قضايا وتحليلات

“ورقة الأكراد”: ماذا يكشف اعتراف ترامب بتسليح معارضي إيران؟

مع اقتراب انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي للإيرانيين من أجل إعادة فتح مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق يضع حدًا للحرب، أعاد دونالد ترامب مجددًا إثارة واحدة من أكثر الأوراق حساسية في المشهد الإيراني، حين كشف أن الولايات المتحدة أرسلت أسلحة إلى القوات الكردية بهدف إيصالها إلى المتظاهرين الإيرانيين.

وخلال مقابلة أجراها مع شبكة “فوكس نيوز” يوم الأحد 5 أبريل/نيسان الجاري، قال الرئيس الأمريكي إنه يعتقد أن الأكراد احتفظوا بهذه الأسلحة ولم يقوموا بتسليمها إلى المحتجين داخل إيران.

هذا التصريح، الذي يأتي بعد 35 يومًا من اندلاع الحرب، لا يمكن فصله عن المؤشرات التي برزت في بدايات المواجهة، حين تحدثت وسائل إعلام أميركية عن اتصالات أجراها ترامب مع قيادات كردية لبحث سيناريوهات تتصل بإضعاف نظام الملالي في طهران، بل وإمكانية الدفع نحو إسقاطه، ووفق تلك التقارير، فإن هذه التحركات لم تكن وليدة اللحظة، وإنما جاءت ضمن مسار جرى العمل عليه خلف الكواليس لأشهر، لعب خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دورًا محوريًا في دفعه وتغذيته.

إعادة ترامب استحضار الورقة الكردية في هذا التوقيت يفتح الباب مجددًا أمام أسئلة أكثر حساسية بشأن طبيعة الخيارات التي تدرسها واشنطن مع اقتراب لحظة الحسم، خصوصًا في ظل تصاعد الحديث عن احتمالات تدخل بري، بالتوازي مع حشد عسكري أميركي غير مسبوق في المنطقة.

اعتراف ترامب بتسليح الأكراد.. ماذا يعني؟

عكس اعتراف ترامب الصريح بإرسال أسلحة إلى الأكراد لتزويد المتظاهرين الإيرانيين بها، رغم ما تنطوي عليه من إشكاليات قانونية دولية واضحة، جملة من الدلالات السياسية بالغة الأهمية، في مقدمتها أن واشنطن لم تعد تكتفي بسياسة الضغط على طهران عبر التلويح بورقة الأقليات، بل انتقلت عمليًا إلى مستوى أكثر تقدمًا يتمثل في التدخل المباشر في تشكيل المشهد الداخلي الإيراني من خلال تسليح قوى معارضة، بما يعني تجاوز منطق إرباك النظام أو زعزعته إلى الاقتراب من منطق التمهيد لتغييره.

هذا التحول يكشف أن الورقة الكردية لم تعد مجرد أداة دعائية أو وسيلة ضغط نفسية في مواجهة نظام الملالي، وإنما بدأت تتحول إلى أداة عملياتية يجري توظيفها على الأرض،  فالمسار، وفق ما توحي به المعطيات المتداولة، لم يبدأ من لحظة التسليح، بل سبقته اتصالات مع قيادات كردية وبحث في أدوار محتملة يمكن أن تضطلع بها هذه القوى في الداخل الإيراني، وعليه لم يعد يدور الحديث هنا حول استثمار سياسي في ورقة الهويات، بل حول محاولة لبناء مسار ميداني يمكن توظيفه في إضعاف بنية النظام من الداخل.

وفي موازاة ذلك، حمل هذا الاعتراف رسالة سياسية مباشرة إلى طهران، مفادها أن الولايات المتحدة لا تكتفي بالضغط العسكري أو الاقتصادي، بل تبدي استعدادًا عمليًا للنفاذ إلى الداخل الإيراني عبر استثمار التناقضات العرقية والمذهبية بوصفها إحدى أدوات إنهاك النظام وإضعافه.

وبهذا المعنى، فإن الرسالة الأمريكية لا تقف عند حدود التهديد، بل تنطوي على قدر واضح من الابتزاز السياسي، هدفه دفع إيران إلى تقديم مزيد من التنازلات تحت وطأة الخشية من فتح جبهات داخلية موازية تضاعف كلفة المواجهة على النظام.

ماذا عن المؤشرات الميدانية؟

تشير جملة من المؤشرات الميدانية إلى ما قد يخدم، بصورة أو بأخرى، سيناريو التعويل على الورقة الكردية أو على الأقل تهيئة الأرضية اللازمة لتفعيلها خلال المرحلة المقبلة، سواء بهدف إضعاف النظام الإيراني أو التمهيد لإسقاطه.

ولعل أبرز هذه المؤشرات يتمثل في تمركز العمليات الأمريكية خلال الفترة الأخيرة في الغرب والجنوب الغربي من إيران، وهو تمركز لا يبدو عشوائيًا بحال، بقدر ما يعكس توجهًا واضحًا لدى واشنطن لم يعد يقتصر على استهداف مراكز القيادة في العمق الإيراني، وإنما يمتد إلى محاولة خنق أدوات القوة الإيرانية أمنيًا واقتصاديًا في آن واحد.

فعلى المستوى الأمني، يحمل التركيز على غرب إيران، بحكم اتصاله الحدودي بمناطق نشاط الفصائل الكردية المسلحة، دلالة خاصة تتجاوز مجرد الضغط العسكري المباشر، إذ يبدو أن هذا التموضع يهدف إلى فتح جبهة استنزاف حدودية حساسة، وإعادة تشكيل البيئة الميدانية على نحو قد يسهّل لاحقًا تحرك تلك الفصائل أو توظيفها ضمن مسار أوسع للضغط على طهران.

وفي حال انزلاق الأمور إلى هذا السيناريو، فإن النظام الإيراني سيجد نفسه أمام مواجهة إضافية تستنزف قدراته وتشتت تركيزه، وتفتح الباب في الوقت ذاته أمام احتمالات إشعال جبهات داخلية أخرى، وفي هذا السياق، كانت وكالة رويترز قد أشارت في 4 مارس/آذار الماضي إلى أن جماعات كردية إيرانية ناقشت مع الولايات المتحدة سبل مهاجمة قوات الأمن الإيرانية في غرب البلاد، وطلبت دعمًا عسكريًا أمريكيًا.

أما على المستوى الاقتصادي، فإن تكثيف العمليات الأمريكية في الجنوب الغربي يكشف عن هدف لا يقل أهمية، يتمثل في الضغط على شريان الاقتصاد والطاقة الإيراني، فهذه المنطقة، بما تضمه من خوزستان وخارك والمناطق المجاورة لهما، تمثل القلب النفطي والبتروكيماوي لإيران، وتمر عبرها النسبة الأكبر من صادراتها النفطية،  ومن ثم، فإن استهداف هذا الحيز الجغرافي لا يُقرأ فقط في إطار التصعيد العسكري، بل أيضًا باعتباره محاولة لخنق القدرة الاقتصادية للنظام وتجريده من واحدة من أهم أوراق الصمود والمناورة.

وفوق ذلك كله، يأتي الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في المنطقة، من خلال الدفع بآلاف من قوات المارينز والكوماندوز ووحدات العمليات الخاصة، إلى جانب حاملات الطائرات المتطورة، ليمنح هذه الفرضية مزيدًا من الزخم،  فمثل هذا التحشيد لا يعكس فقط استعدادًا لتوسيع نطاق العمليات، بل يعزز أيضًا احتمالات اللجوء إلى الخيار البري، أو على الأقل التلويح الجدي به، وفي صلب هذا الخيار قد تبرز الورقة الكردية باعتبارها إحدى الأدوات المحتملة لاستنزاف القدرات الإيرانية من الداخل وإضعاف بنية النظام تمهيدًا لدفعه نحو مرحلة أكثر هشاشة.

أزمة ثقة وتشكيك في القدرات

تضمّن اعتراف ترامب بشأن تسليح الأكراد إشارة سلبية لا يمكن تجاهلها في ما يتعلق بجدوى التعويل على هذه الورقة بوصفها أداة ضغط فعالة، وذلك حين أشار إلى أن الأسلحة لم تصل على النحو المطلوب، أو أن الأكراد احتفظوا بها ولم يسلّموها كما كان مفترضًا.

فهذا التصريح يكشف، في أحد وجوهه، عن أزمة ثقة واضحة، ويشي بأن القوى الكردية لم تنفذ الدور الذي كانت واشنطن تراهن عليها للقيام به، وهو ما يتقاطع إلى حد بعيد مع التقييمات الاستخباراتية الأمريكية التي تبدي شكوكًا حول قدرة هذه الجماعات على إحداث تحول حاسم في ميزان القوى داخل إيران.

ولا يتوقف الأمر عند حدود هذا العامل وحده، إذ إن الأكراد يعانون، في المجمل، من جملة من نقاط الضعف التي تجعل الرهان عليهم في التوقيت الراهن مسألة شديدة التعقيد، فإلى جانب محدودية قدراتهم العسكرية مقارنة بالحرس الثوري الإيراني، تعاني الساحة الكردية نفسها من هشاشة داخلية لافتة، سواء على المستوى الديموغرافي أو السياسي، حيث تتداخل الانقسامات والتباينات بين القوى والتيارات المختلفة، بما يجعل من توحيد الصف الكردي وصياغة موقف جامع وفاعل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية أمرًا بالغ الصعوبة.

وانطلاقًا من ذلك، فإن الحديث عن إسقاط نظام الملالي عبر الورقة الكردية، بصيغتها الحالية، يبدو أقرب إلى سيناريو بالغ التعقيد منه إلى خيار عملي سهل التحقق، فهي من حيث المبدأ ليست ورقة مستحيلة أو عديمة الجدوى تمامًا، لكنها تبقى حتى الآن رهينة تحولات أكبر في مسار المواجهة، قد تعيد تشكيل توازنات القوة داخل إيران وحولها، وتبدّل الحسابات السياسية والعسكرية بصورة جذرية.

هل تنجح هذه المرة؟

يفتح إعادة طرح الورقة الكردية في هذا التوقيت الباب أمام احتمال اللجوء إليها مجددًا، لا سيما بعد اكتمال الحشد العسكري الأمريكي وتهيئة مسرح العمليات على نحو يسمح، نظريًا على الأقل، بفتح المجال أمام تحرك كردي عبر الحدود الغربية والجنوبية الغربية، وهو ما لم يكن متاحًا على هذا النحو في بدايات الحرب.

ومع ذلك، فإن الاستعانة بالأكراد هذه المرة لا تبدو بالضرورة بوصفها خطة مستقلة أو أداة حاسمة لإسقاط النظام الإيراني دفعة واحدة، بقدر ما تندرج ضمن إطار تكتيكي أوسع، كأحد مكونات استراتيجية ضغط مركبة تستهدف فتح جبهة داخلية في غرب إيران، وتشتيت قدرات الأجهزة الأمنية، وخلق بيئة مواتية لاضطرابات داخلية أو على الأقل لإضعاف تماسك الدولة من الداخل واستنزافها على أكثر من محور.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اعتراف ترامب باعتباره تعبيرًا عن محاولة أخيرة لتوظيف مختلف الثغرات الداخلية الإيرانية من أجل إنهاك النظام أو دفعه إلى الانصياع تحت وطأة الضغوط المركبة، ولا شك أن الورقة الكردية تمثل واحدة من أبرز هذه الثغرات المحتملة.

غير أن الانتقال بهذه الورقة من مستوى التهديد والتلويح إلى مستوى الاستخدام الفعلي يظل مسارًا بالغ الخطورة، ليس فقط بسبب ما قد يثيره من ردود فعل إقليمية حادة، خصوصًا من قوى شديدة الحساسية تجاه تنامي النفوذ الكردي وفي مقدمتها تركيا، وإنما أيضًا بسبب ما قد يترتب عليه داخل إيران نفسها من احتمالات تفكك وفوضى حدودية واضطرابات أمنية قد تتجاوز حدودها لتطال الإقليم بأسره.

وعلى الأرجح، لا يزال ترامب يتعامل مع الأكراد باعتبارهم إحدى أوراق الضغط الممكنة في مواجهة طهران، لا باعتبارهم حتى الآن ركيزة وحيدة أو خيارًا محسومًا، لكن ذلك لا ينفي احتمال اختبار هذه الورقة ميدانيًا -بعد تمهيد الطريق ومنحها الكثير من المحفزات والمغريات والضمانات- إذا ما رأت واشنطن أن كلفة استخدامها أقل من كلفة البدائل الأخرى.

وفي ظل ذهنية سياسية شديدة الاندفاع كهذه، يصبح ما يبدو مستبعدًا في الظروف العادية قابلًا للتحول إلى خيار مطروح، خاصة مع الضغط والتحفيز الإسرائيلي المتواصل لدفع الإدارة الأمريكية نحو تبني مقاربات أكثر تطرفًا، خدمة لأجندة حكومة بنيامين نتنياهو، حتى وإن جرى تسويق ذلك تحت لافتة “أمريكا أولًا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى