
مصر 2025.. عام التحديات والخطوط الحمراء ومسلسل الجدل الذي لا ينتهي
شهدت الساحة المصرية في عام 2025 سلسلة من الأحداث التي شكلت ملامح المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وأعادت رسم بعض المسارات، دون أن تحقق اختراقات حقيقية في العديد من الملفات الحساسة.
ومع ذلك، يمكن القول إن العام اتسم نسبيًا بالقدرة على الحفاظ على حالة من الاستقرار النسبي، بعيدًا عن الانزلاق نحو أي تطرف أو أزمة كبرى تحمل ارتدادات وتداعيات مؤلمة وقاسية.
على الصعيد الاقتصادي، ظل التناقض بين الأرقام الرسمية والمعيشة اليومية للمواطنين جليًا، ليكشف فجوة قائمة بين الواقع والبيانات الحكومية، أما السياسة، فقد ألقت بظلالها على المشهد العام، مخلّفة وراءها جدلًا مستمرًا بين التيارات المختلفة داخل الشارع المصري، وفي المقابل، واصل المشهد الثقافي مواجهة تحدياته، مع تعرض هوية القاهرة ورمزيتها الوطنية لمحاولات تشويه متكررة.
في هذه الجولة السريعة، نسلط الضوء على أبرز ما حمله عام 2025 في جميع المسارات، في محاولة للإجابة على السؤال المعتاد سنويًا: هل كان هذا العام استثنائيًا كما تمنّى البعض، أم مجرد رقم في سلسلة أعوام لم تترك أثرًا ملموسًا في حياة المواطنين؟
السياسة الخارجية.. غزة في قلب المشهد
تصدر ملف غزة واتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في القطاع بعد عامين من الحرب الوحشية التي شنتها قوات الاحتلال على الغزيين قائمة الأولويات في السياسة الخارجية المصرية خلال هذا العام.
أحدث الدور المصري في هذه التسوية جدلًا واسعًا على الصعيد العربي، إذ انقسم الشارع بين من اعتبر الاتفاق انتصارًا دبلوماسيًا لمصر، نظرًا لتوقف العمليات العسكرية وتمسك القاهرة بموقفها الرافض للتهجير القسري.
وبين من رأى فيه خطوة جردت المقاومة من أدواتها، خصوصًا فيما يتعلق بقضية الأسرى، مشيرين إلى أن الحرب لم تتوقف بالكامل رغم مرور أكثر من 100 يوم على إبرام الاتفاق، فضلا عن غياب الضمانات التي تلزم الكيان الإسرائيلي بما جاء في الاتفاق، إلى جانب غياب الرؤية بشأن مستقبل غزة وتفاهمات المرحلة الثانية من الاتفاق.
الخطوط الحمراء في السودان
في خضم الأزمة المتصاعدة جنوبًا في السودان، اختارت مصر تخفيف حدة مقاربتها للحياد التقليدي، معلنة بوضوح خطوطها الحمراء خلال زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني، عبدالفتاح البرهان، إلى القاهرة، قبل أيام من الشهر الجاري.
وأكدت الرئاسة المصرية أن هذه الخطوط تمس الأمن القومي المصري في صميمه، مشددة على ارتباطه المباشر بالأمن القومي السوداني في معادلة تاريخية لا تقبل المساومة، ما يعكس جدية القاهرة في حماية مصالحها الاستراتيجية الإقليمية.
واستند البيان الرسمي الذي نشره المتحدث باسم رئاسة الجمهورية على فيسبوك إلى وحدة السودان كحجر الأساس لاستقرار الدولة والحفاظ على نسيجها الوطني، مؤكّدًا أن مصر لن تتسامح مع أي محاولات انفصال أو إنشاء كيانات موازية داخل البلاد.
كما شددت القاهرة على أن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ليس خيارًا سياسيًا قابلًا للتفاوض، بل خط أحمر أساسي، يعكس إدراكها بأن تفكك السودان قد يؤدي إلى فوضى إقليمية لا يمكن السيطرة عليها.
الصومال.. العمق الأمني المصري
أثارت الخطوة الإسرائيلية بالاعتراف أحادي الجانب بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة زلزالًا دبلوماسيًا في منطقة القرن الأفريقي، إذ أعادت تشكيل الحسابات الإقليمية والدولية وهددت استقرار هذا الممر الاستراتيجي الحساس.
وتعتبر القاهرة هذا التحرك تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، في ظل مخاطر تمدد النفوذ الإسرائيلي في مضيق باب المندب والساحل السوداني، ما قد يحول البحر الأحمر من فضاء استراتيجي عربي إلى ساحة نفوذ مفتوحة.
وردًا على ذلك، شددت مصر، بالتنسيق مع تركيا والصومال وجيبوتي، على رفضها التام لهذه الخطوة، مؤكدة دعمها لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، مشددة أي إجراءات أحادية تهدد السيادة الصومالية أو تسعى لإنشاء كيانات موازية تتناقض مع وحدة الدولة غير مقبولة، مع التأكيد على أهمية دعم المؤسسات الشرعية لضمان الاستقرار، في موقف يعكس إدراك القاهرة للمخاطر الاستراتيجية المحيطة بالقرن الإفريقي ومضيق باب المندب والبحر الأحمر.
اليمن.. الجنوب وإرباك حسابات القاهرة
شهد الجنوب اليمني تحولات جيوسياسية مفصلية مع بسط المجلس الانتقالي نفوذه على محافظة حضرموت ووصوله إلى مدينة عدن، فيما تتصاعد المخاوف بسبب الخطاب الانفصالي للمجلس الذي يلمّح بوضوح إلى إعادة إحياء مشروع “دولة الجنوب”، ما ينذر بفتح فصل جديد من الصراع اليمني له أبعاد داخلية وإقليمية واسعة.
وفي هذا السياق، تتبنى القاهرة موقف المراقب الحذر، حيث تعتبر الأحداث في الجنوب اليمني أكثر من مجرد صراع داخلي، إذ تراها مسرحًا لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، مع تأثير مباشر على الأمن الإقليمي والتوازنات الاستراتيجية.
وتُظهر الرؤية المصرية قلقًا واضحًا من أن أي تحول في الوضع الجنوبي قد يكرّس واقعًا جغرافيًا وسياسيًا جديدًا يصعب احتواؤه، ما يستدعي متابعة دقيقة وحراك دبلوماسي مدروس لتفادي تفاقم الأوضاع.
الانتخابات البرلمانية.. أبرز تطورات المشهد الداخلي
شهد هذا العام إجراء انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، التي واجهت انتقادات حادة، حيث اتهمت بوقوع مخالفات تشمل الرشاوى الانتخابية والتزوير، فضلاً عن افتقاد أبجديات النزاهة الانتخابية، وهو ما وثقته عشرات مقاطع الفيديو من قبل مواطنين ومرشحين على نطاق واسع.
وفي مواجهة هذا الغضب الشعبي، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي هيئة الانتخابات إلى فحص جميع الطعون والشكاوى، ما أسفر عن إلغاء وإعادة الانتخابات في نحو 70% من الدوائر، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ مصر الحديث.
وبعيدًا عن نتائج الانتخابات النهائية، يظل فقدان الثقة الشعبية في نزاهتها العنوان الأبرز، ما يضع شرعية البرلمان القادم على المحك، كما أن الطعون القضائية المقدمة أمام المحاكم المصرية ركزت على ضرورة إعادة النظر في العملية الانتخابية برمتها، بما يسلط الضوء على التحديات المستمرة في تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الديمقراطية وضمان شفافية العملية السياسية.
الاقتصاد.. عام تصحيح المسار
وصف البعض عام 2025 بأنه عام “تصحيح المسار” للاقتصاد المصري، بعد الأزمة الطاحنة التي شهدتها البلاد في 2024، والتي استدعت تنفيذ حزمة من الإجراءات المالية والنقدية الصعبة، ومع استمرار بعض التدابير المؤلمة، وعلى رأسها رفع أسعار الوقود مرتين خلال العام ضمن برنامج الإصلاح بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، بدأ الاقتصاد يظهر بوادر التعافي تدريجيًا.
وعكست الأرقام الاقتصادية هذا التحسن، إذ سجل الاقتصاد المصري أكبر معدل نمو له في ثلاث سنوات بنسبة 4.4٪ للعام المالي 2024-2025، مع تراجع التضخم إلى نحو 12٪ واستقرار البطالة عند 6.4٪ في الربع الثالث، كما قفزت احتياطيات النقد الأجنبي إلى مستوى قياسي بلغ 50.2 مليار دولار، وانخفضت الفائدة إلى 6.25٪، فيما تحسن أداء الجنيه المصري بمعدل 6.5٪ أمام الدولار.
ورغم التحسن العام، تأثرت بعض القطاعات بالتوترات الجيوسياسية، أبرزها قناة السويس التي فقدت نحو 60٪ من إيراداتها، بينما شهدت مصر توقيع صفقات ضخمة مثل مشروع “علم الروم” باستثمارات تقارب 30 مليار دولار و”مراسي البحر الأحمر” بقيمة 20 مليار دولار.
وفي توقعات مستقبلية، أشارت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية رانيا المشاط إلى أن عام 2026 سيكون نقطة تحول مهمة، مع استهداف معدل نمو يصل إلى 7٪ لتعزيز معدلات التشغيل وتحقيق تنمية مباشرة للمواطن، وأوضحت أن توقعات النمو للعام المالي الحالي تتجاوز 5٪، مع إشادة التقارير الدولية بنجاح السياسات الحكومية في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتجاوز العديد من التحديات، ما يعكس قدرة الاقتصاد المصري على الصمود والتعافي وسط بيئة إقليمية معقدة.
استمرار ارتفاع الدين ومعاناة المواطنين
على الجانب الآخر من الصورة، تكشف الأرقام عن واقع أقل تفاؤلًا مما كان يُنتظر، ففي وقت كان المصريون يأملون بانحسار عبء الدين الخارجي، جاءت الأرقام لتفاجئهم بارتفاعه إلى 161.2 مليار دولار بنهاية حزيران/ يونيو 2025، بزيادة قدرها 8.3 مليارات دولار عن العام السابق، ما يمثل نموًا بنحو 5.5٪ خلال سنة واحدة.
وبينما تتباين المؤشرات الاقتصادية، يظل المواطن المصري يعاني من ضغوط متزايدة، مع استمرار معدلات التضخم المرتفعة التي تتجاوز متوسطات الأجور، ما دفع نحو ثلث السكان إلى خط الفقر، ليعيش أكثر من 30 مليون مصري على أقل من 50 جنيهًا يوميًا، وهو رقم يضع التحديات المعيشية في صدارة الأولويات الوطنية.
صفقة الغاز الإسرائيلي
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2025 المصادقة على صفقة الغاز الجديدة مع مصر، والتي وصفها بأنها “الأكبر في تاريخ إسرائيل” بقيمة تقارب 35 مليار دولار.
وتتضمن الصفقة، التي أُبرمت مع شركة “نيو ميد إنرجي” في حقل “ليفياثان”، إضافة نحو 4.6 تريليون قدم مكعب من الغاز على مرحلتين، مع تمديد فترة التوريد حتى عام 2040، ما يمنح إسرائيل تدفقات مالية طويلة الأجل ويعزز موقعها كمصدر رئيسي للغاز في شرق المتوسط، عبر البوابة المصرية.
غير أن الصفقة أثارت جدلًا واسعًا في الشارع المصري والعربي، إذ انقسم الرأي العام بين من يعتبرها ضرورة اقتصادية ملحة تتوافق مع السردية الرسمية، وبين من يراها تهديدًا للأمن القومي واستقلال القرار الطاقي، معتبرين أن إبرامها لمصلحة إسرائيل في هذا التوقيت، وسط ما يتعرض له أهل غزة من حرب إبادة، يمثل موقفًا غير مقبول ويكشف أزمة عميقة في إدارة ملف الطاقة المصرية، حيث تداخلت الحاجة المالية العاجلة مع حسابات سياسية قصيرة المدى.
الثقافة.. مسلسل التجريد الثقافي لم يتوقف
يبدو أن مسلسل تجريف مصر من هويتها الثقافية ورمزيتها التراثية لن ينتهي، ففي حلقة جديدة من مسلسل العبث بالذاكرة الوطنية، فوجئ المصريون مؤخرًا بخبر إزالة مقبرة أمير الشعراء أحمد شوقي (1868–1932)، أحد أبرز رموز الشعر العربي والعالمي.
وهو الحدث الذي أثار موجة من الصدمة والحزن عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ تعد هذه المقبرة رمزًا للثقافة والوجدان المصري والعربي لعقود، وما يحيط بها من ذاكرة أدبية وتاريخية جعلها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية.
ولم تكن مقبرة شوقي حالة معزولة، إذ شهدت منطقة الإمام الشافعي بوسط القاهرة حملة هدم واسعة شملت عشرات المقابر التاريخية، تمهيدًا لإنشاء ما يُعرف بـ “محور صلاح سالم الجديد”، على حساب تراث جنائزي فريد يحتضن رفات نخبة من أعلام مصر السياسية والفكرية والأدبية.
ورغم المناشدات المتكررة من مثقفين وباحثين وجهات معنية بالآثار، داخل مصر وخارجها، لم تلقَ تلك التحذيرات آذانًا صاغية، ليصبح المشهد الثقافي في العاصمة بمثابة كابوس يؤرق الضمير العام ويعكس تآكلًا ملموسًا في الذاكرة الوطنية.



