
حرب على شريان الدولة.. ماذا يعني إدخال النفط في معادلة الصراع الليبي؟
د. عماد عنان
دخل الصراع في ليبيا مرحلة استثنائية من التصعيد، بعدما زُجَّ بالنفط ومصافي البترول باعتبارها إحدى أدوات اللعبة وواحدًا من الأسلحة المستخدمة في معادلة الصراع، إذ شهدت الأيام الثلاثة الماضية موجة من الاستهدافات المتكررة للمنشآت النفطية في مدينة الزاوية، شمال غربي البلاد، وسط تحذيرات قوية من مغبة اللعب بالورقة النفطية في هذا التوقيت الحساس.
وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، في بيان مساء الاثنين 10 أغسطس/آب، حالة الطوارئ القصوى في مدينة الزاوية، عقب انهيار خزان وقود اندلعت فيه النيران إثر تعرضه لاستهداف بطائرة مسيّرة، ضمن ما وصفته المؤسسة بأنه اعتداءات متكررة على المجمع النفطي في المدينة، وبعد صدور البيان بساعتين فقط، تعرض مصنع خلط وتعبئة الزيوت التابع لشركة الزاوية لتكرير النفط لاستهداف بمسيّرة أخرى، سقطت بالقرب من خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب المستخدمة في تصنيع الزيوت المخصصة للسوق المحلية.
ويأتي هذا الاستهداف استكمالًا لما تعرضت له شركة الزاوية لتكرير النفط، السبت الثامن من الشهر الجاري، حين اصطدمت طائرة مسيّرة بخزان لمادة “النافتا” غير المعالجة داخل المصفاة، ما أدى إلى تسرب محدود للمنتج، من دون تسجيل إصابات أو اندلاع حرائق.
ويحمل استهداف المنشآت النفطية في الزاوية خلال الأيام الأخيرة العديد من الدلالات التي تتجاوز حدود التصعيد الذي تشهده مدينتا الزاوية وصرمان، غربي ليبيا، بين مجموعات مسلحة، والذي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وفرار عدد من السجناء، كما يطرح هذا التطور جملة من التساؤلات بشأن إقحام النفط في معادلة الصراع الداخلي، وما إذا كانت المنشآت النفطية قد تحولت إلى ورقة ضغط جديدة بين القوى المتنافسة، فضلًا عما قد يترتب على ذلك من تداعيات على المشهد الليبي وخريطة الأزمة في البلاد.
ماذا يعني هذا الاستهداف؟
لا يمكن قراءة استهداف مصافي الزاوية النفطية باعتباره حدثًا عابرًا أو مجرد تصعيد ميداني لافت، إذ إن مثل هذا الاستهداف يعني عمليًا محاولة شل العصب الاقتصادي وضرب أحد أهم شرايين التمويل في البلاد، فالاقتصاد الليبي يعتمد بصورة شبه مطلقة على النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد والمصدر الرئيسي للدخل القومي والعملات الأجنبية، ومن ثم فإن استهداف المنشآت النفطية يحمل في طياته ضغطًا ماليًا مباشرًا، وقد ينعكس على تدفقات الإيرادات والسيولة.
ولا تتوقف التداعيات عند حدود العوائد المالية والعملات الأجنبية فحسب، بل تمتد كذلك إلى الداخل الليبي، فمصفاة الزاوية ليست مجرد منشأة مرتبطة بالتصدير إلى الخارج، وإنما تعد من أهم المنشآت النفطية العاملة في البلاد، وتؤدي دورًا محوريًا في تزويد العاصمة طرابلس ومناطق غرب ليبيا بالمشتقات النفطية، من البنزين والديزل ووقود الطائرات، ومن ثم، فإن استهداف خزانات الوقود، خاصة تلك التي تحتوي على ملايين اللترات، يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية، ويهدد بخلق أزمات في إمدادات الوقود للمواطنين.
يعكس هذا التصعيد الاستثنائي، في توقيته الحساس ودلالاته المختلفة، العودة مجددًا إلى توظيف النفط كسلاح للضغط، بهدف خلق أوراق سياسية جديدة وتعطيل مسارات التهدئة
وفي السياق ذاته، يعكس هذا الاستهداف تحولًا لافتًا في مسار الصراع الليبي نحو مستويات مختلفة وأكثر خطورة، لا سيما مع التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة، فالجماعات المسلحة لم تعد بحاجة إلى تنفيذ اقتحامات برية مباشرة للمنشآت، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، إذ يكفي استخدام المسيّرات لإلحاق أضرار مؤثرة وتحقيق أهداف ميدانية من مسافات بعيدة.
ويعني ذلك اتساع رقعة المواجهة وارتفاع فاتورة الصراع وزيادة كلفته الميدانية والإنسانية والاقتصادية، بما ينذر، حال استمرار هذا النمط من الاستهدافات، بالانزلاق نحو مستويات أوسع من الفوضى والاضطراب، وفتح جبهة جديدة في الأزمة الليبية عنوانها استهداف البنية الاقتصادية للدولة.
دلالة التوقيت.. مسارات ثلاثة
يأتي توقيت موجة الاستهدافات المتكررة للمصافي النفطية الليبية عند تقاطع ثلاثة مسارات رئيسية، تجمع بين الأبعاد السياسية والميدانية والاقتصادية، فعلى المستوى السياسي، تأتي هذه الموجة في وقت تشهد فيه البلاد محاولات حثيثة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، والدفع نحو التهدئة وفتح قنوات اتصال بين معسكري النزاع في الشرق والغرب، بالتوازي مع الحديث عن مبادرة أمريكية تستهدف دعم الاستقرار وفتح صفحة جديدة في العلاقات، بما قد يدفع البلاد نحو قدر أكبر من التهدئة السياسية.
أما على المستوى الميداني، فلا يمكن فصل هذا التصعيد عن حالة السيولة الأمنية التي يشهدها الغرب الليبي، خاصة في مدينتي الزاوية وصرمان، حيث تصاعدت المواجهات بين المجموعات المسلحة، وسط تحذيرات أممية من خطورة هذا التصعيد، لا سيما في ظل استمرار تدفق السلاح من الخارج، بما أسهم في تأجيج المشهد الداخلي وخلط الأوراق وزيادة احتمالات الانفلات الأمني.
وهناك دلالة اقتصادية أخرى لا تقل أهمية، إذ تأتي هذه الاستهدافات في وقت نجحت فيه ليبيا في رفع إنتاجها النفطي إلى نحو 1.44 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ 2013، ومن ثم، يمكن قراءة هذا التصعيد في هذا التوقيت باعتباره محاولة لضرب أحد أبرز مكاسب الاستقرار النسبي الذي حققه قطاع النفط، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء مرة أخرى، عبر تهديد أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للدولة الليبية.
النفط كسلاح ضغط
يعكس هذا التصعيد الاستثنائي، في توقيته الحساس ودلالاته المختلفة، العودة مجددًا إلى توظيف النفط كسلاح للضغط، بهدف خلق أوراق سياسية جديدة وتعطيل مسارات التهدئة، فضلًا عن نقل الصراع من دائرة الاستهداف العسكري والميداني إلى تهديد الأمن المعيشي للمواطن الليبي وضرب مصادر دخله ومقومات حياته بصورة مباشرة.
ويبرهن مثل هذا التحول على هشاشة البنية التحتية لقطاع الطاقة في ليبيا، وكيف تحولت المنشآت النفطية إلى أداة في أيدي الأطراف المتصارعة والجماعات المسلحة لفرض معادلات نفوذ جديدة، وتحويل هذا المرفق الحيوي إلى ساحة لإيصال الرسائل السياسية، وترسيخ النفط باعتباره أداة ضغط وابتزاز شديدة التأثير.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان التحذيرات المتكررة التي أطلقتها المؤسسة الوطنية للنفط من إمكانية إعلان “حالة القوة القاهرة“ وإيقاف العمليات كليًا في المصفاة حال استمرار الاستهدافات، بما يفتح الباب أمام العودة مجددًا إلى سيناريوهات الإغلاقات المتكررة التي عانى منها الاقتصاد الليبي على مدار سنوات، وما صاحبها من خسائر مالية واضطرابات في الإنتاج والتصدير.
وجدير بالذكر أن التجربة الليبية منذ عام 2011 أثبتت أن النفط، سواء من خلال إغلاق الحقول والموانئ أو التهديد باستهدافها وتعطيلها، أصبح ورقة ضغط قوية تُستخدم لانتزاع تنازلات سياسية ومالية وإعادة تشكيل موازين القوى بين الأطراف المتنافسة، وكانت أزمة المصرف المركزي عام 2024 واحدة من أبرز التجارب الأخيرة في هذا السياق، إذ أدى الصراع السياسي حينها إلى إغلاق عدد من المنشآت والحقول النفطية في شرق البلاد وانخفاض الصادرات، في توظيف واضح للورقة النفطية ضمن أدوات الضغط السياسي.
رسائل إنذار للجميع
يحمل هذا التصعيد رسالة إنذار شديدة اللهجة إلى مختلف الأطراف في الداخل الليبي، وتبدو الرسالة الأولى موجهة بصورة مباشرة إلى حكومة طرابلس، إذ يكشف استهداف منشآت نفطية حيوية باستخدام الطائرات المسيّرة عن هشاشة واضحة في قدرة السلطة الأمنية على ضبط المشهد وحماية المواقع الاستراتيجية، فإذا كانت جماعات مسلحة قادرة على استهداف منشآت بهذا الحجم من دون اعتراض فعال، فإن ذلك يعكس حجم التحديات التي تواجهها الحكومة في فرض سيطرتها الأمنية.
ويمثل هذا التطور ضغطًا كبيرًا على حكومة الوحدة الوطنية، خاصة أن منطقة الزاوية، التي شهدت موجة الاستهدافات الأخيرة، تقع ضمن نطاق نفوذ حكومة طرابلس ومن ثم، فإن أي عجز عن حماية المصفاة وتأمين المنشآت النفطية الحيوية من شأنه أن يضعف صورة الحكومة أمنيًا، ويضعها في موقف حرج أمام السكان والمؤسسة الوطنية للنفط، فضلًا عن تأثيره في قدرتها على تقديم نفسها بوصفها الطرف القادر على إدارة مؤسسات الدولة وحماية مقدراتها.
إقحام النفط في معادلة الضغط والصراع يضع المشهد الليبي بأكمله فوق فوهة بركان، ويفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات أكثر خطورة خلال المرحلة المقبلة،
وعلى الجانب الآخر، ورغم أن غرب البلاد كان المسرح المباشر لهذا التصعيد، فإن ذلك لا يعني أن معسكر الشرق بمنأى عن تداعياته، أو أنه قادر على توظيف ما حدث فقط لتعزيز أوراقه في مواجهة حكومة طرابلس من دون أن ترتد آثار الأزمة عليه، فالمنشآت النفطية والمؤسسات المرتبطة بإدارة العوائد والإيرادات تخدم الدولة الليبية بمختلف مناطقها، وأي استهداف أو تعطيل لها، في أي مكان كان، لا يقتصر تأثيره على طرف سياسي بعينه، وإنما يمتد إلى عموم البلاد.
فما جرى استهدافه ليس موقعًا عسكريًا يمكن حصر أضراره في حكومة أو معسكر سياسي محدد، وإنما منشآت حيوية تمس مصالح الليبيين جميعًا، وترتبط بتوفير الوقود والإيرادات وتمويل مؤسسات الدولة، ومن ثم، فإن أي تهديد لاستمرار عملها ستكون له تداعيات اقتصادية ومعيشية وسياسية على مختلف الأطراف، شرقًا وغربًا.
وفق هذه المقاربة، تصبح الرسالة مزدوجة، فإقحام النفط في معادلة الضغط والصراع يضع المشهد الليبي بأكمله فوق فوهة بركان، ويفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات أكثر خطورة خلال المرحلة المقبلة، وعليه فمن المرجح أن تمثل الفترة القادمة اختبارًا حقيقيًا لجميع الأطراف الليبية في قدرتها على تحييد قطاع النفط عن مسرح الصراع والنفوذ، والفصل بين الخلافات السياسية والعسكرية وبين المرافق الاقتصادية السيادية، وإلا قد تتجه البلاد نحو منعطف أكثر خطورة، تصبح فيه الفوضى وتعطيل مؤسسات الدولة العنوان الأبرز للمشهد.
(نون بوست)



