
أجور لا تكفي وحريات مُقيدة: عمال مصر بين القانون والواقع
قبل عام تمامًا، أعلنت الحكومة المصرية رفع الحد الأدنى للأجور إلى 7 آلاف جنيه شهريًا (نحو 148 دولارًا)، في خطوة بدت آنذاك وكأنها اعتراف رسمي بثقل الأزمة المعيشية التي ترزح تحتها الطبقة العاملة.
حينها استقبل ملايين العمال القرار بقدر من الأمل، لا سيما أن عددهم يناهز 33.6 مليون عامل، يعمل 24.1 مليون منهم في القطاع الخاص، أي ما يزيد على 82% من قوة العمل، كانوا يتطلعون إلى أن يكون هذا القرار بداية حقيقية لاستعادة بعض التوازن بين الأجور وتكاليف الحياة المتصاعدة.
غير أن الواقع سرعان ما بدّد تلك التوقعات، فمعظم شركات القطاع الخاص تجاهلت الالتزام بالحد الأدنى المعلن، لتتحول الزيادة من قرار على الورق إلى وعد مؤجل في حياة العمال اليومية.
ومع اتساع الفجوة بين الأجر والدخل اللازم لتأمين الاحتياجات الأساسية، لم يعد الغضب حبيس الصدور، بل خرج إلى العلن في صورة احتجاجات ووقفات واعتصامات سلمية عبّرت عن شعور عام بالخذلان.
وعندما أُقرّ قانون العمل الجديد ودخل حيّز التنفيذ في الأول من أيلول/سبتمبر 2025، علّق كثيرون آمالهم عليه باعتباره أداة قانونية قد تُجبر أصحاب الأعمال على احترام الحد الأدنى للأجور.
إلا أن القانون، في التطبيق، لم ينجح في كبح التجاوزات أو إنهاء حالة التراخي، لتستمر الاحتجاجات وكأنها مؤشر اقتصادي واجتماعي على خلل أعمق من مجرد رقم للأجر.
اليوم، ومع دخول عام 2026، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تتحول الضغوط المعيشية المتراكمة إلى أكبر موجة احتجاجات عمالية تشهدها البلاد، أم تنجح الدولة والقطاع الخاص في إعادة صياغة عقد اجتماعي أكثر عدالة، يوازن بين استدامة الأعمال وحق العامل في حياة كريمة؟
100 احتجاج عمالي خلال عام
في ظل غياب إحصاء رسمي يرصد عدد الاحتجاجات العمالية وخريطتها الجغرافية في مصر، برزت مبادرات مستقلة حاولت سد هذا الفراغ، والاقتراب قدر الإمكان من قياس حجم الظاهرة وملامحها الإنسانية والاقتصادية، ومن بين هذه المبادرات، جاء رصد منصة “المنصة” الإعلامية، التي تابعت نحو 100 احتجاج عمالي خلال عام 2025، في محاولة لالتقاط نبض الشارع العمالي وتحوّلاته.
يكشف هذا الرصد عن مشهد ممتد من الإسكندرية إلى أسوان، شارك فيه آلاف العمال، وحمل في طياته مئات القصص المتباينة، بعض هذه التحركات نجح في انتزاع مكاسب محدودة خففت من وطأة الأزمة، فيما انتهى بعضها الآخر بخسائر زادت من أعباء العمال، لكنها في الوقت ذاته راكمت خبرات احتجاجية صقلت وعيهم بحقوقهم وحدود الممكن.
ورغم إقرار “المنصة” بأن الرقم الحقيقي للاحتجاجات يتجاوز ما تم توثيقه، فإن مجرد تسجيل 100 احتجاج خلال عام واحد يظل مؤشرًا لافتًا، خاصة في ظل الإجراءات الحكومية المعلنة بهدف تخفيف معاناة العمال.
وتنوّعت أشكال الاحتجاج بين 28 إضرابًا كليًا وجزئيًا وتباطؤيًا، و64 وقفة وتظاهرة، إلى جانب 8 اعتصامات، في تعبير متدرج عن تصاعد الضغوط.
وبين هذه الأرقام الباردة، برزت لحظة إنسانية قاسية تمثلت في محاولة انتحار داخل شركة سكر كوم أمبو في أسوان، كإشارة دامغة على عمق الأزمة الاجتماعية خلف المؤشرات الاقتصادية.
وتصدرت محافظة القاهرة قائمة المحافظات من حيث عدد الاحتجاجات، مسجلة 38 تحركًا، وهو أمر متوقع في ظل تركّز النشاط الاقتصادي ومراكز الأعمال في العاصمة، غير أن اللافت كان تنامي وتيرة الاحتجاجات في محافظات الصعيد، شمالًا وجنوبًا، التي شهدت 29 احتجاجًا خلال العام، في دلالة على انتقال الغضب العمالي من الهامش إلى القلب.
وفي هذا السياق، يشير كمال عباس، منسق دار الخدمات العمالية، إلى وجود زيادة ملحوظة في النشاط الاحتجاجي خلال عام 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، معتبرًا أن هذا التصاعد لا يعكس مجرد حراك مطلبي، بل يعبّر عن واقع معيشي ضاغط ومعاناة متفاقمة تدفع العمال إلى البحث عن صوت مسموع في معادلة اقتصادية تزداد اختلالًا.
الحد الأدنى للأجور.. وقود الاحتجاجات الأبرز
كان عدم الالتزام بتطبيق الحد الأدنى للأجور المحرّك الأبرز للاحتجاجات العمالية خلال العام الماضي. فبينما كان العمال لا يزالون يناضلون من أجل تنفيذ الحد الأدنى السابق البالغ 6 آلاف جنيه (127 دولارًا) دون جدوى، جاء قرار المجلس القومي للأجور في شباط/ فبراير برفع الحد الأدنى في القطاع الخاص إلى 7 آلاف جنيه (148 دولارًا)، لا بوصفه حلًا، بل كعامل فجّر موجة جديدة وأكثر حدة من الاحتجاجات، ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم، في ظل اتساع الفجوة بين القرارات الرسمية والواقع المعيشي.
ووفقًا للرصد، شكّلت المطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور نحو 70% من إجمالي الاحتجاجات، وتجلّت في تحركات لعمال شركات ومؤسسات بارزة، من بينها سيراميكا إينوفا، ومياه الشرب بالقليوبية، ووبريات سمنود، والمصرية لتجارة الجملة، وفرج الله للصناعات الغذائية، والنادي الأهلي، إلى جانب مؤسستي الوفد والبوابة نيوز.
وتعكس هذه القائمة تنوّع القطاعات المتضررة، بما يشير إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في صناعة بعينها، بل باتت تمس هيكل سوق العمل ككل.
ورغم القفزات المتتالية في الحد الأدنى للأجور، من 3 آلاف جنيه (63.5 دولارًا) عام 2022 إلى 7 آلاف جنيه (148 دولارًا) في 2024، فإن ضعف الرقابة وتملص بعض أصحاب الأعمال حالا دون التنفيذ الفعلي، حتى بعد إقراره في القانون الأخير.
وكشف الإحصاء عن أنماط متعددة من الانتهاكات، شملت التلاعب في احتساب الأجر عبر إدخال بنود شكلية، كما حدث مع عمال العامرية للغزل والنسيج، فضلًا عن تشغيل العمال لساعات إضافية دون مقابل، وتأخير صرف الأجور لأشهر متتالية، وهي ممارسات حوّلت الحد الأدنى من أداة حماية اجتماعية إلى رقم بلا أثر حقيقي في حياة العمال.
الفصل التعسفي
في المرتبة الثانية بين محركات الغضب العمالي خلال العام الماضي، جاء الفصل التعسفي وتسريح العمال بذريعة الأزمات المالية، كجرحٍ مفتوح في جسد سوق العمل.
فجأة، وجد آلاف العمال أنفسهم خارج بوابات المصانع والشركات، بلا مصدر رزق ولا ضمانات، كما حدث في شركات لابوتيه، والأمراء، وإينوفا لصناعة السيراميك، ومعهد تكنولوجيا الطيران، و”بـ لبن”، والمتحدة للصيادلة.
ولم يتوقف الأمر عند الفصل المباشر، بل امتد إلى ممارسات أكثر قسوة، تمثلت في إجبار العمال على توقيع استقالات مقابل تسويات هزيلة لا تحفظ حقوقهم، كما في حالتي عمال “إمبي” للملابس بالإسماعيلية، و”رؤية” للمقاولات في العين السخنة، حيث تحولت الاستقالة من قرار شخصي إلى ورقة إكراه.
هذا النوع من الفصل، حين يُنفَّذ دون صرف المستحقات كاملة، ويترافق مع وقف الخدمات العلاجية، كان كافيًا لتفجير غضب مكتوم في صدور العمال، ففي “إينوفا” والشركة العربية للغزل والنسيج بالإسكندرية، لم يكن الاحتجاج مجرد مطلب وظيفي، بل صرخة حياة، بعدما فقد آلاف العمال شبكة الأمان الأخيرة التي كانت تحمي أسرهم من السقوط الكامل، لتصبح الإصابة أو المرض تهديدًا وجوديًا لا يحتمل التأجيل.
غير أن أكثر الوقائع قسوة، وربما خزيًا، تجسدت في ما شهدته شركة “لينين جروب” للنسيج والمفروشات بالإسكندرية. هناك، لفظت طفلة رضيعة أنفاسها الأخيرة بين ذراعي أمها العاملة، بعد أن رفضت الإدارة منح الأم إذنًا أو إجازة لاصطحاب ابنتها المريضة إلى المستشفى، واحتجزتها داخل المصنع ثلاث ساعات كاملة.
لم تكن تلك الحادثة مجرد مأساة إنسانية، بل لحظة فاصلة حوّلت الألم إلى فعل جماعي، وأشعلت إضرابًا شارك فيه آلاف العمال والعاملات، وكأن دموع أم واحدة صارت لغة احتجاج لا يمكن تجاهلها.
التعامل مع الأزمة.. الذراع الأمني يتحدث
بدلًا من فتح قنوات للحوار مع العمال المحتجين، والسعي إلى تفاهمات تخفف من احتقانهم، خاصة في ظل التصريحات الرسمية التي تؤكد أحقية العمال في الحد الأدنى للأجور وضرورة توفير بيئة عمل آمنة ومساحة للتعبير عن المعاناة، بدا أن الدولة اختارت مسارًا مختلفًا، حيث الطرق الأسهل من وجهة نظرها.
فقد تحوّل الخيار الأمني إلى اللغة الغالبة في التعامل مع الاحتجاجات، ليحل محل الاستماع والتفاوض، وكأن صوت العامل لم يعد يُقابل إلا بإجراءات الردع لا بإصغاء حقيقي.
تجسّد هذا النهج في سلسلة من الممارسات التي حملت طابع الترهيب على مدار العام، ففي كانون الثاني/ يناير 2025 ، أُلقي القبض على عدد من عمال شركة T&C أثناء إضرابهم عن العمل، وقررت النيابة حبسهم بتهم تتعلق بإثارة الشغب وتعطيل الإنتاج، قبل أن يُفرج عنهم بكفالة.
وتكرر المشهد بصورة أشد قسوة في آذار/ مارس، حين فُض اعتصام عمال الشركة الوطنية للزراعات المحمية، وأُلقي القبض على عشرات العمال والعاملات، بينهم أطفال ونساء مرضعات وذوو إعاقة، ليقضوا أسابيع خلف القضبان قبل الإفراج عنهم، تاركين خلفهم أسرًا معلّقة بين القلق وانتظار المجهول.
قانون العمل الجديد يفشل في الاختبار
مع دخول قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 حيّز التنفيذ في الأول من أيلول/ سبتمبر2025، تعلّقت آمال واسعة بأن يكون نقطة إنصاف طال انتظارها، غير أن القانون بدا وكأنه تعثّر منذ خطوته الأولى؛ فحتى كتابة هذه السطور، عجز عن فرض الحد الأدنى للأجور على عدد من أصحاب الشركات، ولم يقتصر هذا الإخفاق على القطاع الخاص وحده، بل امتد ليطال منشآت ومصانع حكومية، في مشهد بدّد سريعًا موجة التفاؤل الأولى.
بعد مائة يوم فقط من بدء التطبيق، وثّق موقع “زاوية ثالثة” نحو 42 احتجاجًا عماليًا بين أيلول/ سبتمبر ومنتصف كانون الأول/ ديسمبر 2025، شملت قطاعات متعددة من مصانع السكر والمياه إلى شركات الأثاث والمؤسسات الصحفية.
وعلى الرغم من الوعود الرسمية، ظل كثير من العمال يتقاضون أجورًا أقل من الحد القانوني، فيما قوبلت تحركاتهم أحيانًا بإجراءات انتقامية من الإدارات، لتتحول بنود القانون من نصوص ملزمة إلى حبر لا يغيّر الواقع، في ظل غياب رقابة فعالة داخل أماكن العمل.
ورغم وضوح النصوص التي تلزم بتطبيق حد أدنى قدره 7 آلاف جنيه، يرى نقابيون أن الأزمة ليست في القانون ذاته، بل في تنفيذه، فالقانون -من وجهة نظرهم- لا يترك ثغرات أو استثناءات، لكن أصحاب الأعمال ينشغلون بالربح وحده، متجاهلين حقوق العمال الأساسية.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن حد أدنى يكفل “حياة كريمة”، لا يزال كثيرون يعملون لسنوات طويلة مقابل أجور لا تتجاوز 4 آلاف جنيه، لتبقى الرقابة مجرد مشهد دعائي، لا درعًا حقيقيًا يحمي العامل من السقوط.
2026.. بداية ساخنة
استهلّت الأسرة العمالية عام 2026 على إيقاع الاحتجاج، وبوتيرة بدت مبكرة وساخنة في آن واحد، فمع صباح العاشر من كانون الثاني/يناير، دخل آلاف من عمال شركة السكر والصناعات التكاملية في إضرابات متزامنة شملت مصانع التقطير والمعدات والتكرير و”فينوس” بالجيزة، إلى جانب مصانع إدفو بأسوان، ودشنا ونجع حمادي بقنا.
جاء التحرك احتجاجًا على عدم صرف نصيبهم من أرباح العام الماضي، نتيجة تأجيل الإدارة انعقاد الجمعية العمومية المختصة بإقرار تلك الأرباح إلى أجل غير مسمى، وفق ما أكده عدد من العمال.
وبعد ساعات من اندلاع الإضرابات، أصدرت الشركة بيانًا أعلنت فيه تحديد موعد انعقاد الجمعية العمومية يومي 17 و18 يناير، مؤكدة حرصها على “حقوق العاملين واستقرار بيئة العمل”، وداعية إلى عدم الانسياق وراء ما وصفته بالشائعات.
وبحسب مصادر عمالية، كان من المقرر عقد الجمعية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لكنها أُجلت دون تحديد موعد بديل، ما دفع العمال إلى المطالبة بعقدها سريعًا في ظل تدني الأجور واعتمادهم الكبير على نصيبهم من الأرباح، وردّت الإدارة حينها بقرار صرف سُلفة مؤقتة، قبل أن تتراجع عنه لاحقًا عقب اعتراض العمال على شروطه.
ومع تصاعد الاحتجاجات والتلويح بتوسيعها، قررت الإدارة تبكير موعد انعقاد الجمعية ليصبح الخميس 15 كانون الثاني/ يناير الجاري، مصحوبًا بوعود من مسؤولي الشركة ونواب برلمانيين بالنظر في مطالب العمال، ما دفعهم إلى تعليق الإضراب مع التأكيد على استعدادهما لاستئنافه إذا لم تُنفذ التعهدات.
وشملت مطالب العمال رفع نسبة الحوافز السنوية من 42 شهرًا إلى 60 شهرًا، وزيادة البدلات والحوافز، وصرف العلاوات المتأخرة منذ عام 2017، إلى جانب تثبيت العمالة المؤقتة وتسوية الأوضاع الوظيفية للحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة، أسوة بما جرى في شركات أخرى.
في المحصلة، وبينما علّق كثيرون آمالهم على قرار الحد الأدنى للأجور ثم صدور قانون العمل باعتبارهما نقطة فاصلة قادرة على تهدئة الغضب العمالي وإعادة التوازن المفقود، تكشف الوقائع أن المسار يسير في الاتجاه المعاكس.
فالأجواء الملتهبة عادت لتخيّم على الساحة العمالية، مدفوعة بغياب رقابة حقيقية تفرض تنفيذ القانون، وبالاستمرار في التعامل مع الاحتجاجات عبر المقاربة الأمنية وحدها.
وبين نصوص قانونية وتنفيذية تُعلن الحماية وواقع يُفرغها من مضمونها، يظل السؤال مفتوحًا: إلى متى يبقى العامل عالقًا بين وعود الإصلاح وممارسات لا تسمح له حتى بالتنفس ولا الاعتراض؟



