أوراق سياسات

عائد عميرة يكتب: الصحراء الغربية.. محنة إقليم

تعد قضية الصحراء الغربية أحد أطول النزاعات في تاريخ القارة الإفريقية، إذ يمتد عمرها السياسي إلى فترة الاستعمار الإسباني الذي احتلها لأكثر من 90 عامًا. وهي من أكثر الملفات إثارة للحساسية بين الدول الإفريقية والمغربية على وجه الخصوص، فقد استطاعت نسج علاقات دبلوماسية مع البعض، وتمزيقها مع البعض الآخر. لذلك، لا يمكن النظر إلى محنتها على أنها قدر داخلي فحسب، فقد أثّرت تطوراتها على سياقات ومسارات سياسية أبعد من موقعها الجغرافي وأزماتها الحدودية.

قبل أن تبدأ النزاعات حول هوية هذه الصحراء الواقعة في شمال إفريقيا، تسابقت أطماع إسبانيا الاستعمارية نحو أراضيها. وعندما أجبرت على الخروج منها في عام 1975، زرعت فيها ألغامًا وخلافات تغذيها صراعات الأمس ومصالح اليوم ومطامح المستقبل. سرعان ما بدأ صراع جديد في المنطقة، تعددت فيه الأطراف وتعقدت فيه الحلول، رغم تدخل الأمم المتحدة ووسطاء دبلوماسيين آخرين.

نتقصى في هذا التقرير حكاية هذا الصراع المحتدم منذ 47 عامًا، ونحاول تتبع دوافع الفاعلين في قضية الصحراء وخلفيات مواقفهم، ومستقبل هذه المسألة التي ترسم سياسات المنطقة وتحدد خريطة صراعاتها وحلفائها.


خضعت منطقة الصحراء الغربية للاستعمار الإسباني خلال الفترة بين 1884 و1976، وتقع هذه المنطقة شمال غرب القارة الإفريقية، وتبلغ مساحتها نحو 266 ألف كيلومتر مربع، فيما يبلغ عدد سكانها – الذين هم خليط من القبائل العربية والأمازيغية – نحو 400 ألف نسمة (حسب إحصاءات سنة 2004)، يتوزعون على مدن الصحراء الغربية الرئيسية.

أول من استوطن تلك المنطقة هم قبائل صنهاجة الأمازيغية في الفترات السابقة على دخول الإسلام في المنطقة في النصف الأول من القرن الثامن الميلادي، وأسست هذه القبائل في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي دولة المرابطين التي بسطت سيطرتها على كل المنطقة وانطلقت منها إلى حكم المغرب والأندلس.

بقيت الصحراء الغربية في أغلب فترات تاريخها خارج السيطرة المركزية لأي دولة رغم الهجرات البشرية المتعاقبة عليها، لكن في بعض الفترات كانت جزءًا من الأراضي التي تحكمها الدولة المركزية التي قامت في المغرب منذ عهد الأدارسة في أواخر القرن الثامن الميلادي. وبسبب غياب السلطة المركزية الحاكمة، بقيت المنطقة ذات بنية سكانية عشائرية مختلطة بين العرب والأمازيغ، وكانت هذه القبائل في أغلب الأحيان تعقد اتفاقيات تتعدد بتعدد الجهات والزعامات والأطراف، دعمًا لهذه السلطة أو مهادنةً لتلك في دول الجوار.

تتمتع الصحراء الغربية بثروات طبيعية كثيرة، تشمل الثروة الحيوانية والصيد البحري، إذ يبلغ طول السواحل الصحراوية 600 كيلومتر على المحيط الأطلسي، إضافة إلى المعادن مثل الفوسفات الذي يشكل نحو 28.5% من المخزون العالمي، بالإضافة إلى الحديد والنحاس والمنجنيز والرخام وغيرها من الثروات الباطنية التي قد تشمل الغاز والنفط.

أتاحت الطبيعة الجغرافية للمنطقة إمكانيات تجارية كبيرة، إذ سيطرت في فترات زمنية مختلفة على تجارة القوافل والتجارة الأطلسية على الشواطئ الصحراوية، ما منح القبائل التي تقطن الصحراء الغربية نفوذًا واسعًا. إلى جانب ذلك، تتمتع الصحراء الغربية بطابع سياحي ملائم لفعاليات المغامرة والاستكشاف، ومن أهم المناطق السياحية المشهورة: واحة لمسيد، بحيرة نايلة، خليج خنيفيس، شلالات أم بدعة، ووادي تافودار.


سعى الإسبان إلى السيطرة على هذه المنطقة لاستعادة موقعهم على الشواطئ المقابلة لجزر الكناري على المحيط الأطلسي. وفي مؤتمر برلين (1884-1885) الذي عُقد لتنظيم الاستعمار الأوروبي والتجارة في إفريقيا خلال فترة الإمبريالية الجديدة، أقرت الدول الأوروبية بسيادة إسبانيا على منطقة الصحراء الغربية، رغم وجود معارضة فرنسية.

عقب عدة سنوات، وتحديدًا في سنة 1900، اعترفت فرنسا بسيادة إسبانيا على الصحراء الغربية في مفاوضات التسوية بينهما، وفي سنة 1932 اتفق الطرفان على ضم مناطق الساقية الحمراء ووادي الذهب، أي “منطقة الصحراء الغربية”، إلى التراب الإسباني.

اكتفى الإسبان في البداية بالتحصن داخل مراكز معزولة على شواطئ المحيط الأطلسي، تأسست فيها فيما بعد مجموعة من المدن مثل العيون والداخلة والكويرة، تاركين العمق الصحراوي مجالًا لسيادة القبائل كما كان من قبل. لكن القبائل المنتشرة في الصحراء لم ترضَ بهذا الحال، إذ شكّلت مقاومة مسلحة لطرد الإسبان من المنطقة، ومع ذلك لم تكن ضرباتها قوية إلا ابتداءً من خمسينيات القرن العشرين، تزامنًا مع موجة الاستقلال التي عرفتها دول المنطقة آنذاك.

أصرت إسبانيا على مواصلة حكم المنطقة، رافضة التفاوض مع سكان الصحراء الغربية، خاصة بعد أن فقدت مستعمراتها في العالم الجديد (الأمريكتين). ونتيجة ذلك، شنت قواتها حربًا شرسة ضد المقاومين الصحراويين، وتمكنت من القضاء على جيش التحرير سنة 1958، فخفتت العمليات العسكرية لفترة محدودة، ما مكن مدريد من نشر سيطرتها الكاملة على المنطقة والاستمتاع بثرواتها الطبيعية الكثيرة.

في الأثناء، أدرجت الأمم المتحدة سنة 1963 الصحراء الغربية في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي بموجب الفصل 11 من ميثاق المنظمة الأممية، وهو ما كان دافعًا مهمًا لتجدد مطالب الاستقلال، وكان استقلال دول الجوار عاملًا مهمًا في ذلك أيضًا.

تزامنًا مع تجدد مطالب الاستقلال، عرف المجتمع الصحراوي تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية كثيرة، وتطور الوعي السياسي لدى سكان المنطقة. فبدأ التحرك من داخل المدن الصحراوية لأول مرة، وشهد عام 1970 انتفاضة “الزملة” في مدينة العيون، عاصمة الإقليم.

تصدى الإسبان لهذه الانتفاضة – التي رفع المشاركون فيها شعارات تطالب بالاستقلال – بالقوة وقتلوا العديد من الصحراويين، وكان هذا الأمر إيذانًا بتأسيس “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” (البوليساريو) في 10 مايو/أيار 1973، بمبادرة من شباب من أصول صحراوية كانوا يتابعون دراستهم في جامعة محمد الخامس بالرباط، أبرزهم الولي مصطفى السيد ومحمد عبد العزيز وولد الشيخ بيد الله، ويتبنون الفكر اليساري الاشتراكي.

ما إن تأسست البوليساريو حتى بدأت العمل العسكري ضد الإسبان وأججت مظاهر العداء ضد المحتل، ما أجبر الحكومة الإسبانية على الإعلان في السنة الموالية عن عزمها تنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 1975.

كان ظن البوليساريو أن الإسبان سيتخلون عن المنطقة لصالحهم، خاصة أن مدريد أجرت معهم لقاءات في سبتمبر/أيلول 1975 كان محورها الاستقلال ومستقبل العلاقات بين الطرفين. لكن الحكومة الإسبانية عقدت في نوفمبر/تشرين الثاني “اتفاقية مدريد” مع المغرب وموريتانيا، تم بموجبها نقل سلطة تسيير الصحراء إلى إدارة مؤقتة مشتركة بين الدول الثلاثة.

جاءت اتفاقية مدريد بعد أيام قليلة من “المسيرة الخضراء”، وهي مسيرة شعبية تمت يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1975 بدعوة من الملك الحسن الثاني، شارك فيها 350 ألف مغربي واتجهوا نحو الصحراء الغربية من أجل الضغط على إسبانيا لمغادرة المنطقة، ورفع المشاركون الأعلام المغربية والقرآن الكريم.

جاء تنظيم المسيرة الخضراء إثر صدور قرار محكمة العدل الدولية في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 1975، الذي يعترف بوجود بيعة قانونية بين سكان الصحراء وملك المغرب قبل استعمار إسبانيا للإقليم، وكذلك بوجود علاقة مع موريتانيا. ومع ذلك، نص القرار أيضًا على أن الصحراء الغربية لم تكن أرضًا خالية قبل الاحتلال الإسباني، وأن العلاقات القائمة لم ترق يومًا إلى مستوى السيادة، ولا يمكن أن تؤثر على حق سكان الإقليم في تقرير مصيرهم السياسي.

في 26 فبراير/شباط 1976، أبلغت إسبانيا الأمم المتحدة أنها ألغت وجودها العسكري والإداري في المنطقة وتنازلت نهائيًا عن مسؤولياتها فيها، وتركت الأراضي الصحراوية تحت إدارة المغرب وموريتانيا، كل منهما في المناطق التي تسيطر عليها: الساقية الحمراء للمغرب ووادي الذهب لموريتانيا، فيما احتفظت مدريد باستغلال الفوسفات من مناجم بوكراع، كما احتفظت بقواعد عسكرية قبالة جزر الكناري.

وكان المغرب لا ينفك يُطالب بالصحراء الغربية بصفتها جزءًا لا يتجزأ من أراضيه التاريخية، واشتد تمسكه بها بعد تخليه عن المطالبة بموريتانيا سنة 1969. فيما تطالب موريتانيا هي الأخرى بالصحراء الغربية منذ 1957، وتعتبر السيادة عليها استكمالًا لوحدتها الترابية ولتوحيد مجموعة البيظان التي تشكل من الناحية الديمغرافية أهم مكونات الشعب الموريتاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى