قضايا وتحليلات

الأسرة المصرية في مواجهة قانون جديد.. انقسام واسع وجدل متصاعد


لا حديث في الشارع المصري اليوم يعلو فوق الحديث عن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، ذلك القانون الذي يُناقش حاليًا داخل أروقة مجلس النواب وسط حالة واسعة من الجدل والانقسام المجتمعي، فبين من يراه محاولة جادة لإنقاذ الأسرة المصرية من أزمات متراكمة طال أمدها، وبين من يخشى أن يفتح أبوابًا جديدة للخلاف والتفكك الأسري، تتسع دوائر النقاش يومًا بعد يوم.

وقد أعادت المناقشات الأخيرة حول ما يُعرف بـ “قانون الأسرة” طرح أسئلة شائكة تتعلق بمستقبل العلاقة بين الزوجين، وحقوق الأبناء، وقضايا الحضانة والولاية والنفقة، وهي الملفات التي أصبحت تمس حياة ملايين الأسر المصرية بصورة مباشرة، بعدما تحول الاشتباك داخل ساحات محاكم الأسرة  إلى مشهد يومي يعكس حجم التعقيدات الاجتماعية والإنسانية التي تعانيها كثير من البيوت.

وزاد الجدل اتساعًا مع حالة الترقب لموقف المؤسسات الدينية، خاصة بعد بيان الأزهر الشريف الذي أوضح أن الصيغة المتداولة حاليًا لم تُعرض عليه، الأمر الذي فتح الباب أمام مزيد من التساؤلات والتخوفات، ودفع قطاعات واسعة من المجتمع للمطالبة بحوار أعمق وأكثر شمولًا قبل إقرار قانون يرتبط باستقرار الأسرة المصرية ومستقبلها.

مهلة الستة أشهر.. أبرز النقاط المثيرة

شهدت الأيام الأخيرة حالة واسعة من الجدل عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بسبب عدد من البنود الخاصة بمشروع القانون والتي تم تسريبها، حيث تحولت بعض مواده إلى محور نقاشات حادة وانقسامات مجتمعية واضحة بين مؤيد ومعارض.

 أعادت المناقشات الأخيرة حول ما يُعرف بـ “قانون الأسرة” طرح أسئلة شائكة تتعلق بمستقبل العلاقة بين الزوجين، وحقوق الأبناء، وقضايا الحضانة والولاية والنفقة، وهي الملفات التي أصبحت تمس حياة ملايين الأسر المصرية بصورة مباشرة

ومن أبرز البنود التي أثارت هذا الجدل، المقترح الخاص بمنح الزوجة حق فسخ الزواج خلال الأشهر الستة الأولى إذا ثبت تعرضها للخداع أو إخفاء الزوج معلومات جوهرية تتعلق بحياته أو أوضاعه، وذلك بشرط عدم وجود حمل أو أطفال.

وقد انقسمت الآراء حول هذه المادة؛ فهناك من رأى فيها وسيلة لحماية المرأة من الغش والتدليس وضمان بداية قائمة على الوضوح، بينما اعتبرها آخرون مخالفة شرعية واضحة وخطوة قد تفتح الباب أمام زيادة معدلات الطلاق وتحويل العلاقة الزوجية إلى رابطة أكثر هشاشة وقابلة للانهيار عند أول خلاف.

كما تصدرت قضية الحضانة وترتيب مستحقيها واجهة الجدل، خاصة فيما يتعلق بفكرة تخيير الطفل بين الأب والأم بعد انتهاء سن الحضانة، إلى جانب المقترحات التي تمنح الأب أولوية متقدمة في الترتيب بعد الأم في بعض الحالات.

وبينما اعتبر البعض هذه التعديلات محاولة لتحقيق قدر أكبر من التوازن وإنصاف دور الأب داخل الأسرة، رأى آخرون أنها قد تضع الطفل تحت ضغط نفسي وعاطفي يفوق قدرته، فضلًا عن تخوفات من تأثيرها على استقرار حياة الأبناء بعد الانفصال.

وامتد النقاش كذلك إلى ملف الاستضافة والرؤية، بعدما تضمن المشروع مقترحات لتوسيع حق الأب في استضافة الطفل بدل الاكتفاء بالرؤية التقليدية لساعات محدودة، مع طرح فكرة “الرؤية الإلكترونية”في ظروف معينة.

وقد أثارت هذه البنود تساؤلات واسعة حول مدى جاهزية المجتمع لتطبيقها، وما إذا كانت الاستضافة قد تتحول إلى مصدر قلق على الأطفال أو وسيلة جديدة لتصاعد الخلافات بين الطرفين، خاصة في ظل غياب الثقة بين كثير من الأسر بعد الانفصال.

النفقة ومشتقاتها

ومن بين البنود التي أثارت حالة واسعة من الجدل داخل المجتمع، تلك المتعلقة بملف النفقة وإثبات الدخل الحقيقي للزوج، بعدما نص المشروع على إلزام الجهات المختلفة بالكشف عن الدخل الفعلي عند تقدير قيمة النفقة.

فبينما رأى مؤيدو الفكرة أنها خطوة ضرورية للحد من التهرب وضمان حقوق الزوجة والأبناء، اعتبرها آخرون بابًا قد يزيد من حدة النزاعات الأسرية ويحمّل بعض الأزواج أعباء مالية قد لا تتناسب مع ظروفهم الحقيقية.

كما أثارت مقترحات الطلاق المبكر نقاشًا لا يقل سخونة، خاصة مع الاتجاه لإلزام الزوجين بالمرور على محكمة الأسرة ومحاولات الصلح قبل إتمام الطلاق خلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج، فهناك من رأى في ذلك محاولة جادة للحفاظ على كيان الأسرة ومنح فرص جديدة للتفاهم، بينما اعتبره آخرون تدخلًا معقدًا في القرارات الشخصية قد يطيل أمد الخلافات بدلًا من حلها.

وامتد الجدل كذلك إلى مسألة الشبكة والهدايا عند فسخ الخطوبة، وهي القضية التي لطالما أثارت حساسيات اجتماعية واسعة داخل المجتمع المصري. فمع كل حالة انفصال تتكرر الأسئلة ذاتها: من الطرف المتسبب؟ وهل تُرد الهدايا إذا كانت قد استُخدمت أو لم تعد موجودة؟ وهل تُعامل الشبكة باعتبارها جزءًا من المهر أم مجرد هدية؟ وهي تساؤلات أعادت فتح نقاش اجتماعي طويل حول الأعراف والحقوق وحدود المسؤولية بين الطرفين.

وفي السياق نفسه، أثار الحديث عن إنشاء صندوق لدعم المطلقات والأبناء، إلى جانب ترتيبات تأمينية مرتبطة بالزواج تُقتطع بموجبها أجزاء من رواتب الأزواج لدعم هذه الصناديق، حالة من التباين في الآراء، فبين من رأى فيه خطوة اجتماعية لحماية الفئات الأكثر احتياجًا، وبين من أبدى مخاوفه من تأثيراته الاقتصادية على الشباب المقبلين على الزواج، ظل الجدل قائمًا حول آليات التمويل، ومدى العدالة في توزيع المستحقات، وقدرة هذه المقترحات على تحقيق التوازن المطلوب دون خلق أعباء جديدة على الأسرة المصرية.

موقف الأزهر.. رد متأخر

في خضم الجدل الواسع الذي صاحب ما يتم تداوله بشأن مشروع القانون داخل البرلمان، لفت صمت الأزهر الشريف انتباه قطاعات كبيرة من المصريين، خاصة باعتباره المرجعية الدينية الأبرز التي ينتظر منها المجتمع إبداء الرأي في القضايا المرتبطة بالأسرة والعلاقات الاجتماعية.

فعلى مدار أسابيع طويلة تصاعدت خلالها النقاشات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حول البنود المثيرة للجدل في المشروع، ظل الأزهر بعيدًا عن المشهد، دون تعليق مباشر أو توضيح لموقفه، وهو ما دفع كثيرين للتساؤل حول طبيعة دوره في مناقشة قانون يمس حياة ملايين الأسر المصرية بصورة مباشرة.

ومع تزايد حالة الجدل والقلق المجتمعي، خرج الأزهر الشريف أخيرًا ببيان رسمي عبر مركزه الإعلامي، أوضح فيه أن مشروع قانون الأحوال الشخصية المتداول حاليًا لم يُعرض عليه حتى الآن، ولم يشارك الأزهر في صياغته بأي صورة.

كما أشار البيان إلى أن المؤسسة كانت قد أعدّت بالفعل مشروعًا متكاملًا للأحوال الشخصية منذ عام 2019 من خلال لجنة تضم هيئة كبار العلماء وعددًا من المتخصصين، إلا أنها لا تعلم مدى توافق هذا المقترح مع الصيغة الحالية التي يدور حولها النقاش داخل البرلمان.

وأكد الأزهر في بيانه أنه سيبدي رأيه الشرعي وفق ما جرى عليه العرف الدستوري والقانوني، وذلك بعد إحالته إليه رسميًا من مجلس النواب، في خطوة هدفت إلى توضيح حدود مشاركته الحالية في المشروع.

لكن البيان، الذي كان ينتظر منه كثيرون حسم حالة الجدل أو تبديد المخاوف المرتبطة ببعض المواد المثيرة للنقاش، فتح الباب أمام تساؤلات جديدة داخل الشارع المصري، خاصة حول كيفية مناقشة قانون بهذه الحساسية دون عرضه مسبقًا على المؤسسة الدينية التي ينظر إليها باعتبارها المرجعية الأساسية في مثل هذه القضايا، وهو ما دفع القائمين على إعداد المشروع إلى التأكيد لاحقًا أن القانون لن يمر بصورته النهائية إلا بعد عرضه على الأزهر الشريف وإبداء رأيه فيه بشكل رسمي.

قانون يفتقد للثوابت

من جانبه أرجع السفير المصري فوزي العشماوي حالة الجدل الواسعة التي صاحبت مشروع قانون الأحوال الشخصية إلى ما وصفه بافتقاد المشروع لـ “مثلث الثوابت” الذي ينبغي الاستناد إليه عند مناقشة أي قانون يمس المجتمع والأسرة، موضحًا أن هذا المثلث يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: الفلسفة، والإجراءات، والمراحل، معتبرًا أن المشروع الحالي لا تتوافر فيه هذه المرتكزات بصورة واضحة.

وأشار في مقال له في صفحته على منصة “فيسبوك” إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط ببنود القانون المثيرة للجدل، وإنما تمتد إلى غياب رؤية متكاملة توضح فلسفة المشروع وأهدافه الحقيقية، إلى جانب عدم استيفائه -من وجهة نظره – للمراحل الطبيعية التي يجب أن يمر بها أي تشريع بهذه الحساسية والأهمية.

وأوضح العشماوي أن قوانين الأحوال الشخصية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد نصوص قانونية، لأنها ترتبط بشكل مباشر ببنية المجتمع واستقرار الأسرة المصرية، وهو ما يفرض ضرورة فتح حوار مجتمعي واسع يشارك فيه الجميع، مع توفير مناخ من النقاش الإعلامي الهادئ الذي يطرح مختلف الآراء دون استقطاب أو توتر.

كما شدد على أهمية الاستماع إلى جميع الجهات المعنية بالقانون، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة، ومنظمات حقوق الإنسان، إلى جانب خبراء التشريع والمتخصصين في قضايا الأسرة والاجتماع، مؤكدًا أن المجتمع بحاجة إلى رؤية واضحة ولجنة إعداد معلنة تضم شخصيات تمتلك خبرة حقيقية في هذا الملف، مع عرض تفاصيل المشروع بشفافية أمام الرأي العام والبرلمان.

ويرى الدبلوماسي المصري أن الهدف النهائي لأي قانون للأحوال الشخصية يجب أن يكون حماية الأسرة المصرية والحفاظ على تماسكها، خاصة في ظل ما وصفه بحالة التفكك المقلقة التي تنعكس في تصاعد معدلات الطلاق، وتزايد النزاعات المتعلقة بالرؤية والحضانة والنفقة، إلى جانب ارتفاع نسب العزوف عن الزواج، وهي الظواهر التي باتت تمثل تحديًا اجتماعيًا حقيقيًا يستوجب التعامل معه بحكمة وتوافق مجتمعي واسع قدر الإمكان.

(ألترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى