
عزة الفشني: عندما اشترت أمريكا شهادة وفاة الخطر النووي
انتهت المسرحية. أُسدل الستار على فصل اليورانيوم، ورُفع الستار عن فصل النفط. في المشهد الأخير، لم يكن البطل هو العالم الذري، بل كان التاجر الذي يوقّع عقد الستين يومًا.
عندما قالت أمريكا: نشتري، وقالت إيران: نبيع، نطق التاريخ جملته الفاصلة: كل ما سبق كان تمهيدًا لهذه اللحظة. كل التهديد، كل الحصار، وكل الدم، كان ثمنًا للتفاوض من أجل خفض سعر البرميل.
برميل النفط الذي أسقط أقنعة الحرب
قالوا لنا منذ الطلقة الأولى إنها حرب وجود، فإذا بها حرب وقود. أقسموا أن الخطر تحت الأرض، في أجهزة الطرد المركزي، فإذا بالخطر الحقيقي فوق الأرض، في حقول النفط. خدعوا العالم بعباءة الذرة، بينما كانوا يتقاسمون عباءة البترول.
ستون يومًا كانت كافية لتجعل كل خطابات الحرب تبدو كنكتة سخيفة. وافقت إيران، فاعترفت أن الشعار كان للاستهلاك. عرضت أمريكا، فاعترفت أن العقوبة كانت للمزايدة. وبين العرض والموافقة، دُفنت أكذوبة الخطر النووي في مقبرة المصالح.
في السياسة لا توجد صدف، وفي الحروب لا توجد شعارات بريئة. عندما مدّت أمريكا يدها لإيران عارضة شراء نفطها لمدة ستين يومًا، وعندما لم تتردد طهران في القبول، انكشف المستور الذي حاولت كل أبواق العالم إخفاءه. لم تكن القصة يومًا عن برنامج نووي تدور أحداثه في نطنز، بل عن براميل سوداء تدور في أسواق الطاقة. لم تكن المعركة على نسبة تخصيب، بل على نسبة تحكم في شريان العالم.
منذ الرصاصة الأولى في هذه المواجهة قلناها بوضوح: فتشوا عن النفط. كل الصراخ عن البرنامج النووي الإيراني كان مجرد ستارة، وخلفها كانت الأصابع تعد البراميل وتقسم الحصص. أشغلوا العالم باليورانيوم كي لا يسأل عن الخريطة التي يُعاد رسمها فوق آبار النفط والممرات البحرية. أوهمونا أن الخطر في المفاعل، بينما الخطر الحقيقي كان فيمن يريد أن يمسك وحده بمفتاح الطاقة العالمي.
مشهد عبثي لمن صدّق الرواية، ومنطقي لمن فهم اللعبة من بدايتها
ستون يومًا فقط كانت كفيلة بفضح كل شيء. الإدارة التي فرضت أقصى العقوبات، ولاحقت الناقلات في عرض البحر، وهددت بحرق المنطقة إن اقترب أحد من النفط الإيراني، عادت اليوم تشتري. والنظام الذي رفع راية التحدي، وتوعّد بإغلاق المضائق، وأقسم ألا يبيع قطرة إلا بشروطه، جلس على طاولة واحدة ليوقّع عقد بيع. المشهد عبثي لمن صدّق الرواية، ومنطقي جدًا لمن فهم اللعبة من بدايتها.
هذا ليس تناقضًا، بل هو جوهر السياسة حين تخلع ثوب الأيديولوجيا وترتدي بدلة التاجر. اليورانيوم كان الذريعة التي تخيف الشعوب، وتستفز الحلفاء، وتبرر الميزانيات، وتعطي للحرب غطاءً أخلاقيًا وسياسيًا.
الدم الذي أُريق كان قربانًا على مذبح النفط
الاتفاق المؤقت بستين يومًا هو أهم وثيقة في هذه الحرب، لأنه الوثيقة الوحيدة الصادقة. هو الاعتراف الصريح بأن الدم الذي أُريق كان وقودًا لصفقة، وأن اقتصاد بعض الدول الذي انهار كان قربانًا على مذبح البرميل. هو الدليل القاطع على أن الشعارات الكبرى تُرفع أمام العالم، بينما الصفقات الحقيقية تُوقّع خلف الأبواب المغلقة.
لقد سقطت الحجة. سقطت كل تحليلات الخبراء، وكل تقارير الاستخبارات، وكل دموع التماسيح التي ذُرفت على أمن العالم. ما جرى أثبت أن الأمن المقصود هو أمن إمدادات الطاقة، وأن الخطر الذي كانوا يحاربونه هو خطر استقلال قرار البيع عن إرادة المشتري الأكبر.
فتش دائمًا عن الفاتورة.. ستجدها في النفط
التاريخ لن يكتب أن هذه الحرب اندلعت بسبب طموح نووي، بل سيكتب أنها كانت حربًا على النفط. ستون يومًا من التبادل التجاري كانت كافية لكتابة الفصل الأخير في رواية كاذبة استمرت سنوات. والدرس الذي يجب ألا ننساه: عندما تسمع طبول الحرب تدق باسم القيم الكبرى، فتش دائمًا عن الفاتورة؛ غالبًا ستجدها فاتورة نفط.
عندما يعلو صوت النفط، تصمت كل البنادق وتتعرى كل الشعارات
التاريخ لن يذكر أسماء الجنرالات الذين صرخوا، بل سيذكر أسماء الذين وقّعوا. لن يخلّد الخطب التي أثارت الشعوب، بل سيخلّد التوقيع الذي أخمد النيران.
لقد سقطت القضية لأنها بيعت، وسقطت الحجة لأنها شُحنت، وبقي الدرس يتردد في الآذان بعد تلك المسرحية: لا تصدق طبول الحرب حين تدق باسم المبادئ؛ فخلف كل دقة طبول نية مبيتة لنهب الوقود.
وهكذا يُسدل الستار؛ لا ببيان نصر، ولا بمعاهدة سلام، بل باتفاقية وقود. ستون يومًا من النفط كانت الكلمة الأخيرة في حرب أقنعوا العالم بأنها عن الذرة.
انتهت الحرب، وانتهت الكذبة، يوم بدأ بيع النفط. وما بين البداية والنهاية، كان هناك شعب دفع الثمن مرتين: مرة بالدم، ومرة بالخديعة.
فعندما يعلو صوت النفط، لا يبقى شيء ليقال. يبقى فقط أن يُدفن الكذب، ويحاسب التاريخ.



