مقالات

الطب لمن يدفع؟.. فجوة التنسيق تهدد عدالة التعليم الطبي في مصر

مع كل موسم لتنسيق الثانوية العامة، تقف المنظومتان التعليمية والصحية في مصر أمام مشهد متكرر يتأرجح بين عبثية التخطيط وشهوة الاستثمار؛ مشهد تتوارى فيه مفاهيم الاستحقاق الأكاديمي والعدالة الاجتماعية، ويبتعد شيئًا فشيئًا عن جوهر العلم والكفاءة، لتصبح أحلام امتهان المهن الطبية وارتداء البالطو الأبيض رهينةً لمزاد علني.

وخلال الأيام القليلة الماضية، تابعنا نداءات متتالية من النقابات الطبية: أطباء الأسنان، والصيادلة، والعلاج الطبيعي، والأطباء البشريين، يصرخون جميعًا أمام طوفان «فائض الخريجين» الذي بات يهدد هذه المهن الإنسانية بضياع قيمتها ومكانتها.

فنقابة أطباء الأسنان أصدرت بيانات حذرت فيها من وجود 88 كلية لطب الأسنان، منها 23 كلية حكومية و65 كلية خاصة وأهلية، تضخ سنويًا نحو 12 ألف خريج إلى سوق العمل، في الوقت الذي يوجد فيه أكثر من 77 ألف طالب على مقاعد الدراسة، بينما يتجاوز إجمالي عدد أطباء الأسنان 120 ألف طبيب، مع توقعات بوصول العدد إلى 200 ألف. وطالبت النقابة رسميًا بوقف التراخيص الجديدة وتقليص أعداد المقبولين.

وفي السياق ذاته، تطالب نقابة الصيادلة بتقليص أعداد المقبولين بنسبة 20% بعدما تجاوز الفائض أربعة أضعاف احتياجات سوق العمل، فيما يئن الطب البشري تحت وطأة التكدس الذي يلتهم جودة التدريب الإكلينيكي داخل المستشفيات الجامعية.

وفي مواجهة هذا المنحدر، ارتفعت أصوات النقابات مطالبةً برفع الحد الأدنى للقبول في الكليات الطبية بالجامعات الحكومية لكبح الأعداد.

لكن أمام هذه «الصرخات النقابية»، نجد أنفسنا أمام معضلة تشبه سؤال: «البيضة أولًا أم الدجاجة؟».

فبينما تركز بعض النقابات على مطالبة الجامعات الحكومية برفع درجات القبول، يجري تجاهل أصل الأزمة الحقيقي: الجامعات الخاصة والأهلية.

فهذه الجامعات تمثل أحد أهم مصادر الزيادة الكبيرة في أعداد الخريجين؛ إذ تفتح أبوابها أمام مجاميع قبول تقل بفوارق واسعة عن نظيرتها في الجامعات الحكومية.

ثم تأتي «الكوميديا الحزينة» في بعض الحلول المقترحة لكبح هذا الإقبال، والمتمثلة في المطالبة برفع مصروفات الجامعات الخاصة والأهلية، بدلًا من رفع الحد الأدنى للقبول فيها وتقليص الفجوة الهائلة بينها وبين الحدود الدنيا للقبول في الجامعات الحكومية.

إن زيادة المصروفات ليست حلًا، بل تكريس لـ«طبقية تعليمية» تسلب المتفوق غير القادر حقه، وتمنح البالطو الأبيض لمن يمتلك القدرة على الدفع، بصرف النظر عن الفجوة الأكاديمية.

وإذا أردنا حقًا صيانة المنظومة الصحية والحفاظ على هيبة العلم، فإن الطريق يبدأ بقرارات أكثر شجاعة، لا بحلول ترقيعية.

فأزمة التعليم الطبي في مصر لم تعد مجرد حسابات تنسيق أو أرقام قبول، بل أضحت قضية أمن صحي وقومي لا تحتمل العبث التجاري.

إن إغلاق شريان التدافع غير المنضبط نحو المهن الطبية لن يتحقق بفرز الطلاب على أساس قدرتهم المالية، وإنما بتقديس المعيار الأكاديمي والكفاءة العلمية قبل أي اعتبار آخر.

ويبدأ ذلك أولًا بتقليل الفجوة التنسيقية، من خلال رفع الحد الأدنى للقبول في الجامعات الخاصة والأهلية، بحيث يصبح الفارق طفيفًا للغاية عن نظيره في الجامعات الحكومية، ولا يتجاوز ـ على سبيل المثال ـ ما بين 5% و9%، بما يضمن الحد من التحاق طلاب غير مؤهلين علميًا بالمجالات الطبية.

ففي الوقت الذي يتراوح فيه الحد الأدنى للقبول بكلية الطب البشري في الجامعات الحكومية حول 93% و94%، نجد أن الحدود الدنيا في بعض الجامعات الخاصة والأهلية قد تنخفض إلى مستويات تتراوح حول 74% و78%، من دون وجود اختبارات قدرات أو اختبارات كفاءة علمية حقيقية تكفل التأكد من جاهزية من سيصبحون مستقبلًا مسؤولين عن التعامل مع أرواح البشر.

وهنا يجب أن نعيد الاعتبار إلى جوهر الاستحقاق؛ بأن نزن الطالب بفكره وجهده وكفاءته، لا بقدرة ولي أمره على سداد المصروفات.

ثانيًا، لا بد من خفض أعداد المقبولين بقرارات حاسمة وصارمة توقف النزيف التجاري، مع إلزام الكليات الطبية بامتلاك بنية تدريبية حقيقية ومستشفيات جامعية قادرة فعليًا على استيعاب الطلاب وتقديم تدريب إكلينيكي مناسب لهم.

إن استمرار هذا الخلل التخطيطي لا يهدد مستقبل الخريجين وحدهم، بل يهدد جودة المهنة، وسلامة المريض، وهيبة التعليم نفسه؛ لأن فائض الأعداد، حين يصبح أكبر من قدرة المنظومة على التدريب والتوظيف والاستيعاب، يتحول من مجرد مشكلة تعليمية إلى أزمة صحية ومجتمعية مكتملة الأركان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى