
إثيوبيا وتيجراي.. حين يعود شبح الحرب ويغيب العقل
عزة الفشني
عد أقل من أربع سنوات على إتفاق أوقف نزيفاٌ من الدماء إستمر عامين تعود إثيوبيا إلى نقطة الصفر. اشتعلت المواجهات من جديد بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وسلطات إقليم تيجراي. واتسعت رقعة القتال لتشمل أمهرة وعفر في مشهد يؤكد على نقض الإتفاق وأن البلاد لم تغلق بعد ملفات الحرب الأولى.
البداية جاء من قيادة جبهة تحرير شعب تيجراي. خاصة بعد سيطرة قوات تابعة لها على مطارات داخل الإقليم وتعليق الرحلات الجوية. في المقابل ردت الحكومة الإتحادية بعمليات عسكرية واسعة وأعلنت عن خسائر في صفوف مسلحين. بينما تحدثت تقارير عن قصف واشتباكات في مناطق حدودية أدت إلى نزوح جديد.
سبع جماعات مسلحة تهدف إلى إسقاط السلطة في أديس أبابا
ما يعقد المشهد هذه المرة هو أن الصراع لم يعد ثنائياٌ. ظهر تحالف يضم سبع جماعات مسلحة من أقاليم مختلفة أعلن هدفه إسقاط السلطة في أديس أبابا. هذا التحالف جمع أطرافاٌ كانت بالأمس تتقاتل فيما بينها لكنها وجدت في المواجهة مع أديس أبابا شيئاٌ مشتركاٌ وهكذا إنتقلت الأزمة من خلاف بين العاصمة وإقليم. إلى إختبار وجودي للدولة كلها. والحقيقة أن الطرفين يتحملان مسؤولية الوصول إلى هذا الطريق المسدود.
الحكومة الفيدرالية لم تنجح في إستكمال تنفيذ إتفاق السلام السابق. فهناك بنود حاسمة ما زالت معلقة. وإستمرار شعور بعض الأقاليم بالتهميش وغياب الثقة. كما أن الخطاب الرسمي تصاعد إلى حد إتهام قوى داخلية وخارجية بالمؤامرة. بدلاٌ من فتح باب سياسي حقيقي لإحتواء الغضب المتزايد. والشئ الذى قصم ظهر البعير هو إدارة الملف الأمني بمنطق القوة فقط مما زاد الأمر سوء وبالتالى إتساع دائرة الرفض.
جبهة تحرير تيجراي تسيطر على العديد من المطارات
أما جبهة تحرير تيجراي فهي الأخرى لم تسلم من النقد. فبدلاٌ من إستثمار فترة الهدوء في إعادة إعمار الإقليم الذي خرج منهكاً من الحرب السابقة. ذهبت نحو تصعيد عسكري سريع شمل السيطرة على مطارات وتوسيع القتال خارج حدود تيجراي. واتهمتها منظمات بحملات تجنيد قسري إستعداداٌ للمواجهة. وهو ما يضع المدنيين مرة أخرى في قلب الخطر. كما أن الدخول في تحالف مع جماعات مسلحة أخرى يهدف لتغيير السلطة بالقوة يفتح الباب أمام سيناريو فوضى لا أحد يعرف نهايته.
المواطن الإثيوبي هو الخاسر الأكبر
النتيجة أن الخاسر الأكبر هو المواطن الإثيوبي. مليون نازح من الحرب السابقة لا يزالون بلا حل. واليوم تضاف إليهم موجات نزوح جديدة. أما المستشفيات والمدارس والطرق التي لم تتعاف بعد تعود لتكون أهدافاٌ أو خطوط إمداد. والإقتصاد الذي كان يحاول النهوض يعود إلى دوامة عدم الإستقرار مرة أخرى.
الوضع لا يحتمل مزيداٌ من الإشتعال. لا ننكر أن إثيوبيا دولة محورية وأي توتر فيها سيكون له مردود مباشر على السودان والصومال وإريتريا ودول القرن الإفريقي برمته.
السؤال لم يعد من المخطئ ومن على حق. السؤال هو هل لدى أديس أبابا وميكيلي الشجاعة للجلوس معاٌ على طاولة التفاوض قبل أن تتحول هذه الجولة إلى حرب إستنزاف جديدة لا تجلب لهما سوى
مزيد من الدمار لكليهما.
فى النهاية: إثيوبيا لا تحتاج اليوم إلى إنتصار عسكري بل إلى قرار سياسي يعترف بأن تجاهل عيوب الطرفين هو الذي أوصل البلاد إلى هنا.



