
سيلفيا مكرم تكتب: القوس المفتوح
لم يكن ظلها الممدود على الإسفلت يشبه ظلال الأطفال، كان منحنياً كقوس كهل، يحمل ظلاً آخر أصغر منه يلتف حول عنقه. بين أناملها النحيلة ترتخي أظرف المناديل المعروضة للبيع، وعلى ظهرها يتكئ ثقل أخيها الصغير، فتبدو المسافة بين الرصيف والرصيف كأنها رحلة عمر كامل.
على حافة الرصيف المكتظ بالحركة، كانت تقف تلك الطفلة التي لم تكتمل في جسدها ملامح الثامنة او التاسعة ، لكن ملامح وجهها كانت تفصح عن سنين طويلة من المكابدة. يداها النحيلتان تقسمان المأساة بحرص عجیب ، يد تشتد على بضاعتها البسيطة من أظرف المناديل الورقية، ويد إلتوت خلف ظهرها لتسند أخيها الصغير، الذي ارتكز جسده فوق عظمة حرقفتها الناتئة ، كانت تسنده بكل ما أوتيت من قوة كي لا ينزلق، بعدما أثقل كاهلها وأنهك ظهرها الغض.
تراجعت خطوتها الصغيرة حين خارت قواها.. اهتز جسدها الضئيل اهتزازة خفيفة، فانثنت ركبتاها تحت العبء، وتنفست أنفاساً متلاحقة لها حشرجة مكتومة تشبه أصوات الكبار حين يكسرهم التعب. كانت ترفع المناديل نحو الوجوه المبتعدة بصوت خافت ينكسر قبل أن يبلغ آذان العابرين.
وفي قلب ذلك الزحام، توقفت عيناها على مشهد كأنما يأتي من كوكب آخر … كان بائع المثلجات يقف بعربته الملونة، وأمامه طفل في مثل عمرها تقريباً ، تحيط به يدا أبيه وأمه ، يحمل في يده بالون الهيليوم الملون اللامع ، بينما يمد يده الأخرى ليتلقى المثلجات الشهية بابتسامة واسعة ولهفة .
تسمرت نظراتها للحظات، ارتفعت حدقتاها المجهدتان نحو البالون الملون ، ثم نظرت إلى المثلجات..
زارت وجهها الصغير ابتسامة واهنة..ثم عبرت سريعاً ، كأنها اعتذرت لنفسها عن ظهورها.
غير أن زفرة ثقيلة خرجت من صدر الصغير المستند إلى وسطها وعنقها وهو يشد عليها طالباً الدفء أعادتها فوراً إلى عالمها ، فجمعت شتات نظراتها وعدلت من جلسته فوق حوضها النحيل بحركة حريصة تختبئ فيها أمومة مبكرة
لم تكن تحمل أخاها وحزمة المناديل فحسب ، بل كانت تحمل عمراً أقسى من عمرها، وجسداً أكبر من طاقتها. انحنى ظهرها الصغير ليصنع قوساً لم يُقفَل ….بل تُرِكَ مفتوحاً ، فلم تُكتَب لشقائها نهاية بعد
ابتعدت وهي تنادي لبيع مناديلها..حتي غرقت وسط الزحام



