قضايا وتحليلات

من إسقاط النظام إلى البحث عن مخرج: ماذا يريد ترامب من حرب إيران؟

دخلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران مرحلة جديدة من الارتباك الاستراتيجي، تتكثف فيها التصريحات المتضاربة، والإشارات المتناقضة، والرسائل الملتبسة بشأن مسار المواجهة وسقفها الزمني والسياسي، فمنذ اندلاع هذه الجولة، بدا المشهد وكأنه يتأرجح بصورة حادة بين احتمالات التهدئة وموجات التصعيد.

وفي أحدث تصريحاته المرتبكة بشأن تطورات المعركة، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الحرب على إيران قد تقترب من نهايتها، مشددًا على أنه لم يعد هناك تقريبًا ما يمكن استهدافه داخل البلاد، حسبما نقل عنه موقع “أكسيوس” الأربعاء 11 مارس/آذار الجاري.

ومنذ الأيام الأولى للحرب، بدا أن بنك الأهداف الأمريكية يتعرض لاهتزازات عميقة وتبدلات جذرية؛ فالسقف الذي بدأ بخطاب يتحدث عن اقتلاع النظام من جذوره، مرّ لاحقًا بطرح سيناريوهات من نمط “النموذج الفنزويلي”، قبل أن ينتهي عمليًا إلى أهداف أكثر تواضعًا تتعلق بإضعاف القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، أو ما يمكن وصفه بسياسة “تقليم الأظافر الاستراتيجية” بدلًا من الحسم الشامل.

في هذا السياق، يبدو أن ترامب بات منشغلًا أكثر من أي وقت مضى بالبحث عن مخرج سياسي قابل للتسويق لإنهاء هذه الحرب، بعدما تجاوزت كلفتها الاقتصادية واللوجستية التقديرات الأولية، لا سيما في ظل سياسة الاستنزاف والأرض المحروقة التي تنتهجها طهران.

 ومن هنا يبرز السؤال المركزي: ما هي الأهداف المحققة التي يمكن للرئيس الأمريكي أن يقدّمها بوصفها إنجازًا كافيًا يتيح له النزول من أعلى شجرة الحرب، من دون أن يبدو متراجعًا أو مهزومًا، وبما يسمح له بتسويق “انتصار” سياسي قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل؟

مزاعم النصر المبكر.. تضارب وارتباك

 تعكس تصريحات ترامب وأركان إدارته بشأن نتائج الحرب على إيران حالة واضحة من التضارب والارتباك في الخطاب السياسي والعسكري،  فمنذ اللحظات الأولى، تبنّى سردية تقوم على إعلان نصر مبكر وكاسح، مروّجًا لفكرة أن واشنطن حققت كامل أهدافها من المواجهة، غير أن هذا الخطاب نفسه لا يخلو من تناقضات لافتة بين الفينة والأخرى.

وأمام هذه النبرة الترامبية الواثقة من “النصر المبكر”، خرج وزير الدفاع بيت هيغسيث ليقدم رواية مختلفة تمامًا، بل تكاد تناقض الخطاب الرئاسي من أساسه، فقد حذّر من أن الضربات على إيران مرشحة لمزيد من التصعيد.

 مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تضع بين يدي ترامب “خيارات عديدة” لمواصلة الحرب، وهو ما يعني أن واشنطن، خلافًا لخطاب الحسم الذي يروّجه الرئيس، لا تزال تتعامل مع المعركة باعتبارها ملفًا مفتوحًا على احتمالات تصعيد إضافي، لا مواجهة انتهت فصولها.

يبدو أن ترامب قد يكون بصدد البحث عن صيغة نصر بديلة تتيح له النزول من أعلى شجرة الحرب من دون أن يظهر في موقع المتراجع، فيعلن أنه حقق ما يكفي من الأهداف الاستراتيجية، ثم يضع حدًا للمواجهة قبل أن تتفاقم كلفتها أكثر، في وقت تتصاعد فيه الأعباء العسكرية والاقتصادية والسياسية يومًا بعد آخر.

لماذا هذا التسرع في إعلان النصر؟

يعزو محللون هذا التسرع الترامبي في إعلان النصر قبل أوانه، رغم أن المواجهة لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد بل أكثر احتدامًا قياسًا بأيامها الأولى، إلى اعتبارات داخلية ضاغطة أكثر من ارتباطه بحقائق الميدان.

 فدوائر قريبة من الإدارة الأمريكية تخشى أن يؤدي استمرار الحرب، وما يرافقها من ارتفاع في أسعار النفط، إلى ارتداد سياسي واقتصادي عنيف ينعكس مباشرة على شعبية ترامب وموقعه الداخلي، خصوصًا في ظل حساسية المزاج الأمريكي تجاه كلفة الحروب وتداعياتها المعيشية.

إلى جانب ذلك، تكشف مواقف الإدارة عن غياب واضح للرؤية الاستراتيجية وفقدان متزايد لبوصلة الحرب، فحين يُطرح السؤال الأكثر جوهرية—ما الذي تريده الولايات المتحدة تحديدًا من هذه الحرب؟—لا يظهر داخل فريق ترامب جواب مباشر وحاسم. بل على العكس، تتبدى حالة من التضارب حتى في تعريف الأهداف نفسها: هل الغاية هي الردع؟ أم تقويض البرنامجين النووي والصاروخي؟ أم فرض شروط تفاوضية جديدة؟ أم مجرد إنتاج صورة نصر سياسي سريع؟

صعوبة إسقاط النظام

منذ اليوم الأول للحرب، رفع دونالد ترامب وإدارته شعار إسقاط النظام الإيراني بوصفه الهدف الأعلى للمواجهة، بل تجاوز الخطاب الأمريكي حدود الرسائل العسكرية التقليدية إلى مخاطبة مباشرة للشعب الإيراني، شارك فيها أيضًا بنيامين نتنياهو، داعيين الإيرانيين إلى التحرك لإسقاط النظام و”تحرير” البلاد من حكم الملالي.

 وفي الساعات الأولى، بدا هذا الهدف أكثر قابلية للتحقق، خاصة بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وعدد من رموز النخبة السياسية والعسكرية، ما عزز الانطباع بأن المعركة قد تكون، كما روّج ترامب، حسمًا سريعًا لا حربًا طويلة ومعقدة.

المفارقة المُربكة هنا أن طهران باتت هي الطرف الذي يرفع سقف شروطه لوقف الحرب، بعدما التقطت مبكرًا حجم المأزق الذي تواجهه واشنطن وتل أبيب تحت وطأة الكلفة المتصاعدة للمواجهة الواسعة، وهذا التحول يجعل من محاولة ترامب البحث عن مخرج سريع أو القفز من أعلى شجرة الحرب خيارًا بالغ الصعوبة، بما يُبقي المشهد مفتوحًا على جميع الاحتمالات.

لكن تطورات الميدان سرعان ما بددت هذه التقديرات. فبدلًا من انهيار النظام أو تفكك مؤسساته، أظهرت طهران قدرة ملحوظة على امتصاص الضربة وإعادة ترتيب هرم السلطة؛ إذ تم سريعًا اختيار مرشد جديد ومبايعته من مختلف الدوائر السياسية والعسكرية، بالتوازي مع استعادة قدر من التوازن العسكري والسياسي.

 ومع مرور الأيام، تراجع هدف إسقاط النظام من كونه ركيزة مركزية في الخطاب الأمريكي إلى مجرد احتمال ضعيف، في ظل مؤشرات متزايدة على قدرة إيران على الصمود والمبادرة.

وفي هذا السياق، عززت تقديرات استخباراتية أمريكية هذا التحول، إذ أشارت، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز” عن ثلاثة مصادر مطلعة، إلى أن القيادة الإيرانية لا تزال متماسكة إلى حد كبير، وأنها ليست مهددة بالانهيار في المدى القريب.

ومع تآكل الهدف الأصلي للحرب وتعقد المشهد الميداني بفعل الاستفاقة الإيرانية، يبدو أن ترامب بات يبحث عن مخرج سياسي قابل للتسويق، يتيح له إعادة تعريف أهداف المواجهة وتقديمها للرأي العام الأمريكي بوصفها نجاحًا يمكن البناء عليه.

البحث عن مخرج

في مقاله المنشور في صحيفة “واشنطن بوست”، يلفت الكاتب الأمريكي المتخصص في شؤون السياسة الخارجية والأمن القومي، ديفيد إغناتيوس، إلى تنامي القلق داخل دوائر القرار في كل من إسرائيل والولايات المتحدة إزاء المسار التصاعدي المفتوح للحرب على إيران، في ظل تزايد الحديث عن ضرورة البحث عن مخارج سياسية يمكن أن توقف المواجهة قبل أن تُلحق مزيدًا من الضرر بالمنطقة وبالاقتصاد العالمي.

وينقل إغناتيوس عن مسؤول إسرائيلي كبير مطلع على التخطيط والاستراتيجية في الحرب أن هناك نقاشات تدور بشأن بدائل لشعار “الاستسلام غير المشروط” الذي يرفعه ترامب، في إشارة إلى تزايد الشكوك حول جدوى المضي في هذا السقف المرتفع من الأهداف.

ومن هنا بدأت قطاعات واسعة من الإعلام الأمريكي تميل إلى إعادة تعريف معنى “النصر” في الحرب الجارية على إيران، بعدما بات واضحًا أن هدف إسقاط النظام واقتلاعه من جذوره يواجه صعوبات كبيرة على المستويين العسكري والسياسي.

 ومع تراجع هذا السيناريو، تحوّل النقاش داخل دوائر التحليل والإعلام إلى البحث عن بنك أهداف بديل يمكن تقديمه بوصفه إنجازًا كافيًا لتبرير وقف الحرب، حتى وإن لم يؤدِّ إلى إسقاط النظام، على أن يحقق في الحد الأدنى إضعافه، وخلخلة تماسكه، وتقليم أظافره الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، طُرحت في الأوساط الإعلامية هناك مجموعة من الأهداف التي قد يسعى ترامب إلى تسويقها باعتبارها نصرًا قابلًا للتسويق سياسيًا، من بينها، منع إيران من تطوير سلاح نووي، وتدمير جزء معتبر من قدراتها الصاروخية، وإضعاف شبكتها من الحلفاء الإقليميين، وتقليص قدرتها على تهديد الملاحة في الخليج، بل إن بعض الطروحات ذهبت إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن احتمال اللجوء إلى عمليات نوعية خاصة تستهدف مراكز الثقل في القيادة الإيرانية، بما في ذلك المرشد الجديد.

وعلى هذا الأساس، يبدو أن ترامب قد يكون بصدد البحث عن صيغة نصر بديلة تتيح له النزول من أعلى شجرة الحرب من دون أن يظهر في موقع المتراجع، فيعلن أنه حقق ما يكفي من الأهداف الاستراتيجية، ثم يضع حدًا للمواجهة قبل أن تتفاقم كلفتها أكثر، في وقت تتصاعد فيه الأعباء العسكرية والاقتصادية والسياسية يومًا بعد آخر.

المفارقة المُربكة هنا أن طهران باتت هي الطرف الذي يرفع سقف شروطه لوقف الحرب، بعدما التقطت مبكرًا حجم المأزق الذي تواجهه واشنطن وتل أبيب تحت وطأة الكلفة المتصاعدة للمواجهة الواسعة، وهذا التحول يجعل من محاولة ترامب البحث عن مخرج سريع أو القفز من أعلى شجرة الحرب خيارًا بالغ الصعوبة، بما يُبقي المشهد مفتوحًا على جميع الاحتمالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى