مقالات

عزة الفشني تكتب: أزمة الكلاب الضالة بين الرحمة والاستغلال

في شوارع مصر وبين الأزقة تنتشر الكلاب الضالة بلا هوادة، فتثير الرعب في قلوب المواطنين وتفتح بابًا للنقاش حول مستقبلها وبقائها. تتنقل الكلاب الضالة باحثة عن البقاء، تاركة وراءها مخاوف حول مصيرها. وفي قلب هذا الجدل يبرز سؤال ملح: هل يمكن أن تكون دماء هذه الكلاب مفتاحًا لحل أزمة اقتصادية، أم أنها مجرد ضحية للاستغلال؟

إن انتشار الكلاب الضالة بأعداد مهولة في شوارع مصر أصبح ظاهرة تثير القلق والخوف بين المواطنين، نظرًا لما تسببه من مشكلات صحية واجتماعية، كما تثير جدلًا حول كيفية التعامل معها.

غالبًا ما يُخشى أن يؤدي وجود هذه الكلاب بهذا الكم الهائل في الشوارع إلى نقل بعض الفيروسات المتحورة، كما حدث في عام 2020 مع ما عُرف بإنفلونزا الخنازير، حيث تم القضاء على الخنازير آنذاك لهذا السبب. ومن هذا المنطلق يرى البعض أن هذه الكلاب قد تشكل قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت إذا ظهرت سلالة فيروسية خطرة.

وفي السياق ذاته، فإن تصدير دم وبلازما الكلاب موضوع حساس يثير جدلًا واسعًا؛ فالبعض يراه مصدرًا محتملًا للدخل، بينما يعارضه آخرون بسبب المخاوف الأخلاقية والصحية. والكلاب التي يُؤخذ منها الدم أو البلازما يجب أن تكون من فصائل محددة وتخضع لشروط صحية صارمة.

سؤال موجّه لجمعيات الرفق بالحيوان ومحبي الحيوانات:
ما سبب التركيز الكبير على حملات رعاية كلاب الشوارع رغم ما قد يشكله بعضها من خطر على الإنسان؟

أليس من الأولى توجيه هذه الجهود لدعم الحيوانات الأليفة والمنتجة التي لا تشكل خطرًا وتسهم مباشرة في خدمة الإنسان، مثل الخيول والجمال والحمير وبقية حيوانات المزارع، والتي تعاني في كثير من الأحيان من الإهمال وسوء الرعاية؟ أليست هي أيضًا أممًا أمثالنا تستحق الرعاية والكفالة؟

ومن المسلمات أن يعي المسؤولون أن درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، وهي قاعدة فقهية إسلامية تعني تقديم دفع الضرر عند التعارض، لأن الشريعة تحرص على منع الضرر قبل وقوعه ومعالجة آثاره بعد حدوثه.

ولا ننكر أن الحكومة حاولت التعامل مع مشكلة الكلاب الضالة من خلال حملات التعقيم والتحصين، لكنها تواجه تحديات كبيرة. كما تبذل بعض الجمعيات جهودًا لإنقاذ الكلاب، غير أن من المطالب المشروعة إيجاد حلول أكثر فاعلية، مثل إنشاء ملاجئ أو بيوت للكلاب بدل تركها في الشوارع.

فهذه المشكلة تحتاج حلولًا شاملة ومتكاملة تشمل التعقيم والتحصين، وتوعية المواطنين، وتوفير أماكن إيواء مناسبة. ولا بد من تعاون بين الحكومة والجمعيات الأهلية والمواطنين لمعالجة المشكلة بشكل فعال.

إن حملات التعقيم والتحصين التي تقوم بها جمعيات الرفق بالحيوان تهدف إلى تقليل أعداد الكلاب وتحسين صحتها وحماية المواطنين من الأمراض. إلا أن إعادة إطلاق الكلاب في الشوارع بعد تعقيمها أثارت مخاوف البعض، بسبب احتمال السلوك العدواني أو تكرار حوادث العقر. ومن هنا يدور جدل حول مدى فاعلية هذه الإجراءات، إذ يرى البعض أنها لا تعالج أصل المشكلة وهو وجود الكلاب الضالة في الشوارع، مما يستدعي البحث عن حلول أكثر استدامة مثل الإيواء أو التبني.

ومن هنا يبرز سؤال مهم: من المستفيد من استمرار وجود الكلاب الضالة داخل التجمعات السكانية بالمخالفة للقانون، واستمرار تهديدها للبشر، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن؟ فلا يكاد يخلو شارع من الإزعاج أو حوادث العقر أو التلوث بفضلات الحيوانات الضالة التي قد تشكل بيئة لانتشار أمراض خطيرة.


حلول للحد من انتشار الكلاب في شوارع مصر

من الأفضل معالجة المشكلة جذريًا عبر تجميع الكلاب خارج المناطق السكنية في ملاجئ مناسبة، بما يحقق الأمان ويقلل التلوث وانتشار الأمراض. كما نطالب بمراقبة التبرعات والتحويلات المالية الموجهة لهذا الملف والتأكد من توجيهها بشكل صحيح، بما لا يضر الإنسان أو البيئة، وبالتنسيق مع الجمعيات المعتمدة فقط.

ومن بين الحلول المطروحة أيضًا اصطياد الكلاب حيّة دون إيذائها، والتفكير في تصديرها إلى الدول التي تسمح قوانينها بذلك، بما قد يسهم في تغطية تكلفة التعامل معها وتمويل برامج التعقيم. إلا أن هذا الطرح يحتاج إلى دراسة قانونية وشرعية واضحة، نظرًا لوجود خلاف فقهي وأخلاقي حول هذه المسألة.

كما أن التعقيم المنتظم والتطعيم وربما اللجوء إلى القتل الرحيم للحالات المريضة بشدة قد يسهم على المدى المتوسط في إعادة التوازن البيئي، إضافة إلى إمكانية نقل الكلاب إلى مناطق أقل كثافة سكانية.

ويجب أن تراعي الحلول حقوق الحيوانات وسلامة المواطنين معًا، مع توفير قدر أكبر من الشفافية في الإجراءات المتبعة.

إن التعقيم والتحصين الواسعين يظلان من أهم الوسائل للحد من التكاثر وانتشار الأمراض، إلى جانب إنشاء مراكز إيواء مؤقتة لرعاية الكلاب حتى يتم تبنيها أو إعادة تأهيلها.

كما أن توعية المواطنين بكيفية التعامل الصحيح مع الكلاب الضالة أمر بالغ الأهمية، إذ يقلل من حوادث العقر ويعزز ثقافة الرفق بالحيوان. كذلك فإن تطبيق القوانين البيئية بصرامة يمكن أن يحد من ظاهرة التخلي عن الحيوانات أو تركها تتجول بحرية.

ويُعد تشجيع التبني وإعادة التأهيل حلًا مستدامًا، حيث يتم تدريب الكلاب لعيش حياة آمنة داخل أسر جديدة. كما أن نشر ثقافة الرفق بالحيوان يسهم في تغيير السلوك المجتمعي تجاه هذه القضية.

وأخيرًا، فإن التعاون بين الحكومة والجمعيات الأهلية والمواطنين ضروري لتحقيق نتائج ملموسة، من خلال تكامل الجهود والموارد.


في نهاية المطاف، تبقى مشكلة الكلاب الضالة قضية مركبة تحتاج حلولًا شاملة تشمل التعقيم والتحصين والتوعية وتوفير الإيواء المناسب. أما مسألة تصدير دم وبلازما الكلاب فيجب أن تخضع لإشراف رقابي صارم يراعي حقوق الحيوانات وسلامة المواطنين.

وفي ظل هذا الجدل، تظل دماء الكلاب الضالة سلاحًا ذا حدين بين الاعتبارات الاقتصادية وقيم الرفق بالحيوان. ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ستكون هذه الكلاب ضحية جديدة لمصالح اقتصادية، أم تفتح قضيتها آفاقًا أوسع لمقاربة أكثر إنسانية وتوازنًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى