
بعد اليمن.. هل يكون السودان ساحة المواجهة التالية بين السعودية والإمارات؟
د. عماد عنان
لا يمكن التعامل مع ما جرى في الساحة اليمنية باعتباره مواجهة نفوذ منفصلة بين السعودية والإمارات انتهت عند حدود تراجع أبوظبي أمام مطالب الرياض وإغلاق هذا الملف نهائيًا، فالتطورات اليمنية لا تمثل سوى حلقة ضمن مسار أوسع مرشح للتوسع، قد تتكرر فصوله في ساحات إقليمية أخرى.
وعلى مدى سنوات، سعت الرياض إلى احتواء التحركات الإماراتية التي انعكست سلبًا على منظومة الأمن القومي العربي في أكثر من مسرح، من اليمن إلى السودان، مرورًا بالصومال وليبيا ومنطقة القرن الأفريقي، وذلك حرصًا على تفادي أي صدام مباشر من شأنه الإضرار بتماسك هذا التحالف وتقويض ثقله ونفوذه الإقليمي.
غير أن تجاوز أبوظبي للخطوط الحمراء التي رسمتها السعودية لأمنها القومي شكّل نقطة تحوّل فارقة، إذ لم يعد خيار الصمت مجديًا بالنسبة للرياض، التي انتقلت إلى سياسة أكثر صلابة، إيذانًا بمرحلة جديدة من مواجهة السياسات الإماراتية التي باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي، وبشكل أعم الأمن القومي العربي ككل.
وفي هذا السياق، تبرز السودان كمرشحة لأن تكون ساحة المواجهة التالية بعد اليمن، في ظل تحركات إماراتية يُنظر إليها على أنها تسهم في تعزيز النزعات الانفصالية وتهدد وحدة الدولة السودانية، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز الإطار الجغرافي للسودان، لتطال الأمن القومي العربي وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
إعادة التوازن لمعادلة القوى
شهد العام الأخير تحوّلًا لافتًا في ميزان القوى داخل الساحة السودانية، تمثل في تفوق ميداني ملحوظ لقوات الدعم السريع على حساب الجيش السوداني، وعودة مفاجئة لزخمها العسكري، وذلك بعد أن كان الجيش قد حقق سلسلة من التقدمات الميدانية التي أوحت بقرب حسم المعركة لصالحه.
ويعزى هذا التحول، وفق تقارير متعددة، إلى الدعم الإماراتي المباشر والمكثف المقدم لقوات الدعم السريع، وهو دعم موثق في أكثر من تقرير دولي وإعلامي.
وقد أسهم التدخل الإماراتي، عبر دعم محمد حمدان دقلو (حميدتي) وميليشياته، في قلب معادلة الصراع لصالح قوات الدعم السريع، الأمر الذي انعكس بوضوح على مجريات القتال على الأرض، وشجّع هذا التحول حميدتي على الانتقال من إدارة الصراع عسكريًا إلى طرح مشاريع سياسية علنية ذات طابع انفصالي، من بينها الحديث عن تشكيل حكومة موازية، وهو ما يضع السودان عمليًا على مسار تقسيمي متسارع.
وأمام هذا المشهد، الذي يحمل في طياته تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي نتيجة احتمالات تفكك الدولة السودانية، برز حراك سعودي–مصري يهدف إلى احتواء الأزمة وإعادة قدر من التوازن إلى المشهد، دون الانخراط في تدخل عسكري مباشر.
وفي هذا الإطار، تحدثت تقارير عديدة عن تقديم مصر دعمًا غير مباشر للجيش السوداني، في سياق دعم مؤسسات الدولة والحفاظ على وحدتها، وهو الدعم الذي طالما أدانه حميدتي أكثر من مرة.
وفي تطور لافت على هذا المسار، أعلنت باكستان مؤخرًا عن اقترابها من إتمام صفقة تسليح مع السودان تُقدّر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، وتهدف إلى تعزيز قدرات الجيش السوداني في مواجهته لقوات الدعم السريع، وبحسب ما نقلته وكالة “رويترز“، تشمل الصفقة تزويد الجيش السوداني بمعدات جوية، وطائرات بدون طيار، وأنظمة دفاع جوي متطورة.
ونقلت الوكالة عن مسؤول سابق رفيع في القوات الجوية الباكستانية، إضافة إلى ثلاثة مصادر مطلعة، أن إسلام آباد باتت في المراحل النهائية لإبرام الصفقة، التي تمثل دعمًا نوعيًا لقدرات الجيش السوداني، كما أفاد مصدران، طلبا عدم الكشف عن هويتهما، بأن الصفقة تتضمن تزويد السودان بعشر طائرات هجومية خفيفة من طراز “كاراكورام-8″، وأكثر من مئتي طائرة مسيّرة لأغراض الاستطلاع والهجوم، إلى جانب أنظمة دفاع جوي متقدمة.
من جانبه، قال المارشال الجوي المتقاعد أمير مسعود، الذي خدم سابقًا في القوات الجوية الباكستانية ويتمتع بإلمام بشؤونها، إن “الصفقة باتت في حكم المبرمة”، وأضاف أن الاتفاق قد يشمل أيضًا طائرات تدريب من طراز “سوبر مشاق”، وربما عددًا من مقاتلات “JF-17” التي طُوّرت بالشراكة مع الصين وتُنتج في باكستان، دون أن يحدد أعدادًا أو جداول زمنية للتسليم.
أي دور للسعودية؟
منذ الإعلان عن صفقة التسليح الباكستانية الموجهة إلى الجيش السوداني، اتجهت الأنظار نحو السعودية بوصفها الطرف الأكثر ترجيحًا للوقوف خلف هذه الصفقة أو الدفع باتجاهها، حتى في ظل غياب أدلة قاطعة أو تصريحات رسمية تؤكد وجود دور سعودي مباشر.
ويستند أنصار هذا الطرح إلى جملة من السيناريوهات التي يمكن أن تنخرط الرياض عبرها في دعم الصفقة، يتمثل السيناريو الأول في احتمال قيام السعودية بتمويل الصفقة كليًا أو جزئيًا، لا سيما في ظل العجز المالي الذي يواجهه الجيش السوداني، والذي يجعل من الصعب عليه تحمل كلفة صفقة تُقدَّر بنحو 1.5 مليار دولار في هذا التوقيت.
وقد يتخذ هذا التمويل أشكالًا متعددة، من بينها تقديم ضمانات ائتمانية، أو قروض ميسّرة، أو اللجوء إلى آليات دفع غير مباشرة، بما يسمح للرياض بتفادي الظهور العلني كطرف يسلّح أحد أطراف حرب أهلية. ويُعد الجنرال الباكستاني أمير مسعود من أبرز من يروّجون لهذا التقدير.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على اضطلاع السعودية بدور الوسيط السياسي لتسهيل تمرير الصفقة، مستندة في ذلك إلى شبكة علاقاتها المتينة مع الأطراف المعنية، فالمملكة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع قيادة الجيش السوداني، ممثلة في الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي زار السعودية ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب، كان آخرها قبل أيام، فضلًا عن العلاقات الاستراتيجية المتقدمة التي تربط الرياض بالمؤسسة العسكرية الباكستانية، والتي تعززت مؤخرًا بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المراقبين إلى اعتبار الصفقة بمثابة مكافأة سياسية للجيش السوداني، تهدف إلى تشجيعه على الانخراط لاحقًا في مسار سياسي يتوافق مع الرؤية السعودية–العربية لمستقبل السودان، بما يسهم في خفض مستويات التوتر، ويحدّ من احتمالات الانزلاق نحو سيناريو التقسيم.
وبحسب ما نقلته مصادر استخباراتية، فإن الصفقة قد تكون جزءًا من تفاهم دفاعي أوسع بين السعودية وباكستان، حيث يجري الطرفان محادثات منفصلة لإبرام اتفاق دفاعي موسع قد تتراوح قيمته بين 2 و4 مليارات دولار، ويشمل تزويد الرياض بمقاتلات «JF-17» ومعدات عسكرية أخرى، مع احتمال إدراج السودان ضمن هذا الإطار التعاقدي الأوسع.
مكاسب وأهداف متعددة
تحمل صفقة تسليح بهذا الحجم جملة من الأهداف والمكاسب المتداخلة للأطراف المعنية، فعلى الصعيد الباكستاني، تمثل الصفقة فرصة استراتيجية لتوسيع أسواق الصناعات الدفاعية الوطنية، ولا سيما في مجالات المقاتلات من طراز ” JF-1″ والطائرات المسيّرة، بما يسهم في إنعاش الاقتصاد الباكستاني الذي يواجه ضغوطًا هيكلية متزايدة.
كما تتيح هذه الخطوة لباكستان كسر هيمنة الموردين التقليديين للسلاح في القارة الأفريقية، وعلى رأسهم الصين وتركيا وإيران، وفتح السوق الأفريقية أمام فاعلين جدد في مجال التصنيع العسكري.
أما على المستوى السوداني، فمن شأن الصفقة أن تعزز قدرات الجيش السوداني، ولا سيما في مجالي التفوق الجوي والطائرات المسيّرة، بما يسد فجوة نوعية استغلتها قوات الدعم السريع خلال الفترة الأخيرة، كما تسهم في إعادة قدر من التوازن إلى معادلة القوة على الأرض، في محاولة لتمكين الجيش من استعادة زمام المبادرة الميدانية التي تراجعت بفعل الدعم الخارجي المقدم لقوات الدعم السريع.
وفيما يتعلق بالجانب السعودي، فإن تمرير صفقة من هذا النوع يندرج ضمن سياق أوسع يهدف إلى تعزيز الشراكة العسكرية والاستراتيجية بين الرياض وإسلام آباد، وترسيخ اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين، بما يفتح المجال أمام تعميق التعاون الدفاعي وتوسيع نطاق التنسيق الأمني في ملفات إقليمية ذات أولوية مشتركة.
مناهضة النفوذ الإماراتي
يتمثل الهدف الجوهري لمثل هذه الصفقة في كبح النفوذ الإماراتي المتنامي داخل الساحة السودانية، وهو نفوذ يتجه، وفق معطيات عدة، نحو تكريس واقع تقسيمي من شأنه أن ينعكس سلبًا على مجمل منظومة الأمن القومي العربي، ومن هذا المنطلق، برزت الحاجة إلى تحرك مدروس يحد من اندفاعة أبوظبي ويعيد ضبط موازين التأثير في السودان.
غير أن اللجوء إلى تدخل مباشر كان سيحمل كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، بما قد يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية غير محسوبة، وعليه، جرى البحث عن مسارات بديلة تحقق الغاية ذاتها دون الانخراط المباشر، وكان من بينها دعم الجيش السوداني عبر صفقة التسليح الباكستانية، بوصفها أداة لإعادة التوازن العسكري وكسر حالة الهيمنة التي فرضتها قوات الدعم السريع خلال المرحلة الماضية.
وفي ضوء هذه الصفقة، إلى جانب أشكال الدعم غير المباشر الذي تقدمه مصر، عسكريًا واستخباراتيًا، يُتوقع أن يتمكن الجيش السوداني من استعادة جزء معتبر من قدراته القتالية، بما يسمح له بمواجهة قوات الدعم السريع على نحو أكثر تكافؤًا، وتقليص المكاسب الميدانية التي حققتها الأخيرة بفعل الدعم الخارجي، الأمر الذي قد يدفع الصراع نحو مرحلة الحسم، أو في الحد الأدنى نحو وقف تمدد قوات الدعم السريع ميدانيًا.
ساحة جديدة للصراع الإماراتي السعودي
لا يمكن قراءة الحراك الجاري على الساحة السودانية بمعزل عن مسارات الصراع الأوسع في الإقليم، ولا سيما ما شهدته الساحة اليمنية خلال الأيام الماضية، فقد بات واضحًا أن الرياض لا تنظر إلى مواجهة النفوذ الإماراتي بوصفها معركة موضعية محصورة في اليمن، بل كمسار ممتد يتخذ أشكالًا وساحات مختلفة، يأتي السودان في مقدمتها بوصفه أحد الملفات ذات الأولوية العالية في الحسابات السعودية.
ولم يكن السودان يومًا دولة هامشية في سلّم أولويات السياسة السعودية، بل ظل يمثل ثِقلًا استراتيجيًا ثابتًا في معادلات الأمن الإقليمي للمملكة، إذ تستمد الخرطوم أهميتها بالنسبة للرياض من تداخل معقد بين اعتبارات جيوسياسية وأمنية واقتصادية، تجعل من استقرار السودان مسألة تتجاوز الإطار الثنائي، لتلامس أمن البحر الأحمر واستقرار المجال الحيوي العربي برمته.
ومن هذا المنطلق، تنطلق الرؤية السعودية من قناعة راسخة بأن أمن السودان جزء لا يتجزأ من أمن المملكة، وأن أي اختلال في توازنه ينعكس مباشرة على منظومة الأمن الإقليمي، وعليه تبدو المقاربة السعودية للحرب السودانية قائمة على إدراك متقدم لكلفة ترك هذا الملف رهينة لفراغ استراتيجي أو لتدافع إقليمي غير منضبط.
ومع تسارع التحولات الميدانية وانزلاق الصراع الداخلي نحو مسارات تهدد وحدة الدولة السودانية، وجدت الرياض نفسها أمام لحظة اختبار لا تسمح بسياسة الانتظار، خاصة مع تصاعد النفوذ الإماراتي في السودان والذي بدوره ضاعف من حدة هذا القلق، لا سيما عند وضعه ضمن سياق تمدد أوسع يشمل القرن الأفريقي، بما يلامس مباشرة اعتبارات الأمن القومي السعودي ويعيد طرح أسئلة حساسة حول توازنات النفوذ في المجال الجغرافي المحيط بالمملكة.
في المحصلة، تلوح مؤشرات متزايدة على أن السودان مرشح للتحول إلى ساحة الاشتباك الثانية في مسار التنافس السعودي–الإماراتي بعد اليمن، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة رد الفعل الإماراتي إزاء هذا الحراك، ولا سيما إذا ما جرى ربطه بتحركات موازية في الساحة الليبية، حيث الصفقة الباكستانية المبرمة قبل 3 أسابيع مع قوات خليفة حفتر والبالغ قيمتها 4 مليار دولار، بما من شأنه مزاحمة النفوذ الإماراتي في الشرق الليبي وإعادة خلط أوراق الصراع هناك.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري حول ما إذا كانت أبوظبي ستتعامل مع الحراك السعودي في السودان بالنهج ذاته الذي انتهجته في اليمن، أم أنها ستختار مسارًا مختلفًا يقوم على الصمود أو إعادة التموضع، وفي ذات الوقت يطرح المشهد تساؤلات أعمق تتعلق بالكلفة السياسية والاستراتيجية لكل خيار، سواء في حال القبول بتراجع النفوذ أو في حال المضي نحو المواجهة والتصعيد.
تلك الأسئلة لا تقتصر على قراءة مآلات الساحة السودانية فحسب، بل تتجاوزها إلى استشراف فصل جديد من التنافس الإقليمي بين القوتين الخليجيتين، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزايد فيها المخاوف من اتساع دوائر الصراع وتجاوز ساحات الاشتباك غير المباشر إلى مستويات أكثر تعقيدًا قد تمس استقرار الإقليم بأسره.



