مقالات

عزة الفشني تكتب: ليلة غيرت معادلات الأمن في الشرق الأوسط

في ليلة واحدة تغير كل شيء. السماء التي اعتدنا أن نراها صافية فوق الخليج امتلأت بدخان الإعتراضات. والمدن التي كانت تنام على صوت البحر استيقظت على صوت الصافرات.

النار لم تعد بعيدة. لم تعد خبراٌ في نشرة أو صورة على الشاشة. النار صارت في الرياض وفي المنامة وفي الكويت وفي أبوظبي وفي أربيل. وحتى في طهران التي أشعلت كل هذا.
الجنون أصاب الجميع. لأن أحداٌ لم يعد يفهم أين تبدأ الحرب وأين تنتهي. ولا من المستهدف ومن المتضرر. الكل يضرب والكل يدافع والكل يخاف. هكذا بدأ فصل جديد من فصول المنطقة. فصل لا يكتب بالكلمات بل بالصواريخ. ولا يفتتح بالبيانات بل بالحرائق.

  • حين إشتعلت الجبهة كلها في ليلة واحدة

لم يعد أحد يسأل من الذي بدأ. السؤال الآن هو من الذي سيتوقف أولاٌ؟

في ساعات قليلة تحول الخليج من بحر هادئ إلى ساحة مفتوحة. النار التي خرجت من إيران لم تعد محصورة في جبهة واحدة ولا في هدف واحد. امتدت شرقاٌ وغرباٌ وشمالاٌ. حتى صار من الصعب أن تفرق بين صوت الإنذار وصوت الإنفجار.

في السعودية دوت صافرات القواعد الجوية فجراٌ. صواريخ كانت تعبر السماء بإتجاه الخرج ومسيرات كانت تحاول الوصول إلى قلب الصحراء حيث آبار النفط. الدفاعات ارتفعت والإعتراضات توالت

في البحرين كان المشهد مختلف. لم يكن إنذار فقط. كان دماء. منطقة سكنية تحولت فجأة إلى مكان إصابة. أطفال ونساء ورجل مسن ورضيع. وفي الجهة الأخرى حريق اندلع في منشأة صناعية وارتفع الدخان فوق المنامة حتى غطى الساحل.

في الكويت كان الحريق أهدأ لكنه أخطر. خزان وقود في محطة كهرباء. مستودع في منطقة صناعية قرب الميناء. مشاهد التقطتها الكاميرات لجسم طائر يهوي ثم ينفجر. الناس هناك تعودوا على القلق لكنهم لم يتعودوا على أن يروا النار بهذا القرب من بيوتهم.

وفي الإمارات كانت هناك شظايا اعترضت في الجو ثم نزلت على مجمع بتروكيماويات. وحقول غاز توقف العمل فيها. ومطار أغلق لساعات. الرسالة وصلت حتى لو لم تصل الصواريخ كلها.

أما العراق فكان في المنتصف كعادته. لا أحد يعلن شيئاٌ رسمياٌ عن أربيل. لكن الجميع يعرف أن الأجواء العراقية صارت ممراٌ وأن أي نار تشتعل هناك ستصل حتماٌ إلى الجيران.

إيران تقول إنها ترد. وتقول إنها تستهدف من يشارك في الحرب عليها. لكن على الأرض لا أحد يفرق بين قاعدة عسكرية وخزان مياه. ولا بين هدف إستراتيجي وبين حي سكني.

  • المنطقة في حالة جنون جماعي وحرباٌ غير معلنة

المنطقة دخلت في حالة لا تشبه أي شيء رأيناه من قبل. ليست حرباٌ معلنة بين دولتين وليست أزمة دبلوماسية تحل بالبيانات. إنها حالة جنون جماعي. كل طرف يضرب وكل طرف يعترض وكل طرف يهدد وفي المنتصف يقف المدنيون الذين لا ذنب لهم يحسبون كم بقي من الوقت قبل صافرة الإنذار القادمة.
الخليج الذي بني على النفط والهدوء والإزدهار وجد نفسه فجأة في إختبار البقاء. والسماء التي كانت ممراٌ للطائرات صارت ممراٌ للصواريخ. والبحر الذي كان شريان التجارة صار ممراٌ للتهديد.

فى النهاية: حين تشتعل النيران في طهران وفي الرياض وفي المنامة وفي الكويت وفي أبوظبي وفي أربيل في نفس التوقيت فهذا يعني شيئاٌ واحداٌ فقط. أن قواعد اللعبة القديمة انتهت. وأن المنطقة كلها دخلت فصلاٌ جديداٌ عنوانه ليس الإنتصار ولا الهزيمة. عنوانه متى تنتهى هذه الفوضى وتعود المنطقة كسابق عهدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى