مقالات

أمينة العناني تكتب: الثور الأبيض

يعود أصل الكتاب الهندي الشهير «بنجاتنترا»، المعروف عربيًا باسم «كليلة ودمنة»، إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وهو كتاب زاخر بالحِكم، يضم خمسة عشر بابًا رئيسيًا، يتفرع عن كل باب عدد من القصص التي تعالج قضايا السلطة والخيانة والتحريض والصداقة، وسقوط القيم، وغيرها من المعاني الإنسانية الخالدة. وقد وصل إلينا هذا الأثر العظيم مترجمًا بيد الفيلسوف والمفكر العباسي عبد الله بن المقفع، الذي صاغه بلغة عربية رفيعة جعلته خالدًا في الذاكرة الثقافية العربية.

اتخذ الكاتب من الحيوان لسانًا ناطقًا، ليعبر من خلاله عن أعمق ما يعتمل في النفس البشرية من صراعات ودوافع ورغبات. ولشدة تأثير هذا الكتاب وخطورة أفكاره، أُحرق في عصور مختلفة، خوفًا من أن يوقظ وعيًا، أو يشعل فتنة، أو يزعزع استقرارًا زائفًا اعتاد عليه البشر.

من بين حكايات «كليلة ودمنة»، توقفت طويلًا أمام حكاية الأسد والثيران الثلاثة. شعرت برغبة عارمة في استدعائها، لا بوصفها حكاية تراثية، بل مرآة تعكس واقعًا مريرًا نعيشه جميعًا… واقع غياب الإنسانية. فالإنسانية لم تختفِ فجأة، ولم تُقتل بين ليلة وضحاها، بل سبقتها مقدمات طويلة، وخطوات صغيرة، وتنازلات بدت في ظاهرها بسيطة، لكنها كانت قاتلة في جوهرها.

قُتلت يوم قُتل الثور الأبيض.

ثلاثة ثيران جمعتهم الصداقة:
ثور أبيض يرمز إلى الضمير،
وآخر أسود يمثل الأخلاق،
وثالث أحمر يجسد الرحمة.

لا أعلم إن كان مؤلف الحكاية قصد هذه الدلالات تحديدًا، لكنني وجدتها أقرب ما تكون إلى ما أود قوله لك، عزيزي القارئ.

ذات يوم، لمح أسد جائع—شيطان حسود، حاقد، أناني، جشع—هذه الثيران الثلاثة، فوجدهم أقوياء متماسكين، عصييّ الهزيمة. أدرك أن القوة وحدها لن تنال منهم، وأن العضلات لا تُجدي، فآثر الحيلة على المواجهة، والدهاء على الصدام.

توجه الأسد إلى الثورين الأسود والأحمر، متنكرًا في ثوب الناصح الأمين، وقال لهما:
«الثور الأبيض هو سبب ضعفكم، وبسببه أنتم مكشوفون لكل طامع. تخلصوا منه، وستحصلون على حياة أكثر أمانًا وهدوءًا».

استجابا لوسوسته. وحين هاجم الأسد الثور الأبيض، وقف الصديقان متفرجين، صامتين، خائنين. تُرك الأبيض وحيدًا، فريسة سهلة، واستسلم لمصيره بعدما رأى الخذلان بأم عينيه.

بعد أن شبع الأسد، عاد ليكرر لعبته. أوهم الثور الأسود أن الأحمر أقوى منه، وأن وجوده خطر. فاشتعل الغضب، وتكررت الخيانة، وسقط الثور الأحمر.

وحين جاء دور الأخير، لم يحتج الأسد إلى حيلة. اقترب منه بثقة ليقتله، فصرخ الثور الأحمر:
«أنا صديقك… كيف تقتلني؟»
فأجابه الأسد ببرود قاتل:
«قُتلتَ يوم قُتل الثور الأبيض».

هكذا ببساطة:
حين يُقتل الضمير، تنهار الأخلاق، وتُذبح الرحمة، وتموت الإنسانية.

فرامل وقانون بلا روح

الضمير الإنساني هو الفرامل الداخلية الوحيدة التي تمنعنا من الانزلاق. يسبق العُرف، ويتقدم على التقاليد، ويتجاوز كلام الناس. هو الحارس الصامت الذي يوقفك قبل الخطأ، ويوقظك قبل السقوط.

ويموت الضمير تدريجيًا…
عندما نبرر الخطأ بقولنا: «كل الناس بتعمل كده»،
عندما تصبح المصلحة الشخصية هي المعيار،
عندما نُطلق على القسوة اسم القوة،
وعلى الخطأ اسم الحرية.

وحين يتلاشى الضمير، تتحول الأخلاق إلى قانون بلا روح.
شعارات تُرفع في العلن، وانحلال يُمارس في السر:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.

يتحول الخطأ إلى شطارة، والظلم إلى دهاء، والنفاق إلى حسن تصرف، وتُبرر الخطيئة ما دامت تحقق مصلحة عابرة أو بريقًا زائفًا لا يدوم.

أما الرحمة، فهي من أعظم صفات الله، وقد أودع في قلوبنا قبسًا منها:
أم تسهر على طفلها المريض،
أب يكد ليؤمّن حياة كريمة لأبنائه،
إطعام جائع،
سقي عطشان،
ستر عيب،
كلمة طيبة في وقت ضيق،
عفو عند المقدرة.

لكن حين يغيب الضمير، وتُساوَم الأخلاق، تصبح الرحمة انتقائية… لا تُمنح إلا لمن داخل الدائرة الضيقة، وتُسحب بزوال المصلحة، فلا يبقى في القلب إلا القسوة.

وحين يموت الضمير، وتذبح الأخلاق، وتغيب الرحمة…
تموت الإنسانية.

أعزائي القراء، دعونا نعمل بقول الله تعالى:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾،
ولنستحضر خلق الرحمن في قوله ﷺ:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَن فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُم مَن فِي السَّمَاءِ».

دمتم بخير… وبضمير حي. 🌿

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى