قضايا وتحليلات

انتخابات طويلة وهيمنة للموالاة: ماذا يحمل البرلمان المصري الجديد؟

في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية شرق القاهرة، دشّن مجلس النواب المصري، بصفته الغرفة الأولى للبرلمان، أعمال فصله التشريعي الجديد يوم الاثنين 12 كانون الثاني/يناير 2026، حيث أدّى الأعضاء المنتخبون اليمين الدستورية، أعقب ذلك انتخاب رئيس المجلس ووكيلين، إيذانًا بانطلاق دورة برلمانية جديدة.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أصدر، مساء الأحد، قرارًا بفضّ دور الانعقاد المنتهي وافتتاح الفصل التشريعي الجديد، إلى جانب قراره بتعيين 28 عضوًا بمجلس النواب، نصفهم من النساء، وفق قرارين نُشرا في الجريدة الرسمية، استنادًا إلى الدستور وقانون الانتخابات.

وبذلك أُسدِل الستار رسميًا على الاستحقاق الانتخابي البرلماني، عقب إعلان نتائج 27 دائرة أُلغيت وأُعيدت فيها الانتخابات، مساء السبت 10 كانون الثاني/يناير الجاري،  لتدخل الانتخابات النيابية الأخيرة موسوعة الأرقام القياسية بوصفها الأطول في تاريخ الحياة البرلمانية المصرية، بحسب توصيف المستشار حازم بدوي، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات.

حيث امتدت منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وحتى الرابع من كانون الثاني/يناير 2026، وشهدت سلسلة متتابعة من الطعون القانونية، وقرارات الإلغاء، وجولات إعادة التصويت، في مشهد غير مسبوق من حيث طول المدة وكثافة الإجراءات الاستثنائية المصاحبة لها وحالة الزخم والشكوك التي رافقتها.

وفقًا لبيانات الهيئة الوطنية للانتخابات، بلغ إجمالي عدد المواطنين المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين، ممن يحق لهم التصويت في انتخابات مجلس النواب الأخيرة، نحو 69 مليونًا و891 ألفًا و913 ناخبًا.

 وبحسب الأرقام الرسمية، شارك في التصويت 22 مليونًا و657 ألفًا و211 ناخبًا، بما يعادل نسبة مشاركة بلغت 32.4% من إجمالي الكتلة التصويتية، وتُظهر البيانات ذاتها تسجيل 21 مليونًا و150 ألفًا و656 صوتًا صحيحًا، مقابل مليون و506 آلاف و55 صوتًا باطلًا.

ورغم ما تعكسه تلك البيانات من عزوف ما يقارب ثلثي من لهم حق التصويت عن المشاركة في العملية الانتخابية، إلا أنها واجهت شكوكًا من قبل البعض في حجم تلك المشاركة، خاصة في ظل الجدل الذي صاحبها منذ توجيه السيسي بإعادة النظر في نتائج المرحلة الأولى وإعادة الانتخابات في قرابة 70% من الدوائر.

 وبين استمرار أنماط الهيمنة ذاتها وتراجع التمثيل السياسي الفعلي، تتعزز المخاوف من إعادة إنتاج برلمان لا يختلف كثيرًا عن سابقيه، يبقى التساؤل مفتوحًا حول ما إذا كان هذا المجلس قادرًا على كسر السردية التشاؤمية السائدة وتقديم أداء تشريعي ورقابي مغاير، أم أنه سيكتفي بالحفاظ على موقعه كحلقة إضافية في سلسلة برلمانات لم تنجح في ترجمة تطلعات الشارع المصري إلى سياسات ملموسة.

بتلك الأرقام تعد نسب المشاركة الجماهيرية للانتخابات الأخيرة واحدة من أدنى نسب المشاركة المسجلة منذ عام 2011، مما يعمّق النقاش المزمن دوافع هذا العزوف رغم استراتيجيات التحفيز والترهيب المستخدمة لدفع الشارع للمشاركة في مثل تلك الاستحقاقات الانتخابية.

ويتآلف مجلس النواب المصري من 596 مقعدًا، بواقع 284 مقعدًا مخصصة للنظام الفردي، و284 مقعدًا بنظام القوائم الحزبية المغلقة، إضافة إلى 28 مقعدًا يعيّنهم رئيس الجمهورية، وذلك استنادًا إلى القانون رقم 85 لسنة 2025 الخاص بتقسيم الدوائر الانتخابية لمجلس النواب.

لم تخرج نتائج الانتخابات البرلمانية عن إطار التوقعات المسبقة، إذ اتجهت المؤشرات كافة نحو ترسيخ هيمنة أحزاب الموالاة على تركيبة المجلس الجديد، في ظل حضور كثيف لمرشحين محسوبين على دوائر المال والأعمال، الذين شكّلوا الكتلة الأوسع ضمن مرشحي النظامين الفردي والقوائم.

 وقد عكس هذا الواقع استمرار اختلال ميزان المنافسة السياسية، بما حدّ من فرص تشكّل برلمان تعددي فعلي قادر على عكس تنوع المشهد الاجتماعي والسياسي.

ويضم مجلس النواب بتشكيلته النهائية 15 حزبًا سياسيًا، منها 7 أحزاب موالية للحكومة و8 أحزاب تُصنَّف ضمن طيف المعارضة،  وقد حصلت أحزاب الموالاة على 410 مقاعد من إجمالي 568 مقعدًا منتخَبًا، بنسبة 72.2%، مقابل 53 مقعدًا للمعارضة بنسبة 9.3%، فيما شغل المستقلون 105 مقاعد بنسبة 18.5%، وفق البيانات الرسمية.

 وتعود هذه الهيمنة، بدرجة كبيرة، إلى خوض الانتخابات بقائمة واحدة تحت مسمى “القائمة الوطنية من أجل مصر”،  ما ألغى عمليًا أي تنافس حقيقي على مقاعد القوائم، ومنح أفضلية حاسمة للأحزاب الأكبر تنظيمًا والأقرب إلى السلطة.

على نحو يكاد يكون تكرارًا حرفيًا للتجربة السابقة، لم تحمل نتائج الانتخابات البرلمانية الراهنة اختلافًا جوهريًا عن انتخابات برلمان 2021، إذ واصلت الأحزاب الموالية للحكومة هيمنتها على تركيبة المجلس.

وفي هذا السياق، تصدّر حزب مستقبل وطن المشهد بحصوله على 227 مقعدًا، يليه حزب حماة الوطن بـ86 مقعدًا، ثم حزب الجبهة الوطنية بـ65 مقعدًا، في حين توزعت بقية مقاعد الموالاة بين الشعب الجمهوري والمؤتمر والحرية المصري وإرادة جيل.

 أما الأحزاب المحسوبة على المعارضة، فقد حصدت 53 مقعدًا، جاء 36 منها عبر نظام القوائم مقابل 17 فقط بالنظام الفردي، ما يكشف محدودية قدرتها التنافسية في الدوائر الفردية.

 ويعكس هذا التوزيع، في مجمله، الثقل الحاسم لنظام القوائم الحزبية المغلقة في إعادة إنتاج برلمان تميل كفته بوضوح لصالح قوى الموالاة، مع حضور معارض محدود التأثير.

خيّم زخم إعلامي ملحوظ على افتتاح الفصل التشريعي الجديد، مع تصدّر سيدتين منصة مجلس النواب خلال مراسم أداء اليمين الدستورية، في مشهد قُدِّم بوصفه مؤشرًا على تعزيز تمثيل المرأة وبداية مرحلة جديدة من الانخراط النسوي في الحياة السياسية، وسط إشادات رسمية وإعلامية بدور المرأة داخل البرلمان المقبل.

في ضوء تركيبة يطغى عليها حضور المال والأعمال، وما أحاط بها من جدل واسع وانتقادات متكررة وتشكيك في قدرتها على التعبير عن المزاج الشعبي، يدخل البرلمان الجديد ولايته مثقلًا بأسئلة جوهرية حول جدواه ودوره الحقيقي.

غير أن قراءة الأرقام الرسمية تكشف مفارقة واضحة مع هذا الخطاب التفاؤلي، إذ بلغ عدد النائبات في التشكيل البرلماني الجديد 146 عضوة، بواقع 4 مقاعد فقط عبر النظام الفردي مقابل 142 مقعدًا من خلال القوائم، بما يحقق الحد الأدنى المنصوص عليه دستوريًا، والذي يقر تخصيص 25% من مقاعد مجلس النواب للمرأة، وفق النظام الانتخابي المعمول به.

وتبرز هنا إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة هذا التمثيل، حيث إن الغالبية الساحقة من المقاعد النسائية جاءت عبر نظام القوائم، لا نتيجة تنافس مباشر في الدوائر الفردية، وهو ما يسلط الضوء على أزمة في التمثيل النسوي المرتبط بالشارع والقاعدة الانتخابية، ويعزز الانطباع بأن حضور المرأة في البرلمان جرى ضمانه أساسًا عبر الالتزام الشكلي بالنسبة الدستورية، أكثر منه انعكاسًا لقدرة حقيقية على اختراق المنافسة الانتخابية في النظام الفردي.

على نحو يكاد يكون تكرارًا حرفيًا للتجربة السابقة، لم تحمل نتائج الانتخابات البرلمانية الراهنة اختلافًا جوهريًا عن انتخابات برلمان 2021، إذ واصلت الأحزاب الموالية للحكومة هيمنتها على تركيبة المجلس.

 فقد استحوذت “القائمة الوطنية في حب مصر”، التي ضمّت القوى الموالية، على نحو 74% من إجمالي 568 مقعدًا منتخَبًا، كان النصيب الأكبر منها لحزب مستقبل وطن بحصوله على 316 مقعدًا، بما يعادل نحو 56% من المقاعد، مقابل حصص محدودة لبقية الأحزاب، فيما تراوح تمثيل المستقلين عند حدود 100 مقعد، بنسبة تقديرية بين 16 و18%.

وتعكس هذه الأرقام مسارًا تنازليًا واضحًا في تمثيل المستقلين داخل البرلمان عبر الدورات التشريعية الأخيرة، إذ انخفض عددهم من 315 نائبًا في برلمان 2016، إلى 93 نائبًا في برلمان 2021، ثم ارتفع بشكل طفيف إلى 105 نواب في برلمان 2026.

 ويشير هذا الاتجاه، في مجمله، إلى ترسيخ هيمنة الكتلة الموالية داخل المجلس، بما يحدّ من التنوع في مراكز اتخاذ القرار ويعزز الطابع الأحادي في صناعة التشريع والرقابة.

ولا يختلف المشهد كثيرًا في ما يتعلق بتمثيل المرأة، حيث سجّل برلمان 2021 وجود 148 نائبة، فازت 6 منهن فقط عبر النظام الفردي، مقابل 142 نائبة من خلال القوائم، وهي المقاعد المخصصة للمرأة بنسبة 25% وفقًا للدستور والنظام الانتخابي، وهي النسب التي لم تتغير كثيرًا في برلمان 2026.

في ضوء تركيبة يطغى عليها حضور المال والأعمال، وما أحاط بها من جدل واسع وانتقادات متكررة وتشكيك في قدرتها على التعبير عن المزاج الشعبي، يدخل البرلمان الجديد ولايته مثقلًا بأسئلة جوهرية حول جدواه ودوره الحقيقي.

 وبين استمرار أنماط الهيمنة ذاتها وتراجع التمثيل السياسي الفعلي، تتعزز المخاوف من إعادة إنتاج برلمان لا يختلف كثيرًا عن سابقيه، يبقى التساؤل مفتوحًا حول ما إذا كان هذا المجلس قادرًا على كسر السردية التشاؤمية السائدة وتقديم أداء تشريعي ورقابي مغاير، أم أنه سيكتفي بالحفاظ على موقعه كحلقة إضافية في سلسلة برلمانات لم تنجح في ترجمة تطلعات الشارع المصري إلى سياسات ملموسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى