
العنف الأسري في مصر: حقائق صادمة وأجيال في دائرة الخطر
لم تتصور عزة، الفتاة التي لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، أن مجرد رفضها لشاب تقدم لخطبتها سيكلفها ذراعها، التي تحطمت تحت ضربات شقيقها الذي أصرّ على إجبارها على الزواج رغماً عنها، كانت تعتقد أن اختيار شريك الحياة حق أصيل لها، يكفله الدين والقانون والدستور وكل المواثيق الإنسانية، لكنها اصطدمت بواقع أكثر قسوة مما تخيلت.
تروي عزة، ابنة محافظة الشرقية، في حديثها لـ “الترا صوت” أنها قبل نحو أربع سنوات فوجئت بشاب يكبرها بأكثر من خمسة عشر عاماً يتقدم لخطبتها، ورغم سمعته الملطخة وتاريخه المشبوه واتهامه المتكرر بجرائم شرف، تجاهل شقيقها الأكبر كل تحذيراتها ومخاوفها، مُعاملًا رغبتها وكأنها لا شيء، كأمر مفروض لا يراجع.
وعندما رفضت بإصرار، كانت النتيجة موجعة؛ فقد انهال عليها شقيقها ضرباً حتى انكسرت ذراعها، ولولا فقدانها للوعي لما توقف عن مواصلة العنف، تقول بصوت يختنق بالألم: “لو لم أغشى، ربما كنت اليوم بين الحياة والموت”
ولم تكن قصة عزة استثناء، فهي واحدة من عشرات الفتيات في مصر اللواتي يعانين العنف المنزلي، سواء من الأب أو الأخ أو الزوج، وسط مجتمع ما زال يعاني من جذور عميقة لهذه الظاهرة، فيما يبقى الصراخ من أجل العدالة والكرامة صدى بعيد المنال لكثيرين.
أرقام مُفزعة
كشف تقرير صادر عن مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة (منظمة حقوقية مستقلة) في تشرين الأول/أكتوبر الماضي صورة قاتمة للعنف الموجَّه ضد النساء والفتيات في مصر. فقد وثّق التقرير 495 جريمة عنف خلال النصف الأول من عام 2025 وحده، استنادًا لما نُشر في الصحافة المحلية وبيانات النيابة العامة خلال الفترة من كانون الثاني/يناير إلى حزيران/يونيو الماضي.
وتبرز جرائم القتل في صدارة الانتهاكات المرصودة، بعدد 156 جريمة، من بينها 120 جريمة ارتُكبت داخل إطار الأسرة—على يد زوج أو شريك حالي أو سابق، أو أحد أفراد العائلة—في ما يعادل 89.5% من إجمالي جرائم القتل ضد النساء، ويكشف التوزيع الجغرافي المتباين لهذه الجرائم عن حقيقة مؤلمة: العنف الأسري ليس ظاهرة معزولة أو مرتبطة بمحافظة دون أخرى، بل هو واقع ممتد في مختلف أنحاء البلاد.
وفي سياق متصل، تشير بيانات مرصد إدراك إلى أن عام 2024 سجّل 1195 جريمة عنف ضد النساء والفتيات، وهو أعلى رقم خلال السنوات الخمس الماضية، ما يؤكد أن منحنى العنف آخذ في التصاعد بشكل مقلق.
فقد ارتفعت الجرائم بنسبة 96.3% بين عامي 2020 و2021، وعلى الرغم من انخفاض طفيف نسبيًا بنسبة 5.7% عام 2022، فإن العنف عاد ليقفز بنسبة 23.7% عام 2023، ثم ليبلغ ذروته في 2024 بزيادة 25.6% عن العام السابق.
ولا يقتصر التمييز على العنف الجسدي أو الأسري فحسب؛ بل يبدأ من الطفولة ويتسلل إلى كل جوانب الحياة، فوفق تقرير “تحليل الوضع للأطفال والمراهقين في مصر 2024” الصادر عن يونيسف مصر، ما تزال الفتيات يعانين من فجوة جندرية واضحة: فرص تعليم أقل، ضغوط اجتماعية مضاعفة، وتفضيل ذكوري داخل الأسرة عند اتخاذ القرارات المصيرية.
ويرصد التقرير استمرار ممارسات متجذرة تُعلي من قيمة الذكور على حساب الإناث، تصل حدّ “كراهية إنجاب البنات”، وهي ثقافة لا تكتفي بإقصاء الفتاة، بل تسلبها حقها في الحماية والكرامة والوجود.
مظلة قانونية تتأرجح بين سد الثغرات والتحايل
تتمتع المرأة في مصر بسند تشريعي ودستوري يضمن كرامتها وحمايتها من التمييز والعنف، إذ ينص دستور 2014 على المساواة وتكافؤ الفرص، ويحظر التمييز على أساس النوع الاجتماعي، وتُلزم المادة (11) الدولة بحماية المرأة من جميع أشكال العنف وضمان حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كما انضمت مصر إلى عدد من الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وإن استمرت بعض التحفظات المرتبطة بالأحوال الشخصية والممارسات الأسرية.
ورغم الإطار القانوني القائم، ما زالت تشريعات العقوبات المصرية تتضمن ثغرات تحدّ من فعالية حماية المرأة، كما أشار المحامي والحقوقي عامر عمر، فتعريف الاغتصاب والاعتداء الجنسي يظل تقليديًا وضيّقًا، ولا يشمل كثيرًا من صور الاعتداء الجنسي الحديثة، بينما يُعامل بعضها كـ«هتك عرض» لا «اغتصاب».
ويضيف عامر في حديثه أن تطوير تعريف التحرش الجنسي عام 2014 لم يحقق حماية كاملة، لاقتصاره على الحالات التي يثبت فيها قصد الحصول على منفعة جنسية، ولا تزال جرائم العنف الأسري، بما فيها الاغتصاب الزوجي، غير مجرّمة صراحة، فضلًا عن إمكانية استخدام مواد قانونية لتخفيف العقوبة أو تبرير العنف بدعوى «حسن النية» أو «الحق في التأديب».
أما ختان الإناث، وفق ما ذكر، فرغم تجريمه وتحويله إلى جناية مشددة العقوبة بموجب تعديل عام 2016، فإن التطبيق العملي ما زال يواجه عقبات يسمح بعضها باستمرار هذه الممارسة تحت غطاء «الضرورة الطبية».
وبذلك، يرى عمر أن المسار نحو حماية المرأة قانونيًا ورغم ما حققه من إنجازات ملموسة لا زال بحاجة إلى مزيد من الإصلاحات التشريعية الفاعلة، وآليات تطبيق صارمة تضمن أن تبقى حقوق النساء والفتيات مصونة بالفعل لا بالنص فقط.
ليس كل الاعتداءات تُحكى
ورغم أن الأرقام الرسمية تكشف جانبًا مؤلمًا من جرائم العنف المنزلي ضد النساء، إلا أن الحقيقة أكثر قسوة مما يُعلن، فهناك قصص تُدفن خلف الأبواب المغلقة، وصرخات تخشى أن تخرج إلى النور، إن الخوف من الفضيحة، ومن انهيار الأسرة، ومن العقاب المزدوج الذي قد يلاحق الضحية بدلًا من الجاني، يجعل كثيرات يبتلعن أوجاعهن بصمت قاتل.
تروي سناء، ذات الثمانية والأربعين عامًا، أنها خلال عام واحد فقط تعرضت لأكثر من عشرين اعتداء قاسيًا من زوجها، بعضها كاد ينهي حياتها بنزيف داخلي أفقدها القدرة على الحركة، لكنها وبحسب حديثها لـ “الترا صوت” لم تجرؤ على الإفصاح عمّا يحدث، لا أمام أسرتها ولا أمام السلطات، كانت تخشى أن تتحول من ضحية إلى مُدانة، وأن يُنظر إليها باعتبارها سبب خراب البيت الذي عاشت فيه عمرًا كاملًا، بالنسبة لها، كلمة “طلاق” كانت تساوي نهاية العالم.
وتشاطرها آلامها إيمان، ذات الثلاثين عامًا، التي تؤكد أنها تعرضت للعنف عشرات المرّات، مرة من والدها، وأخرى من شقيقها، وثالثة من أقاربها.
في أسرتها بصعيد مصر، يُنظر إلى ضرب الفتاة على أنه “تأديب” و”حق مكتسب” للرجال، تخبرنا بمرارة في حديثها لـ”الترا صوت” أنها حاصلة على مؤهل جامعي، بينما زوجها لم يحصل سوى على تعليم متوسط، ومع ذلك لا تزال مكانتها تُقاس بمعايير ذكورية متجذرة، تُقصي المرأة مهما بلغت من تعليم أو وعي.
ثالوث الثقافة والاقتصاد والمجتمع
ترى الدكتورة سهام رمضان، منسق وحدة مناهضة العنف ضد المرأة بكلية الآثار – جامعة الفيوم، أن العنف الأسري ضد المرأة المصرية ليس مجرد أفعال فردية معزولة، بل هو نتيجة منظومة معقدة تحاصر المرأة من كل اتجاه؛ خليط من ثقافة موروثة ومجتمع لا ينصفها وظروف اقتصادية تعصرها حتى تختنق.
وتشير إلى أن واحدة من كل أربع نساء متزوجات تتعرض للعنف الجسدي، فيما تواجه 19% منهن عنفًا نفسيًا يترك ندوبًا قد لا تُرى لكنها تبقى حية في الروح والذاكرة، موضحة في حديثها أن الاعتداءات لا تنبع فقط من غضب عابر أو سوء تفاهم عائلي؛ بل تُغذّيها أعراف متجذرة تبرر السيطرة على المرأة وتشرعن إهانتها، فضلًا عن تجارب صادمة في الطفولة قد تُعيد إنتاج الألم في صورة عنف، إضافة إلى تأثير تعاطي المخدرات والكحول الذي يحول البيوت الآمنة إلى مسارح للرعب.
وتؤكد رمضان أن جذور الأزمة تمتد عميقًا في تربة الثقافة الأبوية التي تمنح الرجل سلطة مطلقة تحت مسميات “القوامة” و“التربية” و“حماية الشرف”، مدعومة بفتاوى مشوهة وقراءات خاطئة للدين تُستخدم كذريعة للضرب، بل وللقتل في بعض الأحيان، وتختم بأن ما لم يتم اجتثاث هذه الأفكار من عقول الناس وقلوبهم، ستظل المرأة تصرخ بلا صوت… وتُعاقَب على جُرح لم تصنعه.
إن العنف الذي تتعرض له النساء داخل منازلهن لا يترك جروحًا على أجسادهن فقط، بل يمتد أثره إلى أرواحهن، وإلى مستقبل أطفال يشاهدون الكراهية تُمارس أمام أعينهم باسم الحب أو الحماية أو الشرف.
فكل فتاة تُهان، وكل أم تُقهر، وكل زوجة تُعنف، تُزرع في قلب جيل كامل بذرة ألم قد تنمو لتصبح دائرة عنف جديدة، إن الصمت عن هذه الجرائم لا يعني انتهاءها، بل يعني إعادة إنتاجها جيلاً بعد جيل، وما لم ندرك أن كل ضربة تُوجّه لامرأة، إنما تُوجّه لمستقبل مجتمع كامل، فلن نرى وطنًا قويًا ولا أسرة آمنة.
ومن هنا، يصبح التصدي للعنف الأسري ضرورة وطنية لا ترفًا اجتماعيًا، تشديد العقوبات، وتفعيل آليات الحماية، وتغيير الثقافة التي تبرّر البطش وتُجرّم الضحية، كلها خطوات يجب أن تبدأ اليوم قبل الغد.
على الدولة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، وعلى كل فرد في هذا المجتمع، أن يقفوا في صف المرأة، صف الحياة. فحماية النساء ليست قضية تخصهن وحدهن، بل هي حماية لحق الإنسان في العيش بكرامة وأمان، وهي الحجر الأساس لبناء جيل لا يرث الخوف، بل يرث الأمل.



