مقالات

دنيا شرف تكتب: حين نفتقد القدوة.. ويصادفنا الحظ فنلتقيها

في زمن نتحدث فيه كثيرًا عن غياب القدوة، ربما لأننا أصبحنا نرى نماذج كثيرة تحظى بالشهرة دون أن يكون لها بالضرورة ما يستحق أن يحتذى، تظل هناك حقيقة تستحق أن نتوقف أمامها: القدوة لم تختف، لكنها أصبحت أكثر هدوءًا من أن تلفت الانتباه.

فليست القدوة دائمًا شخصية عامة، ولا صاحب إنجاز تتناقله وسائل الإعلام، ولا إنسانًا تقف حوله الأضواء. أحيانًا تكون القدوة شخصًا يؤدي عمله كل يوم بإخلاص، يلتزم بموعده، يحترم مسؤوليته، ويتعامل مع عمله باعتباره أمانة لا مجرد وظيفة.

وقد تكون القدوة داخل فصل دراسي.

هناك، حيث يقف المعلم أمام طلابه، لا ليشرح لهم درسًا فحسب، وإنما ليقدم لهم، دون أن يقصد، درسًا آخر في الالتزام والانضباط والجدية واحترام العمل.

ومن هنا، صادفني الحظ أن أعرف نموذجين أراهما جديرين بأن نتوقف عندهما ..  الأستاذة أمل هارون (مدرسة اللغة الانجليزية بمدرسة العروبة للغات ) والأستاذ محمد سمير ( مدرس الرياضيات بمدرسة الألفية الثالثة).

لم يجمعني بهما مجرد لقاء عابر، وإنما لفتني فيهما ذلك النوع من الأشخاص الذين لا يحتاجون إلى الحديث عن ضميرهم في العمل، لأن طريقة أدائهم هي التي تتحدث عنهم.

الأستاذة أمل هارون نموذج للمعلمة التي تعرف أن التعليم مسؤولية قبل أن يكون مهنة.

في حضورها، يبدو الانضباط جزءًا طبيعيًا من العمل، والجدية ليست قسوة، والالتزام ليس أمرًا يُطلب منها، وإنما سلوكًا تؤمن به وتمارسه.

وما يلفت النظر أكثر هو تمكنها من مادتها وقدرتها على توصيل المعلومة بصورة واضحة، مع اهتمام حقيقي بالطلاب وما يحتاجون إليه، فالمعلم المتمكن لا يكتفي بأن يعرف، وإنما يعرف كيف يجعل الآخرين يفهمون.

وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين من يؤدي عمله، ومن يحمل ضميرًا تجاه هذا العمل.

أما الأستاذ محمد سمير، فهو نموذج آخر للمعلم الذي يجعل من الجدية والانضباط والتمكن أدوات حقيقية لصناعة أثر في طلابه.

فأن تكون متمكنًا من مادتك أمر مهم، لكن الأهم أن تستطيع أن تنقل هذا التمكن إلى الطالب، وأن تجد الطريقة التي تصل بها المعلومة إليه، وأن تمنحه من وقتك واهتمامك ما يجعله يشعر أن نجاحه يعني لك شيئًا.

وهذا النوع من الاهتمام لا يمكن اختزاله في شرح درس أو تصحيح واجب؛ لأنه في جوهره شعور بالمسؤولية.

وربما لهذا أؤمن أن الحديث عن القدوة لا ينبغي أن يظل مجرد حنين إلى زمن مضى، أو شكوى من غياب النماذج الجيدة.

الأجدى أن نبحث عن هؤلاء الذين ما زالوا يؤدون أدوارهم بإخلاص، حتى وإن لم يلتفت إليهم أحد.

ففي المدرسة، قد ينسى الطالب كثيرًا مما قيل له، لكنه لن ينسى بسهولة معلمًا شعر معه أن هناك من يهتم فعلًا بأن يراه ناجحًا.

وقد لا يتذكر تفاصيل الدرس بعد سنوات، لكنه قد يتذكر طريقة معلمه في التعامل، وانضباطه، وجديته، وحرصه، وإيمانه بأن ما يفعله يستحق أن يُؤدى على أفضل وجه.

القدوة في النهاية ليست كلمات نقولها، وإنما سلوك نراه.

وليست صورة مثالية لإنسان لا يخطئ، وإنما صورة لإنسان يؤدي مسؤوليته بضمير،  ويترك في نفوس من حوله أثرًا طيبًا.

ولهذا، حين أتحدث عن الأستاذة أمل هارون والأستاذ محمد سمير، لا أتحدث فقط عن معلمة ومعلم يجيدان عملهما، وإنما عن نموذجين ذكراني بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه، وأن الإخلاص لا يزال موجودًا، وأن هناك من يتعامل مع عمله باعتباره أمانة تستحق أن يؤديها بأفضل ما يستطيع.

وربما كان أجمل ما في القدوة أنها لا تبحث عن لقب “قدوة”.

هي فقط تفعل ما تؤمن به، وتلتزم بما عليها، وتحترم عملها، وتؤدي رسالتها بضمير.

ثم يكتشف الآخرون، بعد وقت، أن وجودها كان فارقًا.

لقد صادفني الحظ أن أعرف هذين النموذجين.

ولذلك أردت أن أكتب عنهما .. لا لمجرد الإشادة بهما، وإنما لأقول إننا رغم كل ما يحيط بنا من نماذج صاخبة، ما زلنا نملك نماذج هادئة تستحق أن نراها ونحكي عنها.

فالقدوة الحقيقية قد لا تكون في المكان الذي يبحث فيه الجميع عنها… لكنها بالتأكيد ما زالت بيننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى