قضايا وتحليلات

د. عماد عنان يكتب: ترامب يكتب شهادة وفاة النظام العالمي

على الرغم من انعقاد النسخة الحالية من المنتدى الاقتصادي العالمي وسط برودة جبال الألب وثلوجها، فإن أجواء الاجتماعات التي احتضنتها مدينة دافوس السويسرية جاءت على النقيض تمامًا، إذ اتسمت بقدرٍ لافت من السخونة والتوتر، فقد طغت على النقاشات موجات من الاضطراب الحاد، عكست تصاعد حدة الخلافات وتراكم الأزمات الدولية.

وبخلاف شعار الدورة الحالية “روح الحوار“، بدت المداولات أقرب إلى ساحات مواجهة سياسية وفكرية، حيث غلب الطابع الصدامي على كثير من الجلسات، وتقدمت لغة الاستقطاب والتجاذب على حساب منطق التفاهم والتقارب، فلم تقتصر النقاشات على تبادل الرؤى بقدر ما أعادت إحياء مفاهيم التناحر الدولي وتضارب المصالح، في مشهد يعكس عمق الانقسامات التي يشهدها النظام العالمي.

وفي تلك الأجواء المشحونة، انطلقت فعاليات الاجتماع السنوي للمنتدى في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه المخاطر الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية والأمنية، وهو ما جعل من هذه الدورة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، في عالم تتراجع فيه مساحات الحوار لصالح استعراض القوة وتغليب منطق النفوذ.

وقد انعقدت هذه الدورة خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير/كانون الثاني تحت شعار “روح الحوار”، وسط مشاركة غير مسبوقة من حيث الحجم والتمثيل، إذ شهدت حضور نحو ثلاثة آلاف شخصية من أكثر من 130 دولة، من بينهم قرابة 400 قائد سياسي رفيع المستوى، شملوا نحو 65 رئيس دولة أو حكومة، إضافة إلى ستة من قادة دول مجموعة السبع، ما منح المنتدى ثقلًا سياسيًا يعكس حجم الرهانات المطروحة على طاولته.

تُعد الدورة الحالية استثنائية بامتياز، إذ جاءت في لحظة يدخل فيها العالم منعطفًا جيوسياسيًا معقدًا، بعد “القنبلة” التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتغييراتٍ الجذرية التي أحدثها في سياسة واشنطن الخارجية تجاه حلفائها وخصومها على حد سواء.

من غزة إلى إيران، مرورًا بفنزويلا ووصولًا إلى غرينلاند، اعتمد ترامب خطابًا متشددًا أعاد إلى الواجهة مخاوف انهيار النظام التجاري العالمي ونقض قواعده التي ظلت راسخة لعقود.

وفي ظل هذه الأجواء المتوترة، طفت تساؤلات حرجة حول مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، خصوصًا بعد تهديدات بفرض رسوم إضافية على دول أوروبية كعقاب على موقفها من ضم غرينلاند، ما أثار مخاوف أوروبا من أن تصبح فريسة للابتزاز الأمريكي.

ومع هذا التوتر المتصاعد، لم يعد المنتدى مجرد منصة لمناقشة الملفات الاقتصادية التقليدية من غذاء وطاقة وتحول نحو الطاقة النظيفة، بل تحول إلى مسرح لصراع مباشر بين واشنطن وبروكسل، في مشهد أقرب إلى الصدام السياسي.

وقد دخل كل طرف إلى دافوس محملًا بمخاوفه واستعداده للدفاع عن مصالحه، متربصًا بما قد يطرحه الطرف الآخر، ما جعل هذه النسخة من المنتدى استثنائية بكل المقاييس، ليس بسبب أجندتها المعتادة، بل بسبب التوتر الذي يلوح في أفق العلاقات الدولية وخارطة الاقتصاد العالمي

على مدى عقود، شكلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا نموذجًا لنظام اقتصادي متماسك، كان بمثابة حاجزٍ قوي أمام أي محاولات لتفكيك البنية الاقتصادية العالمية، لكن التحولات التي أحدثها ترامب في سياسة بلاده مؤخرًا وضعت هذا النظام في مهب الريح، إذ بدا وكأنه يواجه أولى التصدعات الجذرية التي تهدد بتآكل أساساته، ما يثير القلق من أن هذا الجدار المتين قد يتحول إلى هيكل هش ينهار تحت وطأة الضغوط والتقلبات.

وبهذا الإرث من المخاوف دخل قادة أوروبا إلى منتدى دافوس محملين بشكوك متزايدة حول مستقبل الاقتصاد عبر الأطلسي، مع شعور متصاعد بأن قواعد النظام الاقتصادي الذي حكم العلاقات لسنوات باتت مهددة.

وفي هذا السياق، حمل الرئيس الأمريكي معه رسالتين بارزتين، الأولى أن الاقتصاد بات يُستخدم كأداة ضغط سيادي، وأن الرسوم الجمركية لم تعد مجرد آلية لضبط التجارة وحماية الحقوق، بل أصبحت أداة ابتزاز تُوظَّف لتحقيق مكاسب سياسية، حتى لو كان الثمن إضعاف النظام القانوني الدولي.

أما الرسالة الثانية، فكان مفادها أن التحالفات التقليدية – في إشارة هنا للتحالف الأمريكي الأوروبي تحديدًا-  لم تعد خطوطًا حمراء، وأن استمرارها بات محل شك، ما أربك المناخ العام في دافوس وحوّل النقاش إلى مناورة سياسية أكثر منها حوارًا اقتصاديًا.

في لحظة كاشفة نادرة، تتجاوز تقاليد الدبلوماسية المعتادة، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني وفاة النظام العالمي القديم المبني على القواعد، محذرًا القوى المتوسطة من أن استمرارها في مسارها التقليدي سيجعلها فريسة لطموحات القوى العظمى.

وعكس لغة الحذر والمجاملة الدبلوماسية التي كانت تشهدها مثل تلك المحافل الدولية، جاء خطاب كارني صريحًا وغير معتاد، مؤكدًا أن النظام القائم على القواعد يتآكل وأن الأقوياء يفعلون ما يريدون، فيما يتحمل الضعفاء تبعات ذلك دون خيار.

وأكد رئيس الوزراء الكندي أن العالم لا يمر مجرد “مرحلة صعبة” بل في خضم قطيعة حقيقية، مشددًا على أن الزمن الذي كان فيه التكامل الاقتصادي ضمانة للسلام قد انتهى، واستبدل بذلك “واقعًا وحشيًا” تُستخدم فيه أدوات الاعتماد المتبادل كسلاح، من خلال التعريفات الجمركية والإكراه المالي واستغلال سلاسل التوريد.

وفي هذا السياق، طرح كارني عقيدة جديدة لبلاده أطلق عليها “الواقعية القيمية” (Values-based Realism)، داعيًا إلى إعادة بناء السردية التي حكمت السياسة الخارجية الغربية لعقود، بعيدًا عن التظاهر بأن القوانين الدولية تعمل بحيادية، في حين كانت القوى العظمى تستثني نفسها من تطبيقها.

وفي وصفٍ لافت، ربما يكون هو الأخطر والأجرأ لمسؤول غربي، حذر كارني القوى المتوسطة، التي لا تملك هيمنة أميركا أو الصين لكنها تملك وزنًا جماعيًا، من أنها إذا لم تكن “على الطاولة” فسوف تكون “في قائمة الطعام”، داعيًا هذه الدول إلى التوقف عن التفاوض من موقع ضعف في إطار ثنائي، واستثمار ثقلها الجماعي لتشكيل “مسار ثالث” مؤثر، عبر مبادرات مثل نوادي المشترين للمعادن الحرجة وربط شراكة عبر المحيط الهادئ مع الاتحاد الأوروبي.

وبتفكيك خطاب رئيس الوزراء الكندي وما حمله من رسائل تحذير ومقترحات واقعية، فالحديث هنا لم يعد عن إدارة أزمة طارئة، بل عن إعادة رسم قواعد اللعبة الاقتصادية الدولية من جذورها، في تحول غير مألوف في الخطاب الغربي.

رغم هشاشة الأوضاع الاقتصادية والانقسامات السياسية التي تعاني منها أوروبا، حاول قادة القارة الظهور بمظهر موحّد في مواجهة ابتزاز وتهديدات ترامب، معتبرين أن تهديده بفرض رسوم جمركية إضافية على ثماني دول أوروبية، بسبب رفضها خطوة ضم جزيرة غرينلاند، بمثابة اختبار حقيقي لصلابة الاتحاد الأوروبي، وعليه جاءت المواقف في منتدى دافوس متأرجحة بين إظهار القوة والتصدي لتصريحات ترامب الصدامية، وبين السعي لاحتواء الأزمة وتجنب أي تصعيد إضافي قد يجر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.

من جانبه عبّر الرئيس الفرنسي بوضوح عن الموقف الأوروبي، مؤكدًا أن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن يخضع لقانون الأقوى، وأن أوروبا لن تستسلم أمام المتنمرين أو ترضخ للترهيب، مشددًا على أن مجرد التفكير في استخدام أدوات الردع التجاري ضد الولايات المتحدة يعكس مدى خطورة المرحلة الراهنة.

وفي نفس الاتجاه، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن التحولات العالمية تتطلب رد فعل سريعًا، وأن حجم التغيرات الزلزالية دفع أوروبا إلى التوجه نحو الاستقلال، مشددة على أن الوقت قد حان لبناء “أوروبا جديدة مستقلة”

ومن جهته، وضع رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر التكتل عند مفترق طرق، مطالبًا بتوحيد الموقف الأوروبي بعد محاولات استرضاء ترامب في السابق للحصول على دعمه في حرب أوكرانيا، مؤكّدًا أن الاتحاد يجب أن يقرر ما إذا كان سيقف معًا أو يظل منقسمًا.

وبدورها، أكدت نائبة رئيس الوزراء السويدي إيبا بوش أن محاولات التملق لكسب ترامب لن تنجح، داعية الاتحاد الأوروبي إلى تشديد موقفه والحفاظ على خطه، مع إبقاء خيارات الرد التجاري جاهزة كأداة ردع.

في ظل التصدع المتزايد في جدار العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وجدت الصين فرصةً سانحة لتقديم نفسها كبديلٍ اقتصادي مستقر، يفتح أبوابه لجميع الرؤى ويعتمد على التشاركية بدل الاستقطاب، ويعزز التعاون بدلًا من الانفراد بالرأي.

فوسط أجواء من عدم اليقين وتراجع الثقة في النظام الاقتصادي العالمي، حاولت بكين أن تصوّر نفسها كحليفٍ موثوقٍ يمكن الاعتماد عليه في مواجهة موجات التوتر التي تلوح بها السياسات الأمريكية.

وفي هذا الإطار، أكد نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خه لي فنغ أن الممارسات الأحادية والاتفاقيات التجارية لبعض الدول انتهكت بوضوح مبادئ منظمة التجارة العالمية وألحقت ضررًا بالغًا بالنظام الاقتصادي والتجاري الدولي، في إشارة واضحة إلى السياسات الأمريكية دون تسميتها صراحة.

وأوضح أن الصين ليست خصمًا لأي دولة، بل شريك تجاري للجميع، وأن نموها يشكل فرصة للاقتصاد العالمي وليس تهديدًا له. وأضاف أن بكين مستعدة للاستفادة من سوقها الضخمة وتوسيع وارداتها بوتيرة أسرع، وأنها لا تسعى فقط لأن تكون “مصنع العالم”، بل أيضًا، وبحماس أكبر، أن تكون “سوق العالم”.

ويمثل هذا الخطاب دعوة صينية مفتوحة لأوروبا لإعادة ضبط بوصلة شراكتها، بعيدًا عن القبلة الأمريكية ، باتجاه الشرق حيث يمكن للصين تعويض الفراغ المحتمل الذي قد يتركه الانسحاب الأمريكي، مع تقديم مزايا اقتصادية جذابة في حال تعمقت العلاقات مع العواصم الأوروبية.

ومن هذا المنطلق، حملت رسالة خه لي فنغ بعدًا تحذيريًا مباشرًا للولايات المتحدة، مفاده أن أوروبا تمتلك خيارًا بديلًا قائمًا على الشراكة والفرص الاقتصادية، لا على الابتزاز والتوتر، الأمر الذي يبدو أن صداه لدى الأمريكان سيكون سريعًا.

وسط ما أبدته أوروبا من محاولات التمترس والاحتفاظ بوحدة تحالفها في مواجهة واشنطن، أعلن الرئيس الأمريكي، مساء الأربعاء 21 من الشهر الجاري، أنه لن يفرض الرسوم الجمركية المقررة في الأول من فبراير/شباط على عدد من الدول الأوروبية، وذلك بعد اجتماع جمعه بالأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روتّه، على هامش منتدى دافوس.

وقد سبق هذا الإعلان تصريحات لوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي أعرب عن ثقته في أن الولايات المتحدة وأوروبا ستتجاوزان الأزمة وتتجنّبان ما يخشاه البعض من انزلاق إلى حرب تجارية طويلة، قائلا: “لماذا نقفز إلى هذا السيناريو؟ لماذا تأخذون الأمر إلى أسوأ الاحتمالات؟ هدئوا من الهستيريا. خذوا نفسًا عميقًا”.

وفي محاولة لتخفيف حدة التوتر، حمّل بيسنت جزءًا من المسؤولية إلى ما وصفه بـ”وسائل الإعلام المزيفة”، مشيرًا إلى دور الصحف في تضخيم الأزمة وقيادتها نحو سيناريوهات متطرفة، في إشارة ضمنية إلى “فاينانشال تايمز”، غير أن الرسالة الأهم كانت أن ترامب أراد تفادي أن يصل التصدع مع أوروبا إلى مستويات قد تضر بمصالح الولايات المتحدة وتعمّق الفجوة مع أكبر حليف لها تاريخيًا.

ويبدو أن خطوة ترامب جاءت في سياق محاولة لامتصاص الغضب الأوروبي وإرسال إشارات تهدئة، ولو مؤقتة، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن يتحول النزاع التجاري إلى صدام مفتوح، وقد بدا أن الرئيس الأمريكي كان يختبر التوازنات، محاولًا استغلال الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، دون أن يجرح الشريك الأوروبي أو يدفعه نحو ردود فعل قد تقلب موازين التحالف التقليدي.

كشفت مداولات دافوس في نسخته الحالية عن مدى التوحش الذي وصلت إليه خارطة الاستقطابات العالمية، حيث باتت الصراعات الثنائية بين القوى الكبرى قادرة على تفكيك القواعد الاقتصادية القديمة، سواء بين بكين وواشنطن أو بين واشنطن وأوروبا.

وفي ظل هذه البيئة، تتحول الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية وأدوات النفوذ التجاري إلى أسلحة سياسية، ما يهدد بإحداث ارتدادات كارثية على اقتصادات الدول النامية، وعلى رأسها الدول العربية ودول الشرق الأوسط.

وتترجم هذه التحولات إلى انعكاسات مباشرة على المنطقة العربية، فعلى الجانب الاقتصادي، يتوقع أن تتعرض اقتصاداتها لتقلبات أسعار السلع الأساسية، خاصة النفط والغاز وسلاسل الغذاء، ما يزيد من ضغوط التضخم ويهدد استقرار الدول، أما على المستوى السياسي، فتضع هذه الاستقطابات دول الشرق الأوسط أمام ضغوط متزايدة لتحديد موقفها بين القوى المتصارعة، ما يفرض تحديًا حقيقيًا للحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبني “الواقعية القيمية” كما طرحها رئيس الوزراء الكندي، عبر الانضمام إلى تكتلات إقليمية ودولية جديدة، واستغلال فرص الشراكات الاستراتيجية المتنامية، مثل تحركات أوروبا نحو الصين وقطر، ومفاوضاتها مع الهند ورابطة دول جنوب شرق آسيا.

وفي النهاية، يبعث منتدى دافوس رسالة إنذار واضحة، فالدول التي لا تحظى بحضور فعّال على طاولة التكتلات الكبرى، ستكون في النهاية عرضة لأن تصبح فريسة في لعبة تتقاسم فيها القوى الكبرى النفوذ والمكاسب.. فهل نقرأ الرسالة جيدًا هذه المرة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى