مقالات

القرصنة السيادية: العراق المسجون في عباءة الأمريكان منذ عام 2003

بينما ينشغل العالم اليوم بالحرب الأمريكية الجديدة الساعية للاستحواذ على نفط إيران، ومِن خلفه نفط الخليج، تتغافل الأعين عن استعمار أقدم وأعمق ابتلع العراق منذ عام 2003 ولم يرحل عنه حتى يومنا هذا. فرغم الحديث الإعلامي المستمر عن انسحاب عسكري شكلي، يظل الاستعمار الحقيقي كامناً في دهاليز المال والاقتصاد، فالحقيقة العارية هي أن أمريكا لم تغادر بلاد الرافدين، بل أحكمت قبضتها على “مفاتيح الخزائن” التي استولت عليها منذ لحظة الغزو الأولى.

لقد بات لزاماً على العالم اليوم أن يدرك أن هيمنة واشنطن المطلقة على عائدات النفط العراقي وأمواله، ليست سوى الثمن المؤجل لـ “الخديعة الكبرى” عام 2003. ففي الوقت الذي كذبت فيه أمريكا على المجتمع الدولي مدعيةً امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل، وحشدت خلفها جيوش الأرض لتبرير الغزو، كانت هي المنتفع الأوحد الذي خرج من وسط الدمار حاملاً مفاتيح الثروة النفطية؛ لتودعها في بنوكها الخاصة، وتكتفي بمنح بغداد “مصروفها” بالقطارة.

ولعل هذه التجربة المريرة هي ما أيقظ القوى الأوروبية وبريطانيا مبكراً على حقيقة “الشرك الأمريكي”. فامتنعت هذه الدول عن مجاراة واشنطن في حروبها ومغامراتها اللاحقة في المنطقة، بعد أن أدركت بوضوح يقيني أن الولايات المتحدة لا تبحث عن حلفاء تشاركهم، بل عن “خزائن” تنفرد بها وحدها.

كيف تحول نفط العراق إلى رهينة في نيويورك؟

وفي واقعة تجسد هذه التبعية المهينة وصُفت بأنها “قرصنة سيادية” بامتياز، استيقظت بغداد هذا الشهر (أبريل 2026) على صدمة مالية غير مسبوقة؛ إذ أقدمت الخزانة الأمريكية على احتجاز طائرة شحن محملة بـ 500 مليون دولار من أموال العراق “الكاش”، ومنعها من الإقلاع نحو مطار بغداد الدولي. هذا الإجراء الذي اتخذته إدارة ترامب دون سند قانوني، لم يكن إلا “ابتزازاً سياسياً” فجاً لإجبار الحكومة العراقية على تقديم تنازلات أمنية، ليضع الدولة أمام الحقيقة التي حاول الكثيرون تجاهلها: أن السيادة العراقية تظل ناقصة ما دام “مفتاح الخزينة” معلقاً في حزام الخزانة الأمريكية.

لم يكن احتجاز الطائرة مجرد إجراء عابر، بل هو النتيجة المنطقية لآلية تفرض صبّ كافة عائدات النفط العراقي إجبارياً في البنك الفيدرالي بنيويورك. إنها التبعية التي تخنق السيادة بلغة الأرقام المرعبة؛ فبينما حقق العراق طفرة مالية بمبيعات تجاوزت 95 مليار دولار خلال عام 2025، بمتوسط تدفق شهري يصل إلى 8 مليارات دولار، إلا أن هذه الأموال لا تلمس أرض بغداد إلا بموافقة أمريكية مسبقة.

يمتلك العراق اليوم احتياطياً أسطورياً يتجاوز 100 مليار دولار، لكنه احتياطي “محبوس” تحول من صمام أمان للتنمية إلى أداة لـ “لوي ذراع” القرار الوطني. وما يزيد المشهد مرارة هو استمرار واشنطن في نصب “فخ الحصانة” عبر استخدام فزاعة التعويضات والديون المجهولة لضمان بقاء الوصاية، رغم أن العراق أغلق رسمياً أثقل ملفاته المالية بسداد آخر دولار من تعويضات الكويت في عام 2022. إنه وضع يجعل الدولة تعمل بنظام “المصروف اليومي”، في مفارقة تاريخية صارخة: عراقٌ بلا ديون دولية، لكنه لا يملك حق التصرف في أمواله.

كيف ترهن واشنطن معيشة 47 مليون عراقي؟

تتجلى بشاعة “الخناق المالي” في المقارنة بين ما يملكه العراق وما يُسمح له بلمسه؛ فبينما تتدفق المليارات إلى نيويورك، لا يحصل العراق فعلياً إلا على “فتات نقدي” يتراوح بين 7 إلى 8 مليارات دولار سنوياً كسيولة كاش، بينما تظل بقية الثروة مجرد أرقام إلكترونية تخضع لمزاجية الرقابة الأمريكية. إن احتجاز واشنطن لشحنة الـ 500 مليون دولار هذا الشهر ليس مجرد إجراء فني، بل هو طعنة في قلب الأمن المعيشي؛ فهذا النقد هو “الوقود” الذي يحركه البنك المركزي العراقي للحصول على الدينار اللازم لدفع رواتب “جيش” من الموظفين والمتقاعدين يتجاوز 9 ملايين شخص.

إن أمريكا اليوم لا تحتجز طائرة أموال فحسب، بل تحتجز لقمة عيش شعب شارف على 47 مليون نسمة؛ حيث يؤدي أي نقص في “الكاش” إلى اشتعال السوق الموازي وارتفاع جنوني في أسعار الغذاء والدواء المستورد بالأساس. لقد حولت واشنطن هذا “المصروف السنوي” المحدود إلى جهاز إنعاش تملك وحدها حق إطفائه، ليبقى مصير ملايين العائلات العراقية رهينة طائرة تقلع أو تُحتجز في مطارات نيويورك، في أكبر عملية “إذلال سيادي” لبلد لا يمتلك من أمره سوى انتظار “القطارة” الأمريكية.

الآن وليس غداً” لاستعادة السيادة من غفلة العملاق

إن أوان التحرر من الأغلال المالية هو “الآن وليس غداً”؛ فالعالم يمر بلحظة تاريخية فارقة، والعملاق الأمريكي غارق في صراعات كبرى وتحديات داخلية تجعل تركيزه مشتتاً. هذه الفرصة الذهبية تتطلب تحركاً فورياً نحو “مثلث النجاة” (بكين، أنقرة، وموسكو) ليس كبديل سياسي فحسب، بل كشراكة تنموية تنعكس آثارها على كل بيت في العراق:

الصين (الشريك الضامن): تشتري بكين وحدها 50% من نفط العراق، وهذا يمنح بغداد قوة تفاوضية هائلة. البدء باستخدام “اليوان الرقمي” هو ضربة البداية لكسر نظام “سويفت” الأمريكي، لكن المنفعة الحقيقية تكمن في تحويل هذه المبيعات إلى “عقود تنمية عملاقة”. فبدلاً من بقاء الأموال أرقاماً محبوسة في نيويورك، ستتحول مباشرة إلى محطات كهرباء صينية حديثة تنهي عقوداً من الظلام، ومدارس ومستشفيات وطرق سريعة تُبنى “مقابل النفط”، مما يوفر مئات الآلاف من فرص العمل للشباب العراقي بعيداً عن تقلبات الدولار.

تركيا (الرئة البديلة): التوجه نحو أنقرة عبر مشروع “طريق التنمية” الاستراتيجي ليس مجرد ممر تجاري، بل هو “بوابة أمان” لقمة العيش. التبادل بالعملات المحلية مع الجار التركي سيوفر السلع الغذائية والإنشائية بأسعار مستقرة، ويكسر احتكار الدولار لتمويل الاستيراد اليومي. هذا التحرك سيؤدي فوراً إلى انخفاض تكاليف المعيشة للمواطن، ويحمي الأسواق من أي “هزة” أو قرصنة أمريكية مفاجئة، محولاً العراق إلى مركز لوجستي عالمي يربط الشرق بالغرب.

روسيا (الخبرة التقنية): الاستعانة بالتكنولوجيا الروسية في قطاع الطاقة والغاز هي الخطوة الكفيلة بكسر “الفيتو التقني” الأمريكي. المواطن العراقي سيجني ثمار هذه الشراكة من خلال استثمار الغاز المصاحب وتشغيل المصانع المعطلة، مما يحول العراق من بلد مستهلك لمنتجات الغير إلى بلد منتج يمتلك أمنه الطاقي والغذائي بيده، لا بيد الشركات الغربية التي تستخدم الصيانة والمعدات كأوراق ضغط سياسي.

إن هذا التحالف الثلاثي سيعيد صياغة الاقتصاد العراقي من نظام “المصروف اليومي” المهين، إلى نظام “التنمية الشاملة”؛ حيث تتحول ثروة النفط من مجرد أرصدة في بنوك الخصوم إلى نهضة عمرانية وصناعية يلمسها المواطن في استقرار سعره، ووفرة خدماته، وكرامة عيشه.

الدرس الإيراني.. هل تكسر “إرادة الداخل” حصار الخارج؟

يتذرع البعض بأن الخروج من المظلة الأمريكية سيؤدي حتماً إلى انهيار العراق، لكن نظرة واحدة إلى الجارة إيران تفكك هذه الأوهام بالكامل. فبالرغم من عزلها عن نظام “سويفت” لسنوات طويلة وتجميد مئات المليارات من أموالها، إلا أنها لم تنهار؛ بل حولت “الحصار” إلى “فرصة” لبناء منظومة عسكرية وتكنولوجية وصناعية مستقلة، أثبتت نجاحها في صمودها الحالي عام 2026 أمام القوى الكبرى.

إن هذا الإخفاق الأمريكي في “تركيع” إيران مالياً هو تحديداً ما دفع دولاً عظمى كالصين وروسيا للوثوق بجدوى بناء نظام مالي عالمي جديد مثل بريكس+ ونظام الدفع الصيني CIPS، وهو القطار الذي يجب على العراق ركوبه الآن قبل فوات الأوان. إن تجربة إيران تُثبت أن السيادة تُصنع في المصانع لا في بنوك نيويورك، والعراق يمتلك كافة المقومات لتبني هذا النموذج المستقل عبر مسارين: توطين الصناعة الدفاعية والتقنية،من خلال شراكات استراتيجية مع الخبرات الروسية والصينية لكسر “التبعية التسليحية” وضمان أمن قومي لا يخضع للابتزاز. بناء نظام مالي موازٍ، يعتمد على التبادل السلعي المباشر والعملات المحلية، استكمالاً للمسار الذي شقته طهران لتجاوز مقصلة الدولار.

إن الدرس المستفاد هو أن واشنطن قد تملك “مفاتيح المصارف”، لكنها لا تملك إرادة الشعوب، فإذا امتلك العراق الجرأة لاستعادة ذهبه المودع في الخارج والذي يقدر ما يقارب  (145 طناً) وتوطين استثماراته، فإنه سيتحول من دولة تنتظر “المصروف” بمهانة، إلى قوة إقليمية تمتلك قرارها بكرامة، تماماً كما فعل الذين رفضوا الانصياع لترهيب نظام “سويفت” المترنح.

إن انشغال واشنطن بأجنداتها الدولية المعقدة حالياً هو “نافذة الأمل” التي يجب أن يقتحمها القرار العراقي. التحرر من “المغتصب المالي” يتطلب بناء نظام دفع وطني مستقل فوراً وتنويع سلة العملات. السؤال الموجه للقيادة العراقية، هل ستغتنمون لحظة انشغال العملاق الأمريكي لتنفيذ “استقلال مالي هادئ”، أم ستنتظرون حتى يستفيق من أحلامه ليغلق “صنبور الحياة” بالكامل في وجهكم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى