
السيد الربوة: لبنان بين مطرقة الشروط الإسرائيلية وسندان الفتنة الداخلية
تتجه الأنظار بخصوص الملف اللبناني، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن يوم الخميس القادم، 23 أبريل 2026، حيث تعقد في مقر وزارة الخارجية جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء. وبحسب تصريحات مسؤول أمريكي لوكالة “فرانس برس”، تهدف هذه الجولة إلى تحويل “الاتفاق الهش” لوقف إطلاق النار إلى تسوية دائمة، في وقت يجد فيه لبنان نفسه أمام اختبار تاريخي يفتقر لأدنى مقومات تكافؤ الفرص.
إن التاريخ لا يكرر نفسه، بل يعيد تدوير قواعده القاسية بوجوه وأدوات أكثر حدة؛ إذ يدخل المفاوض اللبناني قاعة الاجتماعات بجيوب فارغة وبيت منقسم، ليواجه استراتيجية إسرائيلية، تحمل الخبث والدهاء كعادتها مع الدول. حيث تتجاوز تأمين الحدود إلى مساومة الدولة بـ سلاح الجوع، عبر ربط أموال إعادة الإعمار بشروط أمنية تمس جوهر السيادة.
النازحون كقنبلة موقوتة
وبينما يستمر دوي المدافع على طول الحدود الجنوبية، تشن إسرائيل حرباً من نوع آخر في غرف التخطيط وصناعة القرار؛ حرب لا تستهدف فقط تدمير منصات الصواريخ، بل تهدف إلى تمزيق ما تبقى من تماسك بين اللبنانيين. ومع الحلول التى طرحت مؤخراً، بات من الواضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية لم تعد تكتفي بالقصف العسكري، بل انتقلت إلى مرحلة “اللعب على وتر الخلافات”، لتحقيق مكاسب سياسية عجزت عن نيلها في أرض المعركة. إنها تحاول تحويل التنوع الطائفي في لبنان إلى فتنة تنفجر من الداخل، مستغلة الانهيار الاقتصادي وغياب السلطة القوية لتضيق الخناق أكثر على عنق الدولة اللبنانية.
وتؤكد التقارير التى نشرتها وكالات ومنظمة (هيومن رايتس ووتش) أن قضية النزوح أصبحت الأداة الأبرز في التكتيك الإسرائيلي،؛ فمنذ تصعيد مارس الماضي، دفعت أوامر الإخلاء الشاملة بأكثر من مليون ومائتي ألف نازح من الجنوب والبقاع والضاحية نحو مناطق الجبل والشمال وبيروت الإدارية. ولذا فإن الهدف الإسرائيلي هنا يتجاوز “حماية المدنيين” كما تدعي، ليصب في خانة خلق احتكاك يومي ومباشر بين بيئة “المقاومة” المنهكة وبيئات طائفية أخرى تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية خانقة. وترصد التقارير الأمنية في بيروت، كما أشارت (الأمم المتحدة) في تحديثاتها الأخيرة، تزايداً في الحوادث الفردية المرتبطة بالإيجارات والخدمات، وتصاعداً في خطاب التحريض الناجم عن الخوف من الاستهداف الإسرائيلي للمنازل المستضيفة، وهو ما تراه تل أبيب “نجاحاً” في تحويل عبء الحرب من عاتقها إلى عاتق النسيج الاجتماعي اللبناني.
لبنان في مواجهة “دبلوماسية الإملاءات”
دخل لبنان في مرحلة المفاوضات المباشرة بوساطة أمريكية حصرية، توزعت أجندتها بين واشنطن واللقاءات التمهيدية في إسلام آباد. هنا، كشرت الخطة الإسرائيلية عن أنيابها السياسية؛ إذ لم يعد الهدف مجرد وقف إطلاق النار، بل اللعب على وتر “عزل المقاومة” وتفكيك الجبهة الداخلية. وتسعى تل أبيب من خلال هذه الطاولة إلى إحراج الدولة اللبنانية، عبر كيل المديح لمواقف الرئيس جوزيف عون والحكومة فيما يخص حصر السلاح، وهي “إشادة مسمومة” تهدف لتصوير السلطة الرسمية في نظر بيئة حزب الله كطرف “خاضع” أو “متواطئ”، مما يعمق التصدع الوطني ويجعل التفاوض يبدو وكأنه استسلام مغلف بالدبلوماسية
هذا المأزق الوجودي تباركه واشنطن التي تحولت من وسيط إلى مصفاة، للطموحات الإسرائيلية؛ فإدارة ترامب لا تبحث عن حلول عادلة، بل عن “إنهاء الحروب لصالح الحلفاء”، وهو ما يظهر في تقديم واشنطن لتنازلات شكلية للرئيس عون لتعزيز موقفه داخلياً، مثل تغيير المسميات من “منطقة عازلة” إلى “منطقة خالية من السلاح”، مع منح وعود براقة بإعادة الإعمار عبر مؤتمرات دولية، بينما تظل الحقيقة المريرة هي انتزاع “حق التدخل” الإسرائيلي الدائم.
لقد حسم الرئيس جوزيف عون خياره بالسفر إلى واشنطن، ربما يكون موعده بعد فترة وجيزة من الاجتماع الثاني الذي اعلن عنه وتحدثت عنه في بداية المقال، متجاوزاً “الألغام” الداخلية وغياب التوافق الوطني، مراهناً على شرعيته العسكرية والدعم الدولي “الاستثنائي” من أمريكا وفرنسا. يرفع عون شعار “لبنان أولاً” ليفصل مسار الدولة عن الصراعات الإقليمية، لكنه يواجه مخاطرة كبرى؛ فالمظلة الأمريكية التي تحميه شخصياً وتمنحه “حصانة سياسية” قد تتركه وحيداً أمام شعبه إذا عاد باتفاق منقوص ينتزع مخالب السيادة. إن الرهان الإسرائيلي الأمريكي اليوم هو إجبار لبنان على السير في طريق الإذعان المُر، تحت ضغط الانهيار الاقتصادي، مما يضع البلاد أمام شبح “اتفاق 17 أيار” جديد، حيث يذهب الرئيس للمفاوضات بوعود دولية كبرى، لكنه يترك خلفه ساحة داخلية تغلي قد تنفجر في أي لحظة إذا ما شعر طرف أساسي فيها بالخديعة أو العزلة.
استراتيجية “الإضعاف لا السحق”
على عكس حروب السبعينيات والثمانينيات، يبدو أن إسرائيل لا تهدف إلى سحق طرف لصالح طرف آخر بشكل كامل، بل تتبنى استراتيجية “الإضعاف المتوازن”. إن بقاء لبنان في حالة “غليان داخلي” مستمر يخدم إسرائيل في عدةمحاور،من بينها، جعل سلاح حزب الله موجهاً نحو الداخل لحماية بيئته وتأمين نفوذه، بدلاً من التفرغ للجبهة الشمالية. وضع الجيش اللبناني في مواجهة مهام مستحيلة؛ فهو مطالب دولياً بنزع السلاح، ومطالب داخلياً بحماية السلم الأهلي، وأي خطوة ناقصة قد تؤدي لانقسام هذه المؤسسة التي تعد الركيزة الأخيرة للدولة، حتي بشكلها الحالي . إيصال رسالة لكل لبناني بأن “ثمن” احتضان المقاومة هو ليس فقط الدمار المادي، بل فقدان الوطن والعيش المشترك.
وبحسب تسريبات نشرتها وكالات بينها الأناضول فإن مسودة الاتفاق التي يحملها الوسيط الأمريكي تتضمن بنوداً تتجاوز في خطورتها القرار 1701، وتهدف إلى تحقيق ثلاثة مكاسب استراتيجية.
كشفت تقارير مسربة من أروقة مجلس الأمن،ونقلتها بعض وسائل الإعلام أن إسرائيل تضغط لتعديل مهام القوات الدولية “اليونيفيل”، لتتحول من قوات حفظ سلام إلى قوة تفتيش هجومية. هذا التعديل يمنح القوات الدولية الحق في مداهمة أي عقار خاص أو منشأة عامة دون إذن مسبق من الجيش اللبناني، بهدف نزع السلاح فعلياً وتحويل القوة الدولية إلى عين أمنية مباشرة لتل أبيب.
كما تشير تقارير لوكالات منها وكالة أسوشيتد برس، إلى أن إسرائيل تطالب بفرض “منطقة عازلة فعلية” تمتد بعمق كبير ،المخطط المسرب يهدف لأن تكون هذه المنطقة خالية تماماً من السكان والنشاط العسكري، وتدار بإشراف دولي مباشر وتنسيق أمني عابر للحدود، مع إسرائيل. التى تصر على تثبيت حق التدخل ، مما يعني شرعنة أي غارة إسرائيلية مستقبلية داخل الأراضي اللبنانية تحت ذريعة الدفاع عن النفس.
والهدف الأكبر، هو إخراج لبنان رسمياً من دائرة الصراع الإقليمي. وتتضمن المسودة ربط صندوق إعادة إعمار لبنان، (الذي تم التلويح به في قمة واشنطن الأخيرة) بتعهدات سياسية صارمة تشمل تحييداً دستورياً، للبنان، ومنع أي نشاط عسكري أو سياسي يدعم جبهات أخرى. هذا “التحييد القسري” يهدف لتحويل لبنان إلى جزيرة معزولة أمنياً، حيث تصبح المساعدات المالية مشروطة بمدى التزام الدولة بتفكيك البنى التحتية للمقاومة
إن ما يُطرح اليوم في الكواليس ليس تعديلاً تقنياً” للحدود، بل هو محاولة لفرض، صك استسلام سيادي، يستغل حاجة اللبنانيين للإعمار والهدوء، ليقيد قرارهم الوطني لعقود قادمة بضمانات أمريكية-إسرائيلية مشتركة.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا التمادي في اللعب على الوتر الطائفي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فالتاريخ اللبناني يثبت أن التدخل الإسرائيلي الفج في الشؤون الداخلية غالباً ما ينتهي بتوحيد الخصوم ضد الخطر الوجودي. يبقى السؤال القائم في أروقة قصر بعبدا ودهاليز الحكومة، هل يستطيع لبنان الرسمي تحويل ضعفه العسكري، إلى قوة سياسية، عبر التمسك بالوحدة الداخلية، أم أن فخ الفتنة الذي نصبته تل أبيب بات أسرع من محاولات الإنقاذ.


