاج قدر من الشرعية الداخلية للنظام الإيراني، أو على الأقل تأجيل الأزمة السياسية التي كانت تتفاقم في الأشهر التي سبقت اندلاعها.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات هذه الحرب، في كون الضربة التي كان يُفترض أن تؤدي إلى انهيار سريع للنظام باتت تتحول إلى عامل يعزز قدرته على الصمود، عبر إعادة تشكيل المشهد الداخلي حول منطق المواجهة مع الخارج.
صراع ممتد
بدأت الحرب تتحول من ضربة قاصمة إلى صراع مفتوح في المنطقة، فبعد أسبوع واحد بات واضحًا أن الرهان على انهيار سريع للنظام الإيراني لم يتحقق، وأن المواجهة تتجه تدريجيًا نحو حرب طويلة يصعب التحكم بنتائجها.
وعند هذه النقطة بالضبط، لم يعد السؤال يتعلق بما إذا كان النظام الإيراني سيسقط أم لا، بل إلى أي حد يمكن إضعاف إيران قبل أن تتحول الحرب إلى عبء على الولايات المتحدة. ويزداد الضغط خصوصًا إذا ارتفعت أعداد الجنود الأميركيين القتلى، ما قد يفاقم الضغط في الداخل الأميركي، إذ كلما طالت المواجهة وتوسعت جغرافيتها، ازداد خطر تحولها إلى صراع تتشابك فيه حسابات الطاقة والاقتصاد العالمي والتنافس بين القوى الكبرى.

