قضايا وتحليلات

حكومة الزنداني.. محطة مفصلية في مسار وحدة اليمن

في السادس عشر من يناير/كانون الثاني 2026، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قرارًا بتعيين شائع محسن الزنداني رئيسًا لمجلس الوزراء، مع تكليفه بتشكيل حكومة جديدة، وذلك عقب قبول استقالة رئيس الحكومة السابق سالم صالح بن بريك.

وصف مجلس القيادة الرئاسي  الخطوة بأنها تأتي في إطار “تعزيز وحدة القرار السيادي”، في ظل التحولات الميدانية التي شهدتها المحافظات الجنوبية، حيث استعادت الحكومة اليمنية زمام السيطرة بعد تراجع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي التي كانت قد بسطت نفوذها على محافظتي حضرموت والمهرة، وفقًا لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

وفي هذا السياق، يصعب النظر إلى تكليف الزنداني بتشكيل حكومة جديدة، بالتزامن مع تعيين عضوين جديدين في مجلس القيادة الرئاسي، هما محمود الصبيحي وسالم الخنبشي، باعتباره إجراءً إداريًا روتينيًا أو تعديلًا تقنيًا في هرم السلطة التنفيذية، بل كونه يعكس لحظة سياسية فارقة، تتجاوز بعدها التنفيذي لتلامس جوهر الصراع على مفهوم الدولة ذاته، وتضع مشروع الشرعية أمام اختبار حاسم في مواجهة منطق الأمر الواقع، في سياق صراع مفتوح على السيادة والتمثيل والقرار الوطني.

يأتي هذا القرار في سياق داخلي بالغ التعقيد، يتقاطع مع معادلات إقليمية متشابكة، ما يحوّله من خطوة إجرائية إلى محطة مفصلية في مسار إعادة تعريف الدولة اليمنية.

 فالمعادلة لم تعد تحتمل منطق التعامل مع الدولة بوصفها “كعكة” لتقاسم النفوذ والمناصب، بل باتت تفرض الانتقال إلى مفهوم الدولة بمعناها الشامل، حيث لم يعد الخلاف محصورًا في أسماء أو مواقع داخل السلطة، وإنما امتد إلى جوهر السلطة نفسها: من يحتكر القرار؟ من يملك السلاح؟ وأي مسؤولية أخلاقية تتحملها الدولة تجاه مواطنيها في زمن الانهيار والحرب؟

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يلقي بظلاله الثقيلة على المشهد السياسي، ليس من سيقود الحكومة، ولا طبيعة الأسماء التي ستتولى الحقائب، بقدر ما هو ماهية المهام الموكلة لهذه الحكومة، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وشكل الدولة التي تنوي بناءها.

 وبصيغة أكثر وضوحًا، هل يقف اليمن على أعتاب مرحلة جديدة تؤسس لمشروع وطني مؤسسي طويل الأمد، أم أننا أمام إعادة تدوير للمشهد القديم، بما يفضي في النهاية إلى إعادة إنتاج الفوضى ذاتها، ولكن تحت عناوين وهويات مختلفة؟

وفق هذا التصور، يغدو تكليف شائع الزنداني بتشكيل حكومة جديدة خطوة تتجاوز حدود التعديل الإداري أو إعادة توزيع المواقع داخل السلطة، ليحمل دلالة سياسية صريحة مفادها أن مرحلة الالتباس والرمادية تقترب من نهايتها، وأن هناك توجّهًا معلنًا لتسمية الأشياء بمسمياتها والانطلاق نحو المستقبل بعقليات وأدوات مغايرة.

 غير أن هذا التحول، إن صحّ، لا يخلو من تحديات كبرى، إذ تقف الحكومة المرتقبة أمام أربعة اختبارات حساسة وفاصلة ستحدد مدى قدرتها على تحويل هذا الإعلان السياسي إلى واقع ملموس.

يتمثل التحدي الأول الذي سيواجه الحكومة الجديدة، أياً كانت تركيبتها وهويتها السياسية، في مسألة توحيد القرار العسكري، بوصفها شرطًا تأسيسيًا لا غنى عنه لقيام الدولة واستعادة هيبتها، فلا يمكن الحديث عن سلطة فاعلة أو سيادة مكتملة في ظل وجود فصائل وتشكيلات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة، وبعيدًا عن جيشها ومؤسساتها الوطنية النظامية.

فالدولة التي لا تحتكر أدوات العنف الرسمي، ولا تؤمم السلاح، ولا تفرض قيودًا صارمة على أي تشكيلات عسكرية خارج بنيتها الرسمية، تبقى عاجزة عن بسط سيطرتها الكاملة، وتتحول هذه الفجوة إلى نقطة ضعف بنيوية، أو ما يشبه “خنجرًا” مغروسًا في خاصرتها، يمكن استخدامه في أي لحظة لزعزعة استقرارها، بما يجعلها دولة رخوة وقابلة للاختراق.

وتزداد أهمية توحيد القرار العسكري كأحد الأهداف المركزية للحكومة المرتقبة، في ضوء الدور الذي لعبته بعض التشكيلات المسلحة المنتشرة في المحافظات الجنوبية، والتي دعمت محاولات التمرد الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وعملت على تعطيل أي مساعٍ أو أصوات تدعو إلى وحدة الدولة.

ومن هنا، فإن تجاهل هذه التشكيلات أو تركها خارج نطاق المعالجة الجدية لا يمثل خيارًا واقعيًا، بل مغامرة سياسية وأمنية من شأنها تفريغ أي مشروع إصلاحي أو وطني من مضمونه الحقيقي.

في السياق ذاته، لا يمكن مقاربة مسألة توحيد القرار العسكري بمعزل عن توحيد القرار السياسي، إذ إن منطق الدولة الواحدة يقتضي انسجام السلطتين معًا، فكما لا يستقيم ترك كيانات مسلحة خارج الإطار الرسمي للدولة، لا يجوز كذلك الإبقاء على مواقع القرار السياسي في يد شخصيات أو كيانات تتبنى أيديولوجيات ومشاريع تتعارض جوهريًا مع أهداف الدولة ووحدتها، وهو ما يجعل من مسألة “التطهير السياسي” للمناصب السيادية والتنفيذية استحقاقًا لا مفر منه.

وتبرز أهمية هذا الاستحقاق في ضوء ما شهدته الساحة السياسية في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين أعلن عدد غير قليل من المحافظين والوزراء ومديري العموم ورؤساء المؤسسات دعمهم الصريح لمشروع الانفصال، واصطفافهم العلني خلف رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، والتعامل معه بوصفه مرجعية سياسية تتقدم في الولاء والطاعة على رئيس مجلس القيادة الرئاسي.

ومن هذا المنطلق، فإن الإبقاء على هذه الأسماء في مواقعها بعد تشكيل الحكومة الجديدة، دون مساءلة أو إقالة واضحة، من شأنه أن يقوض أي مسار جاد لتوحيد الدولة، ويكرس واقع “الكانتونات” السياسية المفككة، القابلة للانقسام والتمزق في أي لحظة، كما أنه يبعث برسالة سلبية وخطيرة مفادها أن التمرد السياسي والتغريد خارج إطار الوحدة الوطنية قد يمر بلا كلفة، وهو ما ينسف مبدأ العدالة الردعية المطلوب ترسيخه في هذه المرحلة الحساسة، ويقوض هيبة الدولة في لحظة يفترض أن تعيد فيها فرض منطق القانون والشرعية.

منذ فرار عيدروس الزبيدي وبداية التفكك العملي للمجلس الانتقالي الجنوبي، تعرّض الشارع اليمني في المحافظات الجنوبية لموجة غير مسبوقة من الخطاب التحريضي المنهجي، يقودها رئيس المجلس الهارب من الخارج، مستندًا إلى شبكات وقوى داعمة له في الداخل اليمني، إذ لم يعد هذا الخطاب تعبيرًا عفويًا عن حالة غضب أو احتجاج، بقدر ما غدا أداة سياسية منظمة تستهدف إعادة تشكيل المزاج العام وجرّه نحو مسارات تصعيدية خطيرة.

وتشير جملة من المؤشرات إلى أن هذا الخطاب يُدار بصورة ممنهجة، بغرض تأليب الشارع وتحويل المشهد السياسي إلى أزمة شعبية مفتوحة، تنذر بانزلاق نحو احتراب أهلي من شأنه تقويض كل الجهود الرامية إلى توحيد الدولة واستعادة مؤسساتها.

ويعتمد هذا الخطاب الممنهج في بنيته الأساسية على لغة شعبوية مكثفة، تعزف على أوتار الهوية والقومية والانفصال، مستغلة حالة الإحباط والانهاك التي يعيشها الشارع الجنوبي.

وانطلاقًا من ذلك، يصبح التصدي لهذا الخطاب ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، وذلك عبر مسارات متعددة، في مقدمتها ملاحقة المروجين له قانونيًا وسياسيًا في الداخل والخارج، بالتوازي مع تبني خطاب وطني موازٍ قادر على تفكيك مرتكزاته وكشف تناقضاته وتفنيد مضامينه التحريضية.

 غير أن هذا التحدي يظل بالغ الصعوبة، في ظل حالة التباين الحاد في المواقف داخل الجنوب، والانقسامات العميقة في الرؤى تجاه مشروع الانفصال، فضلًا عن تعقيدات الدور الذي تلعبه بعض القوى الإقليمية في تغذية هذه الانقسامات وإعادة إنتاجها

بالتوازي مع مساعي توحيد القرارين العسكري والسياسي، ومواجهة الخطاب التحريضي، تبرز ضرورة ملحّة أمام الحكومة للعمل على إعادة لُحمة الجبهة الداخلية التي تعرضت لتمزق عميق بحكم سنوات الصراع والانقسام، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا عبر تبني سياسات قائمة على الاحتواء الوطني، تحت مظلة العدالة والتشاركية، لا من خلال منطق الاستقطاب أو الانفراد بالقرار.

وتدرك الحكومة، كما يدرك الفاعلون السياسيون كافة، أن النزعات الانفصالية في الجنوب اليمني تستند إلى حاضنة جماهيرية لا يمكن إنكار حضورها أو التقليل من وزنها في المشهد العام، ومن ثمّ، فإن تجاهل هذه الحقيقة أو التعامل معها بمنطق القوة المجردة لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتعقيدها، وفتح مسارات جديدة للتوتر وعدم الاستقرار.

وعليه، يصبح الاحتواء السياسي والاجتماعي لهذه الكتل ضرورة استراتيجية، ليس بوصفه تنازلًا عن ثوابت الدولة ووحدتها، بل باعتباره أداة لتقوية الجبهة الداخلية ومنع تحويلها إلى نقطة ضعف تُستغل لعرقلة مسار الوحدة وتقويض أي مشروع وطني جامع. فنجاح الحكومة في هذه المقاربة سيحدد إلى حد بعيد قدرتها على تحويل خطاب الوحدة من شعار سياسي إلى واقع مستدام.

استنادًا إلى ما سبق، يغدو تكليف شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة مسؤولية تاريخية في لحظة استثنائية، تضعه أمام استحقاق يتجاوز إدارة مرحلة انتقالية عابرة إلى إعادة صياغة نموذج الحكم ذاته.

 فهو مطالب بتقديم حكومة مغايرة كليًا لما سبقها، حكومة تنتصر لفكرة الدولة الوطنية الموحدة لا لمنطق التقسيمات الطائفية والجغرافية الممزقة، وتؤسس للتشاركية بدل الاستقطاب، وتتناغم مع المزاج الشعبي وهمومه، لا مع عقلية الهيمنة السلطوية المنفصلة عن المجتمع.

وتفرض هذه المسؤولية على رئيس الحكومة أن يتعامل مع اليمن بوصفه دولة ذات سيادة ومشروعًا وطنيًا جامعًا، لا كغنيمة تتنازعها الأطراف وتتنافس على اقتسامها، كما تضعه أمام مهمة شاقة تتمثل في استعادة الثقة المفقودة بين الشارع اليمني والمؤسسات الرسمية، وهي ربما أصعب معارك المرحلة المقبلة، نظرًا لما راكمته سنوات الصراع من خيبات وشكوك عميقة تجاه السلطة.

ويستدعي نجاح هذه المهمة منح الحكومة ورئيسها كامل الصلاحيات السياسية والتنفيذية لإدارة المشهد، بعيدًا عن أي قيود أو وصايات تُفرغ دورها من مضمونه، وتحولها إلى مجرد واجهة شكلية أو “سكرتارية سياسية” عاجزة عن ترجمة الرؤى والبرامج إلى سياسات وإجراءات ملموسة على الأرض.

وفي المقابل، يبرز أحد أخطر الفخاخ التي قد تقع فيها الحكومة الجديدة، والمتمثل في الارتهان لمنطق المحاصصة والتوازنات الجغرافية والسياسية والاجتماعية، وهو المنهج ذاته الذي أفضى إلى إخفاقات الحكومات السابقة، فالمشهد اليوم أكثر هشاشة وتعقيدًا، وأي انحراف عن مسار الدولة الجامعة ستكون كلفته السياسية والوطنية باهظة، وقد لا يحتمل اليمن تكرارها مرة أخرى.

يمتلك شائع محسن الزنداني، المولود في 16 سبتمبر/أيلول 1954 بمديرية جحاف في محافظة الضالع جنوب اليمن، مسيرة أكاديمية وسياسية ودبلوماسية طويلة تؤهله للاضطلاع بمهمة قيادة الحكومة في هذه المرحلة الدقيقة.

 فهو خريج كلية الحقوق، وحاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة بتخصص القانون، ودخل المجال العام مبكرًا من بوابة العمل الطلابي، حيث تولّى رئاسة الاتحاد الوطني العام لطلبة اليمن عام 1974، ثم شغل منصب السكرتير العام للاتحاد العام لطلبة العرب عام 1976، قبل أن يعمل مدرسًا في جامعة عدن بين عامي 1978 و1981.

وانتقل الزنداني لاحقًا إلى العمل الدبلوماسي، حيث تدرج في عدد من المناصب داخل اليمن وخارجه، فعمل وزيرًا مفوضًا وقائمًا بأعمال السفارة اليمنية في بغداد (1981–1982)، ثم نائبًا لوزير الخارجية في اليمن الجنوبي بين عامي 1986 و1990، قبل أن يشغل منصب نائب وزير الخارجية برتبة وزير في مرحلة ما بعد الوحدة (1990–1991).

 كما مثّل اليمن في محطات دبلوماسية مهمة، إذ كان سفيرًا فوق العادة ومفوضًا لدى المملكة المتحدة (1991–1994)، وسفيرًا ومستشارًا للوفد الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف (1994–1997)، ثم سفيرًا لدى إيطاليا، وسفيرًا غير مقيم لدى عدد من الدول الأوروبية (2005–2010)، فضلًا عن كونه مندوبًا دائمًا لليمن لدى منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بين عامي 2008 و2010.

وتواصل حضوره الدبلوماسي في العقد الأخير، حيث شغل منصب سفير اليمن لدى الأردن (2010–2015)، ثم سفيرًا لدى السعودية ومندوبًا دائمًا لدى منظمة التعاون الإسلامي بين عامي 2017 و2024، قبل أن يُعيَّن في 27 مارس/آذار 2024 وزيرًا للخارجية وشؤون المغتربين.

وإلى جانب ذلك، شارك في عضوية عدد من الهيئات واللجان الرسمية والفكرية، وترأس وفد اليمن في مناسبات مفصلية، أبرزها اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو/أيار 1990، وهو ما يمنح سيرته بعدًا سياسيًا ورمزيًا يتقاطع مع لحظة التكليف الراهنة وما تحمله من رهانات وطنية كبرى.. فهل ينجح في مهمته؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى