قضايا وتحليلات

من الرياض إلى القاهرة: أردوغان وجولة خفض التصعيد في الشرق الأوسط

يُجري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارة رسمية قصيرة إلى الرياض والقاهرة يومي الثلاثاء والأربعاء، الرابع والخامس من شباط/فبراير الجاري، تلبية لدعوتين رسميتين من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

ومن المقرر أن يلتقي أردوغان ولي العهد السعودي في الرياض لبحث آخر المستجدات الإقليمية والدولية، قبل أن يتوجه إلى القاهرة للمشاركة في ترؤس أعمال الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين تركيا ومصر، الذي تستضيفه العاصمة المصرية، وفق ما صرّح به السفير التركي لدى مصر صالح موتلو شان.

وتأتي هذه الجولة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تشهده المنطقة في ظل حالة من السيولة السياسية والأمنية، وسط تصاعد منسوب القلق والترقب إزاء احتمالات التصعيد، ولا سيما على خلفية التوتر المتنامي بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافقه من حديث متكرر عن سيناريوهات مواجهة محتملة، في وقت تشير فيه المعطيات إلى ملامح إعادة تموضع وإعادة رسم للخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

توقيت حساس.. للتوقيت دلالة

يغادر أردوغان بلاده في وقت يسوده ترقّب واسع لاحتمالات اندلاع مواجهة عسكرية بين طهران وواشنطن، في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة، بالتزامن مع اشتعال عدد من الملفات الإقليمية الساخنة، من غزة إلى اليمن ثم السودان وسوريا، مرورًا بليبيا، ووصولًا إلى منطقة القرن الأفريقي.

تأتي هذه الجولة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تشهده المنطقة في ظل حالة من السيولة السياسية والأمنية، وسط تصاعد منسوب القلق والترقب إزاء احتمالات التصعيد، على خلفية التوتر المتنامي بين الولايات المتحدة وإيران

وتتزامن هذه الزيارة مع تقاطع مصالح استراتيجية بين أنقرة والرياض والقاهرة، وسط تقارير تتحدث عن مشاورات لتدشين إطار تحالف إقليمي يضم العواصم الثلاث، إلى جانب إسلام أباد، في مسعى لاحتواء حالة السيولة الإقليمية وضبط مسارات التوازن قبل الانزلاق نحو مزيد من الفوضى، الأمر الذي يضفي على الجولة زخمًا سياسيًا وأهمية خاصة في هذا التوقيت الحساس.

جولة تبريد الأجواء

يمكن توصيف جولة الرئيس التركي بأنها تندرج في إطار زيارات ” خفض التصعيد” ومحاولة تبريد بؤر التوتر المتصاعدة في الإقليم، في ظل مشهد إقليمي شديد الاشتعال، يتقدمه الوضع المتفجر في اليمن، حيث التوترات التي برزت مؤخرًا بين الحليفين السعودي والإماراتي، وما يرافقها من مخاوف متزايدة من الانزلاق نحو سيناريوهات التفكك والتقسيم.

كما تفرض الساحة السودانية نفسها بقوة على أجندة الجولة، في أعقاب التطورات الميدانية المتسارعة، ولا سيما سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع، وما صاحبه من مؤشرات على تنامي النزعات الانفصالية، الأمر الذي دفع كلا من الرياض وأنقرة والقاهرة إلى تنسيق مواقفها وتشكيل جبهة داعمة للجيش السوداني، بما أحدث ارتباكًا واضحًا في حسابات أطراف الصراع وأعاد رسم معادلات القوة على الأرض.

ويمتد مسار الجولة من السودان إلى ليبيا شمالًا، حيث بلغ الاستقطاب السياسي والعسكري مستويات غير مسبوقة، وسط تقارب ملحوظ في الرؤى بين القاهرة وأنقرة يهدف إلى احتواء حالة الاستقطاب، ودعم مسار وحدة الدولة الليبية، وإنهاء الانقسام الذي ألقى بتداعيات خطيرة على الأمن القومي المصري والمصالح الاستراتيجية التركية.

ولا يقلّ القرن الأفريقي أهمية ضمن سياق هذه الجولة، في ضوء التحديات الأمنية واللوجستية التي أفرزتها التطورات الأخيرة، وعلى رأسها تنامي الحضور الإسرائيلي في هذه المنطقة الحيوية، بما يهدد الأمن الملاحي العربي، ويفتح الباب أمام تحويل هذه المنطقة المحورية إلى ساحة تنافس دولي تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، وهو ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، ويضع المصالح التركية في هذا الإقليم أمام تحديات معقّدة.

غزة.. تفاهمات المرحلة الثانية من الاتفاق

يتقدم ملف غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار صدارة أجندة الزيارة، حيث يُنتظر أن يجري الرئيس التركي مباحثات معمّقة حول هذا الملف مع كلٍّ من الرئيس المصري وولي العهد السعودي، في ضوء التطورات الأخيرة التي طرأت عليه، ولا سيما الدعوات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر ما عُرف بـ”مجلس السلام العالمي”، إلى جانب الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، والتي تمثل خرقًا صريحًا لبنود الاتفاق.

وفي هذا السياق، يسعى الثلاثي التركي–المصري–السعودي إلى بلورة موقف عربي-إسلامي إقليمي موحّد، يهدف إلى دفع مسار اتفاق غزة نحو مرحلته الثانية، وتكثيف التنسيق بشأن ملفات إعادة الإعمار، بما ينسجم مع الرؤية الفلسطينية ويحول دون ترك الساحة السياسية والدبلوماسية رهينة للسردية الإسرائيلية وحدها.

تعزيز التعاون الاقتصادي

يشكّل البعد الاقتصادي أحد الركائز الأساسية لهذه الزيارة، في ظل ما يواجهه اقتصادا مصر وتركيا من تحديات متراكمة تفرض توسيع دوائر الشراكات والبحث عن مسارات جديدة لتخفيف حدة الاضطرابات.

وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين أنقرة والقاهرة خلال السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا، لا سيما في مجالي التجارة والصناعة، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 10 مليارات دولار، ما جعل تركيا ثاني أكبر سوق مستقبِلة للصادرات المصرية، إلى جانب استثمارات تركية قائمة في مصر تُقدَّر بنحو 4 مليارات دولار، موزعة على قطاعات متعددة.

يشكّل البعد الاقتصادي أحد الركائز الأساسية لهذه الزيارة، في ظل ما يواجهه اقتصادا مصر وتركيا من تحديات متراكمة تفرض توسيع دوائر الشراكات والبحث عن مسارات جديدة لتخفيف حدة الاضطرابات

وفي هذا السياق، يُنتظر – بحسب خبراء اقتصاديين- أن تسهم الزيارة في فتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي، عبر جذب استثمارات تركية جديدة قد تتجاوز 500 مليون دولار خلال عام 2026، مع التركيز على مجالات واعدة مثل الطاقة المتجددة، والتصنيع، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الطاقة والبنية التحتية.

ويُنظر إلى هذه الشراكة بوصفها فرصة لتعزيز النمو الاقتصادي المصري، وخلق فرص عمل جديدة، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد في الإقليم، في إطار مسعى مشترك لترسيخ تعاون اقتصادي أكثر عمقًا واستدامة بين البلدين.

القاهرة – أنقرة.. تقارب الضرورة

بعد سنوات من التوتر امتدت لما يقارب عقدًا من الزمن، عادت العلاقات المصرية–التركية لتسجّل تقدمًا ملحوظًا وتسارعًا واضحًا خلال الفترة الأخيرة، في انعكاس مباشر لإدراك متبادل لدى البلدين لحجم التحديات الإقليمية والدولية، وهو ما دفعهما إلى تجاوز الخلافات السياسية والأيديولوجية، وتغليب منطق المصالح الاستراتيجية على حسابات الصدام.

وفي سياق إقليمي يتسم بتشابك الأزمات وتسارع مسارات الصراع، تعود القاهرة وأنقرة إلى واجهة المشهد بوصفهما فاعلين يسعيان إلى إعادة ضبط التوازنات الإقليمية، ليس عبر المواجهة، بل من خلال تنسيق سياسي وأمني آخذ في الاتساع، يشمل ملفات شديدة الحساسية تتعلق بوحدة الإقليم ومنع تقسيمه والحفاظ على مقاربات السلام والاستقرار.

ويُظهر هذا التقارب بين البلدين، والذي تجاوز إطار المجاملات الدبلوماسية والزيارات البروتوكولية، ترجمة عملية في مواقف مشتركة حيال قضايا محورية، وفي مقدمتها التطورات المرتبطة بالتحركات الإسرائيلية في غزة والسودان والصومال.

ومع اتساع رقعة التنسيق وتزايد مستويات التناغم بين القاهرة وأنقرة، تتكثف المؤشرات على انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر نضجًا وعمقًا، تتجاوز إدارة الخلافات إلى محاولة الإسهام الفاعل في إعادة تشكيل توازن إقليمي جديد.

توازنٌ يسعى إلى حماية المصالح العربية والإسلامية، وصياغة مقاربة مستقلة للمشهد الإقليمي، في مواجهة مشاريع إعادة هندسة المنطقة وفق رؤى خارجية، وعلى نحو يخدم حسابات إسرائيلية على حساب استقرار الإقليم وسيادته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى