قضايا وتحليلات

لندن وبروكسل بعد الطلاق الصعب.. هل تفتح بريطانيا باب العودة؟

في مثل هذا اليوم من عام 2016، أعلنت بريطانيا رسميًا نتائج الاستفتاء التاريخي حول الخروج من الاتحاد الأوروبي “البريكست”، بعدما صوّت نحو 52% من البريطانيين لصالح الانسحاب، مقابل 48% اختاروا البقاء داخل التكتل الأوروبي، ومنذ تلك اللحظة، دخلت لندن طورًا سياسيًا واقتصاديًا جديدًا، محمّلًا بوعود كبرى وآمال عريضة روّج لها أنصار الخروج، باعتباره طريقًا لاستعادة السيادة، والتحرر من قيود بروكسل، وفتح آفاق أوسع أمام الاقتصاد البريطاني.

غير أن اللافت في ذكرى البريكست هذا العام أنها تأتي في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تزامنت مع إعلان رئيس الوزراء كير ستارمر تقديم استقالته تحت وطأة ضغوط متصاعدة من داخل حزب العمال، وفي ظل أوضاع اقتصادية خانقة ألقت بظلالها على الشارع البريطاني، ودفعت بشعبيته إلى التراجع، وسط تساؤلات حول دلالات هذا التزامن وما إذا كان عشوائيًا أم رسالة غير مباشرة.

واليوم، بعد مرور عقد كامل على ذلك الاستفتاء، وبعد أن خضعت التجربة لاختبار عملي طيلة عشر سنوات مكتملة، وباتت نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر وضوحًا، يبقى السؤال: هل ما زال التأييد الشعبي للبريكست عند مستوياته التي سجلها قبل عشر سنوات؟ وكيف ينظر البريطانيون اليوم إلى قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي؟ ولو عاد الزمن إلى الوراء، هل كانوا سيصوّتون بالاتجاه نفسه وبالنسبة ذاتها؟ ثم: ما الكلفة الحقيقية التي دفعتها بريطانيا جراء الانسحاب من الاتحاد الأوروبي؟

البريكست.. كلفة باهظة

لم يكن كثير من البريطانيين يتوقعون أن تكون فاتورة الخروج من المظلة الأوروبية بهذا الحجم، اقتصاديًا وسياسيًا، فسرعان ما اصطدمت الآمال والطموحات التي رافقت خيار البريكست بواقع أكثر تعقيدًا، عاشته المملكة على مدار السنوات العشر الماضية.

وتكشف الأرقام حجم الخسائر التي تكبدتها بريطانيا جراء البريكست؛ إذ تشير بعض التقديرات إلى أن الناتج المحلي البريطاني في عام 2025 أصبح أقل بنحو 6 إلى 8% مما كان يمكن أن يكون عليه لو لم تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أن التجارة البريطانية قد تتراجع على المدى الطويل بنحو 15% مقارنة بالمسار الذي كانت ستسلكه لو بقيت لندن داخل الإطار الأوروبي، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات النمو والإنتاجية وقدرة الاقتصاد البريطاني على المنافسة.

أما المنظومة التجارية، فقد تلقت هي الأخرى ضربات موجعة، فلم تعد حركة التجارة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي تتم بالسلاسة ذاتها التي كانت قائمة قبل الخروج؛ إذ ظهرت إجراءات جديدة زادت من حجم التعقيد، كما تراجع الاستثمار بصورة ملحوظة، في ظل حالة عدم اليقين التي فرضها الخروج، وما رافقه من عراقيل بيروقراطية وتنظيمية دفعت عددًا من الشركات إلى إعادة النظر في وجودها داخل السوق البريطانية أو توجيه جزء من أنشطتها نحو أسواق أوروبية أخرى.

Is the UK worse off because of Brexit? | BBC News

ولم تقف الخسائر عند حدود الاقتصاد فقط، بل امتدت إلى المستوى السياسي والاستراتيجي، فقد زاد البريكست من حدة التوترات داخل المملكة، خاصة في أيرلندا الشمالية واسكتلندا، وأعاد ملف الحدود الأيرلندية إلى واجهة النقاش السياسي، فضلًا عن التعقيدات المتصاعدة في علاقة لندن ببروكسل، كما فقدت بريطانيا مقعدها داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بما قلّص قدرتها على التأثير في القواعد والسياسات الأوروبية التي لا تزال تتأثر بها بحكم الجغرافيا والمصالح التجارية المتداخلة.

في المجمل، دفعت بريطانيا ثمنًا كبيرًا وباهظًا لخيار البريكست، وإن لم يصل بعد لمرحلة الانهيار أو الأزمات الطاحنة التي قد تدفع لندن قهرًا لإعادة النظر في هذا التحول، بل كان في صورة نزيف اقتصادي وسياسي بطيء، غير أن استمرار هذا النزيف على المدى البعيد قد يضع البريطانيين أمام اختبار تاريخي قاس وحساس تاريخيًا.

على الجانب الآخر، لم يكن الاتحاد الأوروبي رابحًا بالكامل من تلك المعادلة؛ إذ مُني هو الآخر بخسائر، وإن كانت أقل حدة من تلك التي تكبدتها بريطانيا،  فقد خسر الأوروبيون شريكًا اقتصاديًا مهمًا، وثقلًا سياسيًا معتبرًا، كان لخروجه أثر واضح على وزن الاتحاد وحضوره على طاولة المجتمع الدولي، لا سيما في الملفات التي كانت تمنح فيها لندن للتكتل الأوروبي بعدًا دبلوماسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا مؤثرًا.

هل كان ستارمر ضحية البريكست؟

دفع التزامن بين ذكرى الاستفتاء على البريكست واستقالة ستارمر من منصبه بعض الأصوات إلى الربط بين الحدثين، وكأن الاستقالة جاءت نتيجة مباشرة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، غير أن هذا الربط، وإن بدا منطقيًا لدى البعض من الناحية السياسية، لكن لا يمكن الجزم به على هذا النحو المباشر؛ فالعلاقة بين الحدثين تبدو أكثر تعقيدًا.

وهنا لابد من الإشارة إلى التراكمات التي خلفها البريكست على المشهد البريطاني خلال العقد الأخير، والتي أنتجت بيئة سياسية واقتصادية مضطربة، اتسمت بتباطؤ النمو، وتراجع الثقة الشعبية، واتساع مساحة الغضب الاجتماعي، فضلًا عن صعود التيارات الشعبوية واليمينية، في ظل علاقة مرتبكة ومشدودة مع أوروبا، وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة، في خلق أرضية سياسية هشة، جعلت أي حكومة بريطانية تعمل تحت ضغط مستمر، وتواجه صعوبة في تقديم وعود مستقرة أو بناء توافق داخلي واسع.

ومن هذا المنظور، لا يمكن القول إن البريكست كان السبب المباشر في استقالة ستارمر، لكنه كان جزءًا من الخلفية السياسية الأوسع التي ضيّقت هامش المناورة أمامه، وعمّقت الضغوط الحزبية والإعلامية والشعبية التي واجهها، إلى جانب بعض المواقف السياسية التي زادت من الاحتقان ضد الحكومة الحالية على رأسها الدعم المفرط للكيان الإسرائيلي،  فالأزمة لم تكن أزمة شخص بقدر ما كانت انعكاسًا لمسار سياسي طويل بدأ منذ لحظة الاستفتاء، وواصل إنتاج تداعياته داخل الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الحكم.

وفي ذات السياق لم يكن ستارمر وحده من دفع ثمن هذه التراكمات؛ إذ دخلت بريطانيا منذ استفتاء 2016 في مرحلة اضطراب سياسي واقتصادي لافتة، تعاقب خلالها على رئاسة الحكومة عدد من القادة خلال فترة وجيزة، بدءًا من ديفيد كاميرون، مرورًا بتيريزا ماي وبوريس جونسون وليز تراس وريشي سوناك، وصولًا إلى ستارمر.

المزاج البريطاني يتغير

قبل عشر سنوات، لم تتجاوز نسبة الرافضين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي 48%، مقابل نحو 52% دعموا هذا القرار، أما اليوم، وبعد عقد كامل على التجربة، فيبدو أن المزاج البريطاني تغيّر نسبيًا؛ إذ ارتفعت نسبة من يرون أن الخروج كان قرارًا خاطئًا إلى 57%، بزيادة قدرها 9 نقاط مئوية، وهي نسبة ليست بالقليلة، كما رأى 61% من البريطانيين أن البريكست أقرب إلى الفشل منه إلى النجاح، وهي قراءة تقييمية معتبرة للتجربة في عقدها الأول، وفق استطلاعات YouGov الصادرة في يونيو/حزيران الجاري.

وتعكس هذه الأرقام تحولًا واضحًا في الموقف الشعبي البريطاني من قرار الخروج من المظلة الأوروبية، وهو تحول مرشح لمزيد من الاتساع في ظل حالة الاضطراب السياسي والاقتصادي التي تشهدها لندن مؤخرًا، وما تركته من انعكاسات على ثقلها ونفوذها الإقليمي والدولي، فضلًا عن تأثيرها المباشر في مستوى ثقة المواطن البريطاني بحكومة بلاده وبالمسار السياسي العام.

من هنا، يمكن القول إن هناك ندمًا بريطانيًا متزايدًا على قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي، بعدما تكشفت الكلفة الباهظة التي دفعها البريطانيون خلال السنوات الماضية، غير أن السؤال الأهم هو: هل يمكن لهذا الندم أن يدفع لندن إلى إعادة النظر في تلك الخطوة بما يسمح لها بالعودة مجددًا إلى المظلة الأوروبية؟ وما شكل هذه العودة المحتملة؟ وهل سيكون الأوروبيون مستعدين لقبولها، وبأي شروط؟

هل تعود بريطانيا للمظلة الأوروبية؟

قبل خروجها من الاتحاد الأوروبي، تمتعت بريطانيا بامتيازات واسعة داخل هذا الكيان؛ إذ لم تكن عضوًا عاديًا كبقية الأعضاء، بل حظيت بوضع استثنائي منحها هامشًا خاصًا من الحركة والمناورة، ومن أبرز تلك الامتيازات احتفاظها بعملتها الوطنية، وبقاؤها خارج منطقة شنغن، وحصولها على خصم من مساهمتها في ميزانية الاتحاد، فضلًا عن ترتيبات خاصة في ملفات العدالة والشؤون الداخلية، بما جعل عضويتها أقرب إلى صيغة انتقائية تجمع بين مزايا الانتماء الأوروبي واستثناءات السيادة الوطنية.

اليوم، وبينما يعود ملف العودة إلى المظلة الأوروبية مجددًا إلى طاولة النقاش، يبدو أن الأمر بالغ الصعوبة، على الأقل في المدى القريب، لاعتبارات عدة، فالعودة تحتاج أولًا إلى قرار سياسي بريطاني واضح، سواء عبر انتخابات تمنح تفويضًا مباشرًا لهذا المسار، أو عبر استفتاء جديد، وكلاهما خيار معقد في السياق السياسي الراهن.

كما أن الاتحاد الأوروبي، ودوله الأعضاء التي قبلت سابقًا بمنح لندن استثناءات ومزايا خاصة، قد لا تكون مستعدة اليوم لقبول عودتها بالشروط ذاتها أو بالامتيازات القديمة نفسها، يضاف إلى ذلك أن قرار العودة يتطلب تفعيل المادة 49 من قواعد الاتحاد الأوروبي، بما يعني التعامل مع بريطانيا كدولة مرشحة جديدة، تحتاج إلى موافقة جميع الدول الأعضاء، وموافقة البرلمان الأوروبي، ثم التصديق وفق القواعد الدستورية المعمول بها داخل كل دولة.

10 years after Brexit, could the UK rejoin the European Union? • FRANCE 24 English

وهنا تبرز معضلة حقيقية؛ فالبريطانيون، إذا ما أرادوا العودة، قد يحتاجون إلى ضمانات أو شروط قريبة من وضعهم السابق، باعتبارها أحد المحفزات القادرة على إقناع الشارع البريطاني بالتراجع عن قرار الانسحاب، وفي المقابل، سيكون من الصعب على الدول الأوروبية قبول عودة مشروطة أو استثنائية، خاصة أن خروج بريطانيا جاء في لحظة كان فيها الاتحاد الأوروبي يمر بمنعطف حساس، وترك أثرًا سياسيًا ومعنويًا على تماسك المشروع الأوروبي.

من هنا، فإن السيناريو الأقرب لا يبدو عودة كاملة إلى الاتحاد الأوروبي، بقدر ما يتمثل في تعزيز مسارات التقارب مع الحلفاء الأوروبيين عبر شراكات أمنية وسياسية، وتسهيلات تجارية، واتفاقيات اقتصادية، وترتيبات لتبادل الخبرات، وتخفيف العقبات المرتبطة بحركة الشباب والطلاب والعمال، وبالفعل بدأ هذا المسار يلوح في الأفق داخل حزب العمال، الذي يسعى إلى تعميق العلاقات مع الدول الأوروبية، سواء عبر قنوات جماعية مع الاتحاد أو من خلال مسارات ثنائية مع كل دولة على حدة.

ولعل التطورات الجيوسياسية الأخيرة التي شهدتها الخريطة الدولية، منذ اندلاع حرب غزة وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، كشفت هشاشة سياسات العزلة والانكفاء على الذات، وأعادت التأكيد على ضرورة مراجعة الحسابات الاستراتيجية بما يعزز التحالفات الصلبة في مواجهة التحديات المحتملة، فجوهر النظام الدولي الجديد لم يعد قائمًا على قدرة الدول المنفردة على حماية مصالحها بمعزل عن محيطها، بل على قدرتها على بناء شبكات تحالف مرنة وفاعلة، في لحظة يبدو فيها النظام القديم أقرب إلى التفكك وإعادة التشكل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى