
هل تُعد جزيرة قشم بوابة السيطرة على مضيق هرمز؟
د. عماد عنان
مع تصاعد وتيرة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية المندلعة منذ أواخر شباط/فبراير الماضي، برز مضيق هرمز كأحد أوراق الضغط المستخدمة لحسم المواجهة، لما يمثله من خطورة لوجستية استراتيجية، بصفته قلب الطاقة العالمية وشريانها الحيوي، ورمانة ميزان التجارة الدولية، حيث يعبر منه خمس حجم استهلاك الطاقة في العالم.
غير أن خطورة تلك الورقة الحساسة لا تتوقف عند حاجز المضيق وفقط، بل تمتد إلى الجزر المحيطة به والتي تمثل عقدًا جيواستراتيجية تتحكم في السيطرة على هذا الممر العالمي، وهنا تبرز جزيرة “قشم” التي يعتبرها كثيرون أحد أهم المفاتيح للسيطرة على الشريان الملاحي.
وقد لعبت الجزيرة التي تعددت أسمائها على مر التاريخ (“أوراكتا” بحسب وصف اليونانيين، و”أراشيا” كما سماها بطليموس في القرن الثاني الميلادي، و”أباركاوان” في العهد الساساني، وصولا إلى “قشم” أو “جسم”)، دورًا محوريًا في معادلة الأمن الطاقوي العالمي.. فماذا نعرف عنها وما أهميتها في معركة مضيق هرمز؟
موقع لوجستي
تتميز الجزيرة بموقعها اللوجستي المحوري، يحدها شرقًا جزيرة “لارك” وجنوبًا جزيرة “هنغام”، وفي البر فهناك ميناء بندر عباس الذي يبعد حوالي 21 كيلو متر عن رأس الجزيرة، ويعد أحد أبرز الموانئ ذات التأثير الفعال في عمل مضيق هرمز.
الجزيرة تتبع إداريًا محافظة هرمزجان الإيرانية (جنوب شرق)، وتُعد أكبر جزيرة في الخليج من حيث المساحة، إذ تمتد على نحو ما يقرب من 1500 كيلومترا مربعا، بطول يقارب 122 كيلومترا ومتوسط عرض يبلغ نحو 18 كيلومترا، ويمنحها هذا الامتداد موقعا استراتيجيا عند مدخل هرمز.
يبلغ عدد سكان الجزيرة قرابة 150 ألف نسمة، معظمهم يعتنق الإسلام السني مع وجود أقلية شيعية، وتعد اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية لسكان الجزيرة، رغم تحدث المحليين منهم اللهجة البندرية التي تنتشر في مختلف مدن وقرى قشم.
ونظرًا لامتلاك الجزيرة العديد من الموارد والثروات المعدنية، يعمل جزء كبير من السكان بالأنشطة التعدينية، بجانب ارتباط أخرين بالبيئة البحرية المحيطة؛ حيث يعملون بالصيد والتجارة والنقل البحري، إلى جانب تربية المواشي.
أهمية جيوسياسية
تتمتع جزيرة قشم بجغرافيا وقائية، مثلت بشكل أو بأخر حائط صد أمام كل المتربصين بها، وحمايتها من أي استهداف، فسطحها صخري وجاف وفق ما ذهب تقرير لوكالة ناسا، أما طقسها فحار ورطب ويغلب عليه شح المياه.
وفي تقرير سابق لمعهد واشنطن، فإن الدخول الرسمي للخليج العربي قبل الحرب كان يتم من خلال ممر ملاحي بطول 25 ميلا، معروف للجميع، غير أنه من أواخر شباط/فبراير الماضي اتخذت السفن مسارًا أخر، عبر ممر ضيق لا يتجاوز خمسة أميال بحرية، بين قشم ولارك، ويمر مباشرة أمام قاعدة بحرية للحرس الثوري على الساحل الجنوبي للجزيرة.
هذا الممر الضيق الذي يهمين عليه الحرس الثوري يجعل السفن المارة أكثر انكشافًا ومراقبة وبالتالي أسهل في استهدافها، فهي في مرمى النيران الإيرانية المنتشرة بصورة مكثفة حول الجزيرة.
إلى جانب ذلك فإن اقتراب الجزيرة من بندر عباس، أكبر ميناء عسكري وتجاري إيراني، إلى جانب إشرافها على جزر لارك وهنكام في الجنوب، منحها وضعية استثنائية، تؤهلها للسيطرة على مراقبة الممرات البحرية وتحركات السفن من وإلى الخليج.
عسكرة الجزيرة
نظرًا لأهمية الجزيرة وموقعها اللوجستي فرضت عليها إيران عسكرة كاملة حيث عملت على حمايتها من خلال تواجد الكثير من القدرات العسكرية، وهنا تتحدث تقارير عن أن الجزيرة هي مقر قاعدة اللواء البحري الـ112 للحرس الثوري والتي ظهرت فيها قوارب هجوم سريعة وسفينة صاروخية من طراز “كاتاماران” تملك نظام إطلاق عمودي لصواريخ فجر‑3 أو نور.
وفي تحليل أخر لموقع “فوربس” استند إلى صور للأقمار الصناعية كان قد كشف عن تواجد بطاريات صواريخ فجر‑3 وفجر‑5 في الطرف الشرقي لقشم، موضوعة خلف سواتر رملية وتواجه المضيق، ووفق تقرير لمعهد واشنطن فإن هذه الصواريخ تحمل رؤوسًا بوزن 85 كغ وبمدى يصل إلى 43 كم لفجر‑3 و 70–75 كم لفجر‑5، ما يسمح بتغطية الجزء الأكبر من المضيق.
كما كشف هذا التقرير عن نشر الحرس الثوري زوارق سريعة قادرة على زرع الألغام على طول الجزيرة، مع احتمالية تواجد منصّات لإطلاق صواريخ نور المضادة للسفن بمدى 35 كم، وفي دراسة أجرتها بيلينغكات عام 2018 أظهرت أن إيران وسّعت مدرجًا للطائرات المسيّرة في قشم وزوّدته برادارات جديدة، ما يشير إلى استخدام الجزيرة كمركز استطلاع لمراقبة حركة السفن.
مثل هذا التحشيد العسكري في الجزيرة يشير إلى أهميتها وموقعها الحيوي في العقلية الإيرانية، وأن الدفاع عنها بات ضرورة قومية للحفاظ على ورقة مضيق هرمز كأحد الأوراق المهمة التي تتمسك بها طهران في تلك الحرب.
استهداف مباشر
في السابع من أذار/مارس الجاري دخلت الجزيرة على خط المواجهة بشكل مباشر وذلك حين تعرضت لقصف جوي أمريكي مباشر استهدف محطة لتحلية المياه تقوم على تغذية 30 قرية إيرانية، وأخرجها عن الخدمة بشكل كامل، وهو الاستهداف الذي وصفته طهران بـ “الجريمة الصارخة” وتحول استراتيجي نحو تدمير مقومات الحياة المدنية.
ولاقى هذا الاستهداف ردود فعل غاضبة من الجانب الإيراني، حيث حذَّر وزير خارجيتها عباس عراقجي من “عواقب وخيمة” واصفًا ما ارتكبته الولايات المتحدة بالجريمة الصارخة واليائسة، فيما قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن الاعتداء الذي نفذه “الائتلاف الأمريكي الصهيوني” على محطة تحلية المياه في جزيرة قشم، تم بدعم من إحدى القواعد الجوية في دول الجوار الجنوبي.
عملية برية.. عقبات وتحديات
تشير التقارير المختلفة إلى تحشيد عسكري أمريكي مكثف خلال الآونة الأخيرة، حيث أرسلت أمريكا تعزيزات إضافية برمائية، بينها سفينة “يو إس إس تريبولي” الهجومية التي ترافقها سفن حربية تحمل نحو 5000 جندي، والحديث عن إرسال ما يقرب من 2500 فرد من مشاة البحرية “المارينز”
مثل هذا التحشيد والاستعداد غير المسبوق في المنطقة طرح الكثير من التساؤلات حول نية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إحكام السيطرة على مضيق هرمز، ومن ثم القيام بعملية برمائية ضد العقد اللوجستية التي تحدد مسار السيطرة على المضيق وفي مقدمتها جزيرة قشم.
ورغم ما تحمله القوة البرمائية الأمريكية من إمكانيات وقدرات لا يٌنكرها منصف، إلا أن القيام بمثل هذه العملية لا يمكن أن يكون نزهة أو عملية سهلة كما يتخيل البعض، فهناك العديد من التحديات والعقبات التي تجعل من القيام بتلك المهمة مغامرة أقرب للمقامرة.
أبرز تلك العقبات الطبيعة الجيوسياسية للجزيرة، من مساحة كبيرة وتضاريس جبلية صعبة وطقس غير مناسب، هذا بخلاف كلفتها المدنية الباهظة، حيث يقطنها ما يقرب من 148 ألف نسمة، ما يجعل احتلالها أو تأمينها بالكامل مهمة تحتاج إلى قوة أكبر بكثير من وحدة تدخل سريع واحدة،
هذا بجانب مستويات الرطوبة الكبيرة التي تصل إلى نحو 90% تقريبًا وهي الظروف الجوية التي تولد ما يُعرف بظاهرة “قناة التبخر” التي تلعب دورًا لافتًا في التشويش على الرادارات والإلكترونيات الغربية، الأمر الذي يمثل أزمة كبيرة لأي عملية للاستحواذ على الجزيرة.
وفي ذات السياق ساعدت الجغرافيا في تأمين الحرس الثوري للجزيرة بشكل كامل، وعليه فإن أي قوة أمريكية ستفكر في السيطرة عليها ستكون معزولة بشكل كبير، فيما ستجد نفسها في مرمى النيران الإيرانية، ما يجعل تأمين خطوط إمدادها شديد الكلفة.
إلى جانب ذلك احتمالية أن تخضع أي قوة تريد السيطرة على الجزيرة لكماشة وكمين من الاستهداف من قبل الحرس الثوري عبر الألغام والقوارب السريعة التي يمتلك منها الإيرانيون كميات كبيرة تؤهله لتكبيد أي قوة معتدية خسائر كبيرة، وهو ما حذرت منه بعض التقارير.
ورغم صعوبة السيطرة على الجزيرة فإن الهيمنة عليها ليست عملية مستحيلة، غير أنها تحتاج لخطة محكمة وقوة أكبر عددًا وعتادًا من تلك التي تشير إليها التقارير، الأمر الذي يزيد من الأهمية اللوجستية لجزيرة قشم لدى القيادة الإيرانية، بعدما تحولت مع مرور الوقت لأحد أبرز النقاط اللوجستية التي تحسم معركة مضيق هرمز إذا ما قرر الأمريكان خوضها بشكل رسمي.



