مقالات

سعد الشطانوفي يكتب: إن تمسسكم حسنة !

“تسؤهم…” في مسيرتك بالحياة، تمرّ عليك مواقف تكشف خبايا النفوس، وتزيح الستار عن وجوهٍ طالما حسبتها ناصحة محبة، فإذا بها تحمل في طياتها غلاً وحسداً وكيداً. وكما عنوان المقالة “إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا”.

ليست مجرد وصف لحالٍ عابرة؛ بل هي قاعدة ربانية تكشف طبيعة بعض من يحيطون بك؛ أولئك الذين يظهرون الودّ والحب، بينما قلوبهم تضمر عكس ذلك تماماً… “وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ”.

والعَنَت في اللغة العربية يدل على المشقة الشديدة، والصعوبة، والهلاك، والإثم، وقد ورد في الاستعمال القرآني بمعنى أعمق، يشمل الهلاك الديني والدنيوي، وما يصاحبه من ذلّ وخضوع وانكسار؛ فليس ضررهم مقتصراً على جانب مادي أو موقف عابر، بل هو سعي متواصل لإفساد الدين والدنيا معاً.

تمر عليك لحظات من عمرك تتغير فيها موازين كثيرة؛ تكون صاعقة أو زلزالاً يمحص الله بها حياتك وينقيها من الشوائب ومن بطانة السوء الذين لا يدخرون كلمة ولا موقفاً ولا لحظة إلا وأرادوا إفسادك وإيقاعك في “الوحل”… “لا يألونكم خبالاً”.

والخَبَال في اللغة هو الهلاك، أو فساد العقل واختلاله، وقد يأتي بمعنى الجنون. أما في القرآن الكريم، فهو تعبير عن الفساد العميق والشر المستحكم الذي يجلبه المنافقون؛ شرّ لا يقف عند حدّ، ولا يعرف رحمة، بل يتغذى على الإفساد والتخريب.

لك أن تتخيل أنك تحبهم وتود لو أتيت لهم بكل نعيم الدنيا، وتظن – بحسن نيتك – أنهم يبادلونك الشعور نفسه، ولكن… “هم العدو فاحذرهم”؛ عداوة متخفية في ثوب النصيحة، وبغضاء مستترة خلف كلمات معسولة.

في زلزال حياتك تكتشف هوية من حولك وتنكشف الوجوه على حقيقتها؛ منهم الرجال بحق الصادقون في المواقف والثابتون معك حتى النهاية، ومنهم أنصاف الرجال وأشباههم المتلونون بلا مبدأ ولا ثبات، ومنهم المخنثون من سلبت الرجولة من مواقفهم قبل صفاتهم.

ولعل من أدق ما يلفت الانتباه في الآية الكريمة الفرق بين قوله تعالى: “إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ”، وقوله: “وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ”.

لاحظ عزيزي أن المسّ بالحسنة يوحي بأنها قد تكون خفيفة أو بسيطة، ومع ذلك تسوءهم وتغضبهم، لأن الخير – مهما قلّ – يؤلم قلوبهم.

أما السيئة، فجاء التعبير عنها بـ”الإصابة”، لما فيها من وقع وألم، ومع ذلك يفرحون بها؛ بل يجدون فيها لذتهم وشماتتهم.

العلاج الإلهي توجيه بالصبر والتقوى ” وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا” ووعد “لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا .

والكيد في أصله هو المكر والاحتيال بخفاء، وهو نوعان:

كيد إيجابي محمود، وهو كيد الله سبحانه، القائم على العدل والحكمة، كما في قوله: “وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ”.

وكيد سلبي مذموم، نُسب في القرآن إلى الشيطان، والخائنين، وفرعون، والكافرين، والسحرة، ومن سار على نهجهم، وكلّه شرّ وفساد.

تدبروا آيات الله في سورة “آل عمران” رقم 118 و119 و120.

            

                    

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى